جاري التحميل...

ثورة النفايات: حين تتحول الجثث إلى صور، والوعي إلى متفرّج، والمجتمع إلى مكبٍّ مفتوح

بقلم: عماد خالد رحمة _ برلين

ثَمَّةَ لحظةٌ في تاريخ الأمم لا يعود فيها السؤال: كم قتلنا؟، بل يصبح السؤال الأكثر فزعاً: ماذا فعل الموت بنا؟
فالموت، حين يتكرر حتى يفقد دهشته، لا يعود حادثةً استثنائية؛ يتحول إلى بنيةٍ اجتماعية، وإلى لغةٍ يومية، وإلى مشهدٍ مألوف تتداوله الشاشات كما تتداول الأسواق السلع. وحين تتراكم الجثث أكثر مما تتسع لها المقابر، وتتحول المدن إلى خرائط للخراب، لا يبقى الخراب محصوراً في الحجر؛ إنه يتسلل إلى اللغة، وإلى الذاكرة، وإلى الضمير، وإلى قدرة الإنسان على التمييز بين ما ينبغي أن يُرى وما ينبغي أن يُستحى منه.
كأن كل هذا الموت المجاني الذي يجري في بلادنا لا يكفي، وكأن الجثث التي أثقلتها الحروب، والمقابر التي ضاقت بأصحابها، والمدن التي أكلتها الحرائق، لا تزال عاجزة عن استيعاب حجم الكارثة؛ فإذا بنا نضيف إلى المشهد نوعاً آخر من الموت: نفايات بشرية وإعلامية وسياسية، ذات مفعول انتحاري، لا تكتفي بتلويث فضائنا العام، بل تسعى إلى تلويث الإنسان نفسه.
إنها ليست نفايات بالمعنى المادي للكلمة؛ إنها فائضٌ من الخطاب المريض، والصورة المبتذلة، والتحريض، والكراهية، والكذب، والتشهير، والتجييش، وتحويل الضحية إلى مادة للفرجة، والموت إلى محتوى، والدم إلى وسيلةٍ لاستقطاب الجمهور.
وهنا تبدأ ثورة النفايات.

ليست الثورة هذه المرة ثورة الجائعين على الجوع، ولا ثورة المقهورين على القهر، بل ثورة الفائض الرديء على المعنى؛ ثورة ما تنتجه المجتمعات حين تعجز عن تحويل الألم إلى معرفة، والغضب إلى إصلاح، والاختلاف إلى حوار، والمأساة إلى درس تاريخي.
إننا لا نعيش فقط أزمة سياسية أو اقتصادية أو أمنية؛ إننا نعيش، في جانب عميق منها، أزمة إنتاج للمعنى.

أولاً: حين يصبح الإنسان مادةً قابلة للاستهلاك:

كان غي ديبور يرى في كتابه مجتمع الفرجة أن العلاقات الإنسانية في المجتمعات الحديثة أخذت تُستبدل بعلاقات عبر الصور، حتى غدت الحياة نفسها قابلة للتحول إلى مشهد يُستهلك.
ولعل أكثر ما يثير الرعب في زمننا العربي أن الموت لم يعد دائماً حدثاً إنسانياً يُستقبل بالحزن، بل صار في أحيان كثيرة مادةً بصرية للاستهلاك.
جثةٌ تُصوَّر.
طفلٌ يبكي.
امرأةٌ تبحث عن بيتها بين الأنقاض.
أمٌّ تحمل صورة ابنها.
مدينةٌ تحترق.
ثم تأتي الشاشة لتعيد إنتاج المشهد، مرةً بعد مرة، حتى يفقد الإنسان قدرته على الصدمة.

وهنا تكمن المأساة الثانية بعد الموت: موت الحساسية تجاه الموت.
فالإنسان الذي يرى الموت باستمرار قد لا يصبح أكثر رحمة بالضرورة؛ قد يصبح، بفعل التكرار، أقل قدرة على الإحساس به.
إن الشاشة الحديثة قادرة على أن تجعل المأساة قريبةً بصرياً وبعيدةً أخلاقياً في الوقت نفسه.
نرى كل شيء، لكننا لا نلمس شيئاً.
نعرف كل شيء، لكننا لا نفعل شيئاً.
نشارك الصورة، ونضع علامة التعاطف، ونكتب الغضب في سطر، ثم ننتقل إلى الإعلان التالي.
وهكذا تتحول المأساة إلى محتوى، ويتحول الإنسان إلى مشاهِد، ويتحول المشاهد إلى مستهلك.

ثانياً: النفايات ليست خارج المجتمع؛ إنها مرآته:

النفايات المادية تكشف شيئاً عن طريقة إدارة المجتمع لموارده، لكن النفايات الرمزية تكشف شيئاً أخطر: كيف يدير المجتمع وعيه.
لقد تحدث عالم الاجتماع زيغمونت باومان عن “الحداثة السائلة”، حيث تصبح العلاقات والهويات والقيم أقل ثباتاً، ويصبح التخلص من الأشياء والأشخاص والمواقف أسرع من القدرة على بناء بدائل مستقرة.
وفي هذا السياق يمكن النظر إلى النفايات الثقافية والإعلامية بوصفها نتاجاً لمجتمع يستهلك المعنى بسرعة، ثم يرميه بسرعة أكبر.
خبرٌ اليوم.
فضيحةٌ غداً.
ضحيةٌ بعد غد.
ثم يأتي موضوع جديد يزيح القديم.
إنها اقتصاديات النسيان.
والمجتمع الذي ينسى ضحاياه بسرعة، يصبح أكثر قابلية لإعادة إنتاج الجريمة.
لأن الجريمة لا تحتاج دائماً إلى قاتل جديد؛ يكفي أحياناً أن تجد مجتمعاً فقد ذاكرته.
ثالثاً: من عنف السلاح إلى عنف اللغة

لم يكن بيير بورديو ينظر إلى العنف باعتباره فعلاً جسدياً فقط؛ فقد صاغ مفهوم العنف الرمزي للدلالة على أشكال الهيمنة التي تعمل عبر اللغة والثقافة والتصنيفات الاجتماعية، بحيث يصبح الخضوع أحياناً مقبولاً أو غير مرئي.
وهذا ما يجعل بعض النفايات أخطر من الجثث نفسها.
فالرصاصة تقتل جسداً، أما الكلمة المحرِّضة فقد تصنع مجتمعاً قابلاً للقتل.
والخطاب الذي يقسم الناس إلى “نحن” و”هم”، و”وطنيين” و”خونة”، و”مؤمنين” و”كفار”، و”أصيلين” و”غرباء”، لا يصف الواقع فقط؛ إنه يصنع واقعاً جديداً.
حين تتكرر الكلمة التي تنزع الإنسانية عن الآخر، يصبح قتله أسهل.
فالإنسان الذي يُجرَّد من اسمه، وتاريخه، وحقه في الاختلاف، ويُختزل في طائفة أو قبيلة أو حزب أو منطقة أو موقف، يصبح في الوعي الجمعي أقل استحقاقاً للحياة.
وهكذا يبدأ القتل بالكلمة قبل أن يبدأ بالسلاح.
رابعاً: هل أصبح قدرنا أن نقتل بعضنا بعضاً؟
ليس التاريخ قدراً.
وهذه واحدة من أهم الحقائق التي ينبغي أن تستعيدها المجتمعات العربية في لحظة الانهيار.
ليس صحيحاً أن العنف جزء أبدي من طبيعتنا.
وليس صحيحاً أن الاستبداد قدرٌ جغرافي.
وليس صحيحاً أن الطائفية جوهرٌ سرمدي.
وليس صحيحاً أن التخلف لعنةٌ وراثية.
فالإنسان، كما يعلّمنا التاريخ الاجتماعي والسياسي، كائن قابل للتغيير.
وقد رأى كارل ماركس أن البشر يصنعون تاريخهم، وإن كانوا لا يصنعونه في شروط يختارونها بالكامل. وهذه الفكرة، على الرغم من اختلافنا مع كثير من مقدماتها المادية، تظل ذات أهمية: إن المجتمع ليس حجراً مغلقاً؛ إنه عملية تاريخية قابلة لإعادة البناء.

أما أنطونيو غرامشي فقد منحنا مفهوماً بالغ الأهمية هو الهيمنة الثقافية؛ فالسيطرة لا تتم بالسلاح وحده، وإنما عبر تشكيل الوعي، وتحديد ما يبدو طبيعياً، وما يبدو مستحيلاً، وما يُسمح بالتفكير فيه وما يُمنع.
ومن هنا فإن تحرير المجتمع لا يبدأ دائماً من الشارع؛ قد يبدأ من تحرير اللغة من الخوف، ومن تحرير العقل من المسلمات التي تحوّل العنف إلى قدر.
خامساً: عندما يصبح الاختلاف جريمة

المجتمعات الحية لا تخاف من الاختلاف؛ لأنها تعرف أن الاختلاف أحد شروط إنتاج المعرفة.
أما المجتمعات المأزومة فتبحث عن التطابق.
الجميع يجب أن يقول الشيء نفسه.
والجميع يجب أن يحب بالطريقة نفسها.
والجميع يجب أن يرى الوطن من النافذة نفسها.
والجميع يجب أن يصفق.
ومن يخرج عن الصف يصبح عدواً.
هنا يمكن استحضار حنة آرنت، التي اهتمت في تحليلها للشمولية بمسألة انهيار المجال السياسي وتحول الإنسان إلى كائن معزول، قابل للتعبئة والتوجيه.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث للمجتمع ليس أن يختلف أفراده، بل أن يفقدوا القدرة على العيش مع اختلافاتهم.
فالاختلاف حين يُدار بالعقل ينتج التعدد.
وحين يُدار بالخوف ينتج الكراهية.
وحين يُدار بالسلاح ينتج المقابر.

سادساً: النفايات السياسية وصناعة العدو

تحتاج السلطة المغلقة، في كثير من الأحيان، إلى عدو دائم كي تبرر استمرار خوفها.
وقد تنبه كارل شميت إلى مركزية التمييز بين الصديق والعدو في التفكير السياسي؛ لكن المأساة تبدأ حين تتحول هذه الثنائية من مفهوم سياسي إلى آلة لإنتاج الكراهية.
فحين يصبح الآخر عدواً بحكم هويته، لا بحكم فعله، يتحول المجتمع إلى ساحة اشتباه دائم.
كل فرد مشروع خصم.
كل اختلاف مؤامرة.
كل سؤال خيانة.
كل نقد تهديد.
وفي هذه اللحظة تفقد السياسة معناها المدني، وتتحول إلى إدارة للخوف.
سابعاً: الإعلام حين يتحول إلى مكبٍّ للوعي
ليس الإعلام هو المشكلة.
المشكلة هي الإعلام حين يفقد مسؤوليته الأخلاقية.
فالإعلام يستطيع أن يكون عين المجتمع، لكنه يستطيع أيضاً أن يكون مرآةً مشوهة له.
والشاشة التي يمكن أن تكشف الجريمة يمكن أن تحولها إلى فرجة.
والكاميرا التي يمكن أن تحفظ ذاكرة الضحية يمكن أن تنتهك خصوصيتها.
والخبر الذي يمكن أن ينير العقل يمكن أن يتحول إلى أداة للتضليل.
وهنا تتجلى خطورة “اقتصاد الانتباه”: فكلما كانت الصورة أكثر إثارة، كانت أكثر قابلية للانتشار؛ وكلما كان الخطاب أكثر صراخاً، حصل على جمهور أكبر.
وهكذا يصبح الهدوء خاسراً في سوق الضجيج.

والحقيقة بطيئةً في سوق الأكاذيب.
والتفكير متعثراً في سوق الانفعال.
إننا أمام معركة لم تعد تدور فقط على الأرض، بل تدور داخل العقل.
ثامناً: النفايات البشرية أخطر من النفايات المادية

النفايات المادية يمكن جمعها ونقلها ومعالجتها.
أما النفايات البشرية، حين تتحول إلى وعي، فلا تُجمع بالشاحنات.
إنها تستقر في اللغة.
في المدرسة.
في المسجد.
في الجامعة.
في الحزب.
في الإعلام.
في البيت.
وفي ذاكرة الأطفال.
وقد كتب سيغموند فرويد عن نزعات العدوان في النفس البشرية، لكنه لم يقل إن الإنسان محكوم حتماً بالقتل؛ فالإنسان يحمل أيضاً إمكانات التسامي والكبح والتحويل.
وهنا يكمن دور الثقافة.
الثقافة ليست ترفاً.
إنها إحدى أدوات منع الإنسان من التحول إلى آلة عدوان.
الأدب الذي يعلّمنا رؤية الآخر إنساناً.
الفلسفة التي تدربنا على السؤال.
الفن الذي يحرر الحساسية.
التربية التي تعلم الاختلاف.
القانون الذي يردع القوة.
هذه كلها ليست كماليات؛ إنها بنية تحتية أخلاقية للمجتمع.

تاسعاً: الوعي لا يأتي متأخراً

ليس لك أن تنتقص من ظهور الصحو في أي حين، ولا أن تحدد للوعي متى يحين.
وإلا لقلنا إن كل تحول إيجابي في التاريخ كان متأخراً عن أوانه، وإن كل إصلاح أو تصحيح كان متخلفاً عن زمانه.
إن التاريخ ليس ساعةً ميكانيكية لا تسمح إلا بموعد واحد للخلاص.
كم من فكرة بدت مستحيلة ثم أصبحت قانوناً؟
وكم من ظلم بدا أبدياً ثم انهار؟
وكم من نظام ظن أنه خالد ثم سقط؟
وكم من شعبٍ ظن أنه يعيش في نهاية الطريق ثم اكتشف أن الطريق لم يبدأ بعد؟
لقد كان هيغل يرى التاريخ حركةً جدلية لا تتوقف عند لحظة واحدة، وكان إيمانويل كانط يرى في التنوير خروج الإنسان من حالة القصور التي يبقى فيها عاجزاً عن استعمال عقله دون وصاية.
إن أهم ثورة يمكن أن تقع في عالمنا العربي ليست بالضرورة ثورة في الشارع؛ قد تكون ثورة في طريقة التفكير.

أن ننتقل من سؤال: “من المسؤول عن موتنا؟” إلى سؤال: “كيف نمنع إنتاج الموت؟”
ومن سؤال: “من ينتصر؟” إلى سؤال: “كيف ننتصر جميعاً للحياة؟”
ومن سؤال: “من نحن؟” إلى سؤال أكثر نضجاً: “أي مجتمع نريد أن نكون؟”
عاشراً: ثورة النفايات تحتاج إلى ثورة مضادة

إذا كانت ثورة النفايات هي انفجار كل ما هو رديء في المجال العام، فإن مواجهتها لا تكون بالصراخ المضاد، ولا بإنتاج نفايات جديدة.
نحتاج إلى ثورة مضادة في الوعي.
ثورة تعيد للإنسان قيمته.
وللكلمة مسؤوليتها.
وللصورة حرمتها.
وللاختلاف مشروعيته.
وللعقل مكانته.
وللضحايا أسماءهم.
ثورة تجعل من المدرسة مصنعاً للمواطنة، ومن الجامعة فضاءً للسؤال، ومن الإعلام مؤسسةً للمعرفة، ومن الثقافة مقاومةً للابتذال، ومن القانون حداً للقوة، ومن السياسة إدارةً للاختلاف لا صناعةً للأعداء.

وهنا يكتسب مفهوم المجال العمومي عند يورغن هابرماس أهمية خاصة؛ فالمجتمع الديمقراطي يحتاج إلى فضاء يستطيع فيه المواطنون أن يناقشوا شؤونهم العامة بالحجة، لا بالرصاص، وبالاختلاف، لا بالإلغاء.
إن انهيار المجال العمومي يعني أن الناس يفقدون المكان الذي يمكن أن يحولوا فيه صراعاتهم إلى نقاشات.
وعندما يغيب الحوار، يتقدم العنف.
الحادي عشر: لا نحتاج إلى مزيد من المقابر
لقد امتلأت المقابر.
وامتلأت الشاشات.
وامتلأت الذاكرة.
وامتلأت اللغة أيضاً.
ما نحتاجه الآن ليس مقبرةً جديدة، بل بدايةً جديدة.

لا نحتاج إلى مزيد من الجثث كي نثبت أن هناك أزمة.
ولا نحتاج إلى مزيد من الصور كي نكتشف أن الإنسان يُذبح.
ولا نحتاج إلى مزيد من الخطابات كي نعرف أن الكراهية تتكاثر.
نحتاج إلى لحظة صمتٍ أخلاقية نسأل فيها أنفسنا:
متى أصبح موت الإنسان خبراً عادياً؟
ومتى أصبحت كرامته وجهة نظر؟
ومتى أصبح قتل الآخر بطولة؟
ومتى أصبحت الكراهية هوية؟
ومتى تحول الوطن من بيتٍ يتسع للجميع إلى غرفةٍ لا تتسع إلا لمن يشبهوننا؟
الثاني عشر: من ثورة الموت إلى ثورة الحياة
ربما يكون أخطر ما فعلناه بأنفسنا أننا سمحنا للموت أن يسرق منا حتى قدرتنا على تخيل الحياة.

لكن الشعوب لا تنهض حين تنتصر فقط؛ إنها تنهض حين تستعيد قدرتها على الحلم.
وهنا تصبح الثقافة فعلاً سياسياً بالمعنى الأعمق، ويصبح الشعر مقاومةً للعدم، والفلسفة دفاعاً عن السؤال، والفن استعادةً للحساسية، والتعليم تحريراً للعقل، والعدالة شرطاً للسلام.
لقد قال ألبير كامو، في سياق مختلف، إن التمرد يبدأ من قول “لا” للظلم، لكنه لا يكتمل إلا بإعادة اكتشاف قيمة الإنسان.
وهذه الـ”لا” هي ما نحتاج إليه اليوم:
لا للكراهية.
لا لتحويل الإنسان إلى رقم.
لا لتحويل الجثة إلى مادة دعائية.
لا لتحويل الاختلاف إلى خيانة.
لا لتحويل الدين إلى وقود للصراع.
لا لتحويل الوطن إلى ملكية خاصة.
لا لتحويل الإعلام إلى مكب للنفايات.
ولا لتحويل الإنسان العربي إلى كائنٍ يعيش بين الخوف والمقبرة والشاشة.
خاتمة: حين يصحو الوعي

إن ثورة النفايات ليست نهاية التاريخ، بل ربما تكون واحدة من العلامات الأكثر قسوة على أن شيئاً في بنية المجتمع قد بلغ درجةً لا يعود معها الإصلاح ترفاً.
فحين تصبح النفايات أكثر من أن تُخفى، يبدأ السؤال.
وحين يصبح الموت أكثر من أن يُحتمل، يبدأ الاعتراض.
وحين يصبح الكذب أكثر من أن يُصدَّق، تبدأ الحقيقة في البحث عن طريقها.
وحين يبلغ الظلام أقصى مداه، لا يكون الصباح مستحيلاً؛ بل يصبح أكثر ضرورة.
ليس صحيحاً أن وعينا جاء متأخراً.
فالوعي الذي يأتي بعد الكارثة قد يكون هو الوعي الذي يمنع الكارثة التالية.
والإصلاح الذي يبدأ بعد الانهيار ليس عديم القيمة؛ فقد تكون مهمته أن يمنع انهياراً آخر.
والصحوة، مهما تأخرت، تظل صحوة.
لذلك لا ينبغي أن نيأس من ظهور الصحو في أي حين.
فالإنسان لا يُقاس فقط بما ارتكبه من أخطاء، بل أيضاً بما يملك من قدرة على مراجعتها.
والأمم لا تُقاس بعدد المقابر التي حفرتها، بل بقدرتها على أن تتعلم كيف تغلق الطريق إلى المقبرة.

لقد آن لنا أن نخرج من عصر تراكم النفايات إلى عصر تنظيف الوعي.
أن نعيد الإنسان إلى مركز الحكاية.
أن نستبدل ثقافة الموت بثقافة الحياة.
وأن ندرك أن أخطر ما يهددنا ليس العدو القادم من الخارج وحده، بل النفايات التي ننتجها في داخلنا، ثم نصدّرها إلى العالم عبر الشاشات، ونطلب منه أن يشهد علينا.
إن الثورة الحقيقية ليست أن نكسر العالم، بل أن نكسر ما فينا من قابليةٍ لتخريبه.
وليست أن ننتصر على الآخر، بل أن ننتصر على الكراهية التي تجعل الآخر عدواً.

وليست أن نملأ التاريخ بمزيد من الجثث، بل أن نمنح التاريخ فرصةً لأن يتذكرنا بوصفنا الجيل الذي قال أخيراً:
كفى موتاً.
كفى كراهية.
كفى نفايات.
آن للوعي أن يصحو،
وللإنسان أن يستعيد إنسانيته.