السياسي -متابعات
لم يكن “رسام الآنسي” يَعرف، على الأرجح، أن مقطعاً عابراً سيضع وجهه في مرمى ملايين العيون.
طفل يمني في الثانية عشرة من عمره، ينحدر من مديرية آنس بمحافظة ذمار، ظهر في فيديو قصير، فكانت عيناه الزرقاوان أول ما التقطته الكاميرات، ثم الجمهور، ثم صفحات التواصل الاجتماعي. وفي بلد اعتاد أن تتصدر أخباره الحرب والأزمات، بدا المشهد مختلفاً هذه المرة.. طفل يطل بملامح هادئة، ويمنح فضاءً رقمياً مثقلاً بالأخبار القاسية سبباً آخر للنظر.
لكن القصة لم تتوقف عند حدود الإعجاب، فخلال وقت قصير، تحول رسام من طفل مغمور إلى اسم متداول على نطاق واسع. وتجاوز الفيديو الذي ظهر فيه حاجز الـ30 مليون مشاهدة، بحسب تقارير محلية، بينما اجتذبت صفحته على فيسبوك عشرات آلاف المتابعين في فترة وجيزة. هكذا، وفي أيام قليلة فقط، انتقل الطفل من الحياة اليومية في “آنس” إلى قلب ظاهرة رقمية لم يكن أحد يتوقعها.
من طفل إلى “ترند”
اللافت في قصة رسام أن الشهرة لم تُبنَ على موهبة فنية أو إنجاز رياضي أو محتوى قدمه بنفسه، بل بدأت من ملمح جسدي نادر لفت انتباه الجمهور.
عينان زرقاوان في وجه طفل يمني كانتا كافيتين لإطلاق سيل من الصور والمقاطع والتعليقات. وبين من رأى في ملامحه صورة جميلة ومختلفة لليمن، ومن حاول البحث عن تفسير وراثي للون عينيه، وجد رسام نفسه فجأة في مساحة أكبر من عمره بكثير.
حتى إن الاهتمام تجاوز حدود اليمن، بعدما تحولت صورته إلى مادة للتداول على منصات التواصل، فيما ركزت تقارير إعلامية على المفارقة بين ملامحه وبين الصورة النمطية السائدة عن اليمنيين ذوي العيون البنية.
لكن الوجه الآخر لهذه الشهرة كان أسرع مما قد يتوقعه طفل في مثل سنّه. حين دخلت الإعلانات على الخط، ومع اتساع دائرة المتابعين، بدأت العروض التجارية تظهر تباعاً.
وتكشف منشورات متداولة على فيسبوك عن انتقال رسام سريعاً من خانة الطفل الذي يتصدر المقاطع إلى وجه إعلاني، إذ ظهر في محتوى ترويجي لأحد المحال التجارية، كما جرى الحديث عن تصوير إعلانات مرتبطة بالهواتف، في وقت بدأت فيه جهات وأصحاب مشاريع محلية بإبداء اهتمامهم به.

وهنا تتحول فصول الحكاية؛ فالطفل الذي كان الناس يتوقفون عند صورته بدافع الفضول والإعجاب، بات يمتلك قيمة تسويقية في فضاء يعرف جيداً كيف يحول الانتشار إلى أرقام، والأرقام إلى إعلانات.
وليس من الصعب فهم سبب الإقبال، طالما أن صورة الطفل أصبحت معروفة، وعيناه تحولتا إلى علامة بصرية يتعرف إليها الجمهور فوراً، بينما تمنح الشركات التي تستخدمه في إعلاناتها فرصة الاستفادة من موجة الاهتمام التي تحيط به.
وهكذا، حدث الأمر بسرعة لافتة، من طفل التقطت له الكاميرا مقطعاً، إلى طفل تلتقط الكاميرات صوره من أجل الترويج لمنتجات.
ظاهرة لا تخلو من الأسئلة
لا يعني ذلك بالضرورة أن كل ظهور تجاري لرسام يمثل استغلالاً، ولا أن العروض التي تلقّاها غير مشروعة أو غير مناسبة؛ فربما يظن البعض أن حصوله على رعاية تعليمية سيفتح له أبواباً لمستقبل واعد.. لكن السرعة التي انتقل بها طفل في الثانية عشرة من دائرة المشاهدة العفوية إلى دائرة الرعاية والإعلانات تستحثّ سؤالاً يستحق التوقف عنده: هل يجري التعامل مع رسام بوصفه طفلاً أصبح مشهوراً، أم بوصفه منتجاً إعلانياً جديداً؟
ربما كان السؤال هنا أكثر حساسية؛ لأن الشهرة هذه المرة لم تأتِ نتيجة قرار اتخذه الطفل أو مشروع اختاره لنفسه، بل بدأت من مظهره.
وفي عالم المنصات، قد لا تحتاج الظاهرة إلى أكثر من ساعات حتى تصبح صناعة كاملة: فيديو ينتشر، حساب يُفتح، متابعون يتكاثرون، ثم عروض تصل إلى صاحب الصورة.

وهذا ما يبدو أنه يحدث مع رسام الآنسي.
وفي بلدٍ خارجٍ من ظل الحرب، يبدو منطقياً أن تلاقي قصته كل هذا التعاطف.
فقد جاءت صورته في لحظة اعتاد فيها اليمن أن يظهر في الأخبار من بوابة الحرب والفقر والأزمات الإنسانية. أمّا رسام، فقد قدّم للمتابعين صورة أخرى لبلده؛ صورة طفل بملامح لافتة، ووجه يثير الفضول، وحكاية لا تبدأ من جبهة قتال ولا من خبر سياسي.
وقراءة بسيطة لتحول المقطع إلى ظاهرة على منصات التواصل، تفضي إلى أن هذه المساحة الخفيفة ربما كانت بمثابة متنفس لكثيرين، بعيداً عن الأخبار اليومية الثقيلة.
لكن المفارقة أن الحرب لم تكن حاضرة في قصة رسام، بينما حضرت صناعة الشهرة بقوة.
عينان صنعتا الحكاية
قد تتراجع موجة “الترند” غداً، كما يحدث مع معظم ظواهر مواقع التواصل. وقد يستمر رسام في الظهور، وربما يتحول إلى شخصية معروفة أو يستثمر شهرته في موهبة أو مجال آخر.
لكن ما حدث حتى الآن يروي قصة أكبر من قصة طفل بعينين زرقاوين.. إنها قصة كيف تصنع المنصات نجماً في ساعات، وكيف يمكن لملمح واحد أن يتحول إلى هوية عامة، وكيف يصبح الانتشار الرقمي سريعاً بما يكفي لكي تلحق به التجارة قبل أن يستوعب صاحبه معنى الشهرة نفسها.

وبينما يستمتع الجمهور بصورة رسام ويتداولها، يبقى السؤال الأهم خارج إطار الترند: كيف يمكن أن تُمنح هذه الشهرة لطفلٍ مساحتُه الطبيعية هي المدرسة واللعب والنمو، من دون أن تتحول ملامحه إلى سلعة، أو يصبح حضوره الرقمي أكبر من قدرته على فهم ما يعنيه أن يكون معروفاً؟
ربما تكون هذه هي الحكاية الحقيقية وراء عيني رسام الزرقاوين.. ليس فقط كيف جعلتا طفلاً يمنياً حديث الناس، بل كيف جعلتا العالم الرقمي يتسابق، في أيام قليلة، على امتلاك جزء من صورته.