جاري التحميل...

قضايا في الفكر السلفي المعاصر.

د. عدنان عويّد

عناصر الموضوع:

1- ملخص.

2- القضيّة الأولى: مسألة الإيمان عند السلفيّة في تاريخنا المعاصر.

2- القضيّة الثانية: السلفيّة بين الاجتهاد والتقليد.

3- القضيّة الثالثة: البدع عند السلفية .

4- القضيّة الرابعة: المذهب الحنبلي مرجعهم الأساس.

5- القضيّة الخامسة: الموقف السلفي الأشعري .

6- خاتمة.

ملخص”

إن من أخطر القضايا التي واجهت الإنسان عبر تاريخه, ولا زالت  تواجهه في تاريخنا المعاصر, هي وجود قوى اجتماعي تشتغل على عقل الإنسان من منطلق فكري مجرد لا يلامس الواقع المعيوش, إن كان ذلك بوعي منها لما تريد تحقيقه من أجل تغريب الإنسان وتجهيله وحيونته, كما هو الحال في سياسات قادة النظام العالمي الجديد, المشبعة بالنسق الاستهلاكي, أو يكون الاشتغال من منطلق الفكر (المقدس), الذي أوله وفسره حملته على هواهم, من منطلق احتقار العقل ورفض الأخذ به كوسيلة لتحقيق المعرفة والايمان بالمقدس معا. وهذا موضوع دراستنا هذه.

القضيّة الأولى: مسألة الإيمان عند السلفيّة في تاريخنا المعاصر:

ينقسم السلفية في تاريخنا المعاصر برأيي في  هذه المسألة إلى اتجاهين : الأول وهم (الأشاعرة) ومن يلتقي مع مدرستهم الفكريّة, حيث يؤمن هذا الاتجاه السلفي بأن الإيمان قول باللسان, وإخلاص أو تصديق بالقلب. بينما الاتجاه الثاني وهو الاتجاه (الوهابي السلفي) فيقر بأن الإيمان قول باللسان, وإخلاص أو تصديق بالقلب وعمل بالجوارح, ويزيد بزيادة الأعمال, وينقص بنقائصها. ولا يُكمل قول الإيمان إلا بالعمل, ولا قول ولا عمل إلا بنيّة, ولا قول ولا عمل ولا نية إلا بموافقة السنة, أي بما يتفق بما جاء به القرآن أو الحديث أو ما أقره أهل الجماعة والسنة تاريخيّاً,  وهم متفقون جميعاً أن للإيمان أصل وفروع.  وأن الإيمان لا يزول إلا بزوال أصله. لذلك هم لا يكفرون أحداً من أهل القبلة بذنب أو معصية, إلا أن يزول أصل الإيمان, ولا يوجبون العذاب آو الثواب لشخص معين إلا بدليل خاص. وهم لا يؤمنون بعصمة أحد من الصحابة بعينه. بل تجوز عليهم الذنوب, ويعتقدون بعصمة إجماعهم فقط, ويكذبون من يعطيها لغيرهم, ويسكتون عما شجر بينهم وأنهم هم فيه  معذورون, إما مخطئون أو مصيبون, ويكفرون من يسئ لهم, وهم بالجملة خير البشر بعد الأنبياء. (1) .

القضيّة الثانية: السلفيّة بين الاجتهاد والتقليد:

الاجتهاد لغة : هو بذل الجهد والوسع في بلوغ الغرض.

أما اصطلاحاً: فهو بذل الوسع بالنظر  في الأدلة الشرعيّة باستنباط الأحكام منها. والمقصود بهذا هو تحصيل أدوات الاجتهاد مثل : دراسة القرآن والعلم بما يتعلق بالناسخ والمنسوخ, والمطلق والمقيد, والخاص والعام, والمحكم والمتشابه, وأسباب النزول, وكذلك دراسة الأحاديث النبويّة ومعرفة الصحيح والضعيف والموضوع, وعلوم أصول الفقه من خلال معرفة اللغة العربيّة ونحوها وصرفها وبلاغتها, ومعرفة الجرح والتعديل. وبالتالي معرفة الواقع الذي تطبق عليه الأحكام الشرعيّة. ويعتقد بعض السلفيين بأن باب الاجتهاد كان ولم يزل مفتوحاً لأهل الاجتهاد والاستنباط, وبخاصة في مجال المعاملات, بينما يرى بعضهم الآخر أو يزعم بأن باب الاجتهاد قد أغلق ولم يبق للمسلمين إلا التقليد,  ويشترط من يقول بفتح باب الاجتهاد للمجتهد أن يستكمل شروط الاجتهاد العلميّة التي جئنا عليها قبل قليل.(2).

القضيّة الثالثة: البدع عند السلفية :

البدعة لغة إحداث أو إنشاء أمر ما أو وضعه بدون الأخذ والاقتداء بأصل أو مقال سابق. أو بتعبير آخر هي إحداث شيء لم يكن له من قبل خَلْقٍ ولا ذكر ولا معرفة.. والبدعة اصطلاحاً, هي الإضافة إلى الدين في أصوله لا فروعه دون إسناد إلى نص يقيني الورود وقطعي الدلالة.

ويتطلب الاجتهاد اتصاف المجتهد بوصفين: وصف “فهم مقاصد الشريعة على كمالها” الذي يستلزم الانطلاق من كليات الشريعة، ووصف التمكن من الاستنباط بناء على فهمه فيها من جهة، وبناء على وعيه بخصوصية النازلة/الحادثة في عصر من العصور أوفي مجتمع من المجتمعات في تقاليده وأعرافه وعاداته من جهة أخرى. وعليه يعتبر بدعة كل اجتهاد ينتفي فيه أحد الوصفين أو هما معا، لذا يعرف “ألشاطبي” البدعة بقوله: (طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشريعة، يقصد بالسلوك عليها ما يقصد بالطريقة الشرعيّة). لكن امتناع الاختراع ليس مطلقا، لأن له حدود يوضحها تقسيم الشريعة إلى عبادات ومعاملات. ويسمح بالاختراع في مجال المعاملات بعد أخذ شرعنتها من الشريعة وأصولها التي يقر بها أهل السنة. (3) .

وبحسب هذا التعريف, فمن معالم العقيدة السلفيّة كراهيتهم لما يعتبرونه بدعاً. كما يكرهون من يعتبرونهم أهل البدع الذين أحدثوا في الدين ما ليس منه, ولا يحبونهم ولا يصاحبونهم ويحذرون منهم ومن يتقرب إليهم, ولا يألون جهداً في نصحههم وزجرهم عن بدعهم.

القضيّة الرابعة: المذهب الحنبلي مرجعهم الأساس :

السلفيون يتبعون المذاهب الأربعة الفقهيّة المعروفة لدى أهل السنة والجماعة وهي: (الشافعي والمالكي والحنفي والحنبلي). ولكنهم يميلون أكثر للمذهب الحنبلي , ويكاد يكون مقصوراً عليهم .

القضيّة الخامسة: الموقف السلفي الأشعري :

ينسب الأشاعرة إلى أبي الحسن الأشعري, الذي      كان في بدء نشاطه الديني معتزليّاً، ثم مَنَّ الله عليه كما يقول السلفيون، وعرف بطلان مذهب ” المعتزلة “، فوقف في المسجد يوم الجمعة وأعلن براءته من مذهب المعتزلة، وخلع ثوبًا عليه. وقال: (خلعت مذهبَ المعتزلة، كما خلعتُ ثوبي هذا ). لكنه صار إلى مذهب ” الكُلاَّبِيَّة ” أتباع “عبد الله بن سعيد بن كُلاب”. و”عبد الله بن سعيد بن كُلاب” كان يُثبِت سبع صفات لله ، وينفي ما عداها ، يقول: ( لأن العقل لا يدل إلا على سبعِ صفات فقط : ” العلم ” ، و ” القدرة ” ، و ” الإرادة ” ، و ” الحياة ” ، و ” السمع ” ، و ” البصر ” ، و ” الكلام “. ويقول أيضاً : هذه دَلَّ عليها العقل، أما ما لم يدل عليه العقل – عنده – فليس بثابتٍ). ثم إن الله مَنَّ على “أبو الحسن الأشعري” وترك مذهب ” الكُلابِيَّةِ “، ورجع إلى مذهب الإمام أحمد بن حنبل ، الذي قال فيه : ( أنا أقول بما يقول به إمام أهلِ السنة والجماعة أحمد بن حنبل : إن الله استوى على العرش ، وإن له يدًا ، وإن له وجهًا) . (ذكر هذا في كتابه : ” الإبانة عن أصول الديانة “، وفي كتابه الثاني : ” مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين ” حيث قال أيضا: (إنه على مذهب الإمام ” بن حنبل”). وإن بقيت عند أبو الحسن الأشعري بعض المخالفات, ولكن أتباعه بقوا على مذهب ” الكُلابية “, فغالبهم لا يزالون على مذهبه الأول ولذلك يسمون بـ ” الأشعرية ” نسبة إلى الأشعري في مذهبه الأول. أما بعد أن رجع إلى مذهب ” أهل السنة والجماعة “,  فنسبة هذا المذهب إليه – أي الكلابيّة – ظلم ، والصواب أن يقال : مذهب ” الكُلابِيَّة ” ، لا مذهب أبي الحسن الأشعري, لأنه تاب من هذا، وصَنَّفَ في ذلك كتابه: “الإبانة عن أصول الديانة ” ، وصرح برجوعه ، وتمسكه بما كان عليه ” أهل السنّة والجماعة ”  وخصوصًا الإمام : أحمد بن حنبل، وإن كانت عنده بعض المخالفات كما بينا أعلاه، مثل قوله في الكلام : ( إنه المعنى النفسي القائم بالذات، والقرآن حكاية – أو عبارة – عن كلام الله ، وليس كلام الله بذاته. (4).

عموماً السلفيون يتبعون المذاهب الأربعة الفقهية المعروفة لدى أهل السنة والجماعة وهي: (الشافعي والمالكي والحنفي والحنبلي). ولكنهم يميلون أكثر للمذهب الحنبلي , ويكاد يكون مقصوراً عليهم.

ملاك القول:

هكذا نرى السلفيّة لم يزالوا يشتغلون على القضايا التي اشتغل عليها أجدادهم من السلفيين, وهي قضايا لا تمس حياة المواطنين اليوميّة المباشرة التي تتعلق في قضايا معيشتهم وما يتخللها من ظلم وفساد واستعباد للعباد وجع وتشرد.. أو ما يتعلق بنهضتهم العلميّة وكيفية تجاوز تخلفهم, وهذا ما أدخل جماعتهم بخلافات وتناقضات وصراعات مع المختلف عنهم في قضاياهم من منطلق تكفير الآخر واقصائه, كما أنهم اشتغلوا على الفضيلة كثيراً, ودعوا الناس إلى التمسك بها, دون ذكر أسباب الفساد ومن هم الفاسدون, وبالتالي هذا ما جعل الفضيلة عندهم قيماً معزولة عن واقع تغييبها, مبعدين السلطان عن سبب غياب الفضيلة, بل ضرورة التمسك به حتى لوكان فاسدا يسرق أمواهم ويضرب أبشارهم, لأن في ذلك درئ للفتنة التي هي عندهم أشد من القتل وخاصة إذا كان السلطان من ملّتهم. والأهم من كل هذا وذاك اعتبار أنفسهم الفرقة الناجية, وهذا ما ساهم ويساهم اليوم في ضرب الوحدة الوطنية وفكرة المواطنة التي تقول الدين لله والوطن للجميع.

كاتب وباحث وناقد أدبي من سوريا

[email protected]

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش:

1-  يراجع في ذلك – مقال ” ” مسألة الإيمان” –محمد عمر سالم  بازمول – موقع جامعة ام القرى. كما يراجع ايضاً كتاب – (العواصم من القواصم في تحقيق موقف الصحابة بعد وفاة النبي (ص).) – لأبي بكر بن العربي- 543- 468 هـ

2- راجع الدعوة السلفية – محمود عبد الحميد العسقلاني- موقع واحة العقيدة.

 

3- يراجع كتاب – أثر الشاطبي في الفكر السلفي  بالمغرب- إسماعيل الحسني ـ المؤلف: عبد الجليل بادو.

4- ( براجع في هذا الاتجاه : رسالة صغيرة بعنوان : ” لمحة عن الفرق الضالة” فضيلة العلامة د. صالح بن فوزان الفوزان. موقع منتدى الإسلام)