السياسي – عاد النزاع على جزر فوكلاند إلى الواجهة من جديد، لكن هذه المرة من بوابة مشروع للتنقيب عن النفط والغاز قبالة الجزر، بعدما لوّح الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي بإجراءات قد تطال شركات ومستثمرين إسرائيليين مرتبطين بالمشروع، في خطوة تفتح جبهة جديدة في الخلاف المستمر بين بوينس أيرس ولندن.
وخصّ ميلي مشروع “سي ليون” للتنقيب البحري عن النفط بالذكر، خلال إعلانه إجراءات تستهدف الشركات المشاركة في أنشطة النفط والغاز في الجزر، التي تسيطر عليها بريطانيا وتطالب الأرجنتين بالسيادة عليها.
وقد لا تقتصر الإجراءات التي أعلنها الرئيس الأرجنتيني على الشركات نفسها، إذ تشمل، بحسب ما أُعلن، إمكانية توسيع نطاق العقوبات لتطال المساهمين والمديرين والموردين المرتبطين بالأنشطة النفطية في الجزر.
ويكتسب المشروع حساسية إضافية بسبب ارتباط عدد من مالكيه ومستثمريه بإسرائيل، في وقت تربط ميلي علاقات سياسية وثيقة بإسرائيل ورئيس وزرائها بنيامين نتنياهو.
وتدير شركة “نافيتاس بتروليوم”، المدرجة في بورصة تل أبيب، مشروع “سي ليون”، وتمتلك حصة تبلغ 65 بالمئة منه، وفقا لما أوردته وكالة “رويترز”.
وتشير بيانات مجموعة بورصات لندن إلى أن جدعون تادمور، أحد أبرز الشخصيات في قطاع الطاقة الإسرائيلي ورئيس مجلس إدارة “نافيتاس”، يمتلك نحو 9 بالمئة من أسهم الشركة.
أما الحصة المتبقية، والبالغة 35 بالمئة من مشروع “سي ليون”، فتملكها شركة “روكهوبر إكسبلوريشن” المدرجة في بورصة لندن.
وتضم قائمة أكبر خمسة مستثمرين في “روكهوبر” ثلاث شركات تتخذ من إسرائيل مقرا لها، هي “نوكِيد كابيتال” و”بروش فندز” و”أيون فند مانجمنت”، وتمتلك كل منها حصصا تتراوح بين 4.6 و9.2 بالمئة.
وبذلك، فإن أي إجراءات أرجنتينية تستهدف المساهمين أو المديرين أو الأطراف المرتبطة بالمشروع قد تمتد إلى مجموعة من المستثمرين والشركات ذات الصلة بإسرائيل.
الشركات: تراخيصنا سارية
وقالت شركتا “نافيتاس” و”روكهوبر” إن مشروع “سي ليون” يستند إلى تراخيص سارية المفعول، وأكدتا أنهما لا تتوقعان أن يكون لتصريحات ميلي تأثير جوهري على سير العمل أو خطط تطوير المشروع.
لكن النزاع القانوني والسياسي حول تراخيص التنقيب ليس جديدا، ففي بيان نشرته السفارة الأرجنتينية في بريطانيا على موقعها الإلكتروني في ديسمبر 2025، قالت بوينس أيرس إن الشركتين مُنعتا بالفعل من العمل في الأرجنتين لمدة 20 عاما، بسبب حصولهما على تراخيص تعتبرها السلطات الأرجنتينية غير قانونية.
وتقول الأرجنتين إن عمليات التنقيب عن النفط والغاز في المنطقة المتنازع عليها لا يمكن تنفيذها بصورة قانونية من دون موافقتها، بينما تتمسك بريطانيا بسيطرتها على الجزر وترفض المطالب الأرجنتينية بالسيادة عليها.
وفي ظل تصاعد التوتر، اعتبر وزير الخارجية الأرجنتيني بابلو كيرنو أن الإجراءات المرتبطة بالمشروع لن تؤدي إلى خلاف دبلوماسي مع إسرائيل.
علاقة وثيقة بين ميلي وإسرائيل
ويأتي التصعيد في ملف فوكلاند في وقت تحافظ فيه حكومة ميلي على علاقات وثيقة مع إسرائيل.
والتقى ميلي رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال العام الجاري، ووقع الجانبان عددا من اتفاقيات التعاون الثنائي، من بينها اتفاقية في مجال الطيران.
كما وقعا ما يعرف باسم “اتفاقيات إسحاق”، وهي ترتيبات مستوحاة من “اتفاقيات أبراهام”، وتهدف إلى تعزيز العلاقات بين إسرائيل والأرجنتين ودول أخرى في الأميركتين.
ورغم هذه العلاقات، يبدو أن حكومة ميلي تتعامل مع ملف فوكلاند باعتباره قضية سيادة ومصالح وطنية، ما يضع الاستثمارات المرتبطة بالمشروع النفطي أمام احتمال التعرض لإجراءات أرجنتينية.
وأعاد ميلي إشعال الخلاف مع بريطانيا بشأن جزر فوكلاند خلال خطاب ألقاه مساء الخميس، إذ جدد تمسك بلاده بالمطالبة بالسيادة على الجزر وانتقد النشاط النفطي الجديد قبالة سواحلها.
وقال ميلي في خطابه: “جزر فوكلاند محتلة، وهي أرجنتينية بحكم التاريخ والقانون، ولا نقاش في ذلك”.
وتعود جذور النزاع الحديث بين البلدين إلى عقود، قبل أن يتحول إلى مواجهة عسكرية عام 1982، عندما خاضت بريطانيا والأرجنتين حربا للسيطرة على الجزر. وانتهت الحرب بانتصار بريطانيا واستمرار سيطرتها على فوكلاند.
وفي ردها على تصريحات ميلي، قالت وزيرة التعليم البريطانية لوسي باول، الجمعة، إن المملكة المتحدة ستدافع عن سكان جزر فوكلاند وتحميهم، مشيرة إلى أن سكان الجزر يرغبون في البقاء جزءا من المملكة المتحدة.
ويعكس هذا الموقف استمرار التباين الأساسي بين البلدين: فالأرجنتين تتمسك بمطالبتها بالسيادة على الجزر، بينما تؤكد بريطانيا حق سكانها في تقرير مستقبلهم وتواصل إدارة الجزر باعتبارها إقليما بريطانيا.
ولم يقتصر الجدل على لندن وبوينس أيرس، إذ دخل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أيضا على خط القضية بعدما قال إنه سيعيد النظر في موقف الولايات المتحدة من جزر فوكلاند.
وقال ترامب للصحفيين في البيت الأبيض، الخميس، ردا على سؤال بشأن السيادة على الجزر: “أراجع دائما كل موقف، وهذا مجرد واحد من مواقف كثيرة”.
وتكتسب تصريحات ترامب أهمية خاصة نظرا للموقف الأمريكي التقليدي من النزاع، كما يأتي الحديث عن إعادة النظر في السياسة الأمريكية في توقيت يشهد توترا في العلاقات بين واشنطن وعدد من حلفائها الأوروبيين.