جاري التحميل...

أما آن للمرأة أن تتحرر من كونها «مسألة»؟ في نقد الوعي الذكوري وسؤال الحرية

بقلم: عماد خالد رحمة _ برلين.

ثمة سؤال يتجاوز في أهميته كثيراً من الأسئلة التي استهلكت الفكر الديني والاجتماعي قروناً طويلة: لماذا لا تزال المرأة، في بعض البيئات الفكرية والدينية، تُعامل بوصفها «مسألة» تحتاج إلى الضبط والتعريف والتقييد، بدلاً من أن تُعامل بوصفها إنساناً كاملاً يمتلك حقه الطبيعي في الوجود والاختيار والعمل والإبداع؟

لماذا يتحول جسد المرأة إلى موضوع دائم للقلق الأخلاقي، ولباسها إلى ميدان للمراقبة، وحضورها في المجال العام إلى سؤال يحتاج إلى فتوى، وصوتها إلى موضع ريبة، ونجاحها إلى استثناء يحتاج إلى تفسير؟

المفارقة الكبرى أن هذا القلق يصدر أحياناً عن منظومة إيمانية تؤمن بأن الله هو الكامل المطلق، وأن الإنسان ـ ذكراً كان أم أنثى ـ مخلوق لله.
وهنا يحق للعقل أن يسأل، لا اعتراضاً على الإيمان، وإنما دفاعاً عن منطقه الداخلي:

إذا كان الخالق كاملاً، فكيف يتحول أحد مخلوقاته إلى «عورة» في ذاته، أو إلى فتنة في جوهر وجوده، أو إلى مصدر دائم للقلق الأخلاقي؟
إن المشكلة ليست في المرأة بقدر ما هي في النظرة التي صاغت المرأة باعتبارها مشكلة.

فالمرأة لا تولد «فتنة»؛ وإنما قد تُصنع الفتنة في المخيال الاجتماعي حين يُحمّل الجسد أكثر مما يحتمل، وحين تتحول الأخلاق من مسؤولية فردية إلى مراقبة لجسد الآخر.

بين الخالق والتأويل

ينبغي هنا التمييز بين الدين والتاريخ، وبين النص وتأويل النص، وبين المقدس في ذاته والقراءة البشرية للمقدس.

فالنص الديني، بالنسبة إلى المؤمن، ينتمي إلى مجال القداسة؛ أما تفسير الإنسان له فهو عمل بشري تاريخي، تحكمه اللغة والثقافة والظروف الاجتماعية والسياسية ومستوى المعرفة السائد في عصره.
وهذه المسافة ضرورية؛ لأن تحويل كل تفسير تاريخي إلى حقيقة مطلقة يعني، في نهاية المطاف، تأليه التأويل البشري.

ومن هنا فإن نقد بعض التصورات الأصولية حول المرأة لا يعني بالضرورة نقد الدين، بل قد يكون نقداً للطبقة التاريخية من التأويلات التي اختلط فيها النص بالعرف، والمقدس بالعادات، والشريعة بالسلطة الاجتماعية، والأخلاق بالخوف من الجسد.
لقد أثبت تاريخ الفكر الإسلامي نفسه أن باب الاجتهاد والتأويل لم يكن مغلقاً دائماً أمام إعادة النظر.

ابن رشد: حين يصبح العقل شرطاً للعدل

في التراث العربي الإسلامي نجد عند ابن رشد موقفاً يستحق استعادته في هذا السياق، وإن كان موقفه التاريخي معقداً ولا ينبغي إسقاط مفاهيم النسوية المعاصرة عليه بصورة آلية.

في قراءته السياسية لأفلاطون، ناقش ابن رشد قدرة النساء على المشاركة في الأعمال العامة والسياسية والفكرية، وذهب إلى أن حرمانهن من التربية والتأهيل يحرم المدينة نفسها من طاقات بشرية كبيرة. وتظهر في دراساته السياسية إشارات واضحة إلى إمكان تولي النساء أدواراً عامة وفكرية وحاكمة.
وهنا تكمن أهمية الفكرة الرشدية:

حين تُقصى المرأة، لا تُظلم المرأة وحدها؛ بل تخسر المدينة جزءاً من عقلها.
إن المجتمع الذي يمنع نصف طاقته البشرية من المشاركة الكاملة في المعرفة والعمل والإبداع يشبه من يملك مكتبة ضخمة ثم يقفل نصف رفوفها.
ولذلك فإن تحرير المرأة ليس منّة من الرجل عليها، بل تحرير للمجتمع من تعطيل جزء من قدرته الإنسانية.

قاسم أمين: المرأة ليست كائناً تابعاً

وفي النهضة العربية الحديثة جاء قاسم أمين ليضع قضية المرأة في قلب سؤال النهضة. وقد ارتبط اسمه بكتابيه «تحرير المرأة» و«المرأة الجديدة»، وأصبحت أفكاره جزءاً أساسياً من السجال العربي الحديث حول التعليم والحجاب والاستقلال الاجتماعي للمرأة. وقد أعيدت قراءة مشروعه لاحقاً ضمن تاريخ طويل ومعقد للخطاب الإصلاحي الإسلامي والعربي حول تحرير المرأة.
ولم تكن أهمية قاسم أمين في أنه قدم الإجابة النهائية عن المرأة؛ وإنما في أنه نقل السؤال من هامش المجتمع إلى قلب مشروع النهضة.

فالنهضة التي تريد أن تبني مدرسة حديثة وجامعة ومصنعاً ودولة حديثة، ثم تطلب من المرأة أن تبقى خارج الحياة العامة، إنما تبني مشروعها بعقلية نصفية.

فاطمة المرنيسي: تفكيك السلطة الذكورية

ثم جاءت فاطمة المرنيسي لتفتح مساحة أخرى للنقاش، تقوم على مساءلة العلاقة بين السلطة والتأويل الديني والتاريخ الاجتماعي.
أهمية المرنيسي أنها لم تكتف بالسؤال: «ماذا قيل عن المرأة؟»، وإنما انتقلت إلى سؤال أكثر عمقاً:
من قال؟ وفي أي سياق؟ ومن امتلك سلطة تفسير ما قيل؟

وهذا التحول من سؤال النص وحده إلى سؤال سلطة التأويل بالغ الأهمية؛ لأن كثيراً من الصراعات المتعلقة بالمرأة لم تكن صراعات على النص فحسب، بل على من يمتلك حق تفسير النص وتحديد ما هو مشروع وما هو ممنوع.
وهنا يصبح النقد الفكري أكثر دقة: لسنا أمام «دين ذكوري» بالضرورة، بقدر ما نحن أمام تاريخ طويل من التأويلات التي شاركت فيها بنى اجتماعية ذكورية.

سيمون دو بوفوار: حين يصنع المجتمع «المرأة»

أما سيمون دو بوفوار فقد نقلت النقاش إلى مستوى فلسفي آخر حين اشتهرت عبارتها: «لا تولد المرأة امرأة، بل تصير كذلك». والمقصود ليس إنكار البعد البيولوجي، وإنما مساءلة الطريقة التي يصنع بها المجتمع معنى «الأنوثة» ويحمّلها أدواراً وتوقعات وحدوداً تاريخية.
وهنا تبرز المسألة الجوهرية:
قد يكون الجسد بيولوجيا، لكن المعنى الاجتماعي للجسد ليس بيولوجياً خالصاً.
فالمجتمع هو الذي يقول للمرأة: كوني هكذا، لا تكوني هكذا، اجلسي هنا، لا تجلسي هناك، اعملي في هذا المجال، لا تدخلي ذلك المجال، ارفعي صوتك بهذه الدرجة، وأخفضيه بتلك الدرجة.
ومن هنا يصبح جزء كبير من الصراع حول المرأة صراعاً على حق الإنسان في تعريف ذاته.

جون ستيوارت ميل: التبعية ليست طبيعة

أما جون ستيوارت ميل فقد ذهب في «استعباد النساء» إلى أن إخضاع المرأة للرجل ليس نظاماً طبيعياً عادلاً، وأن التبعية القانونية للمرأة تعيق التقدم الإنساني، داعياً إلى مبدأ المساواة ورفض الامتياز القائم على الجنس.
وتكمن قوة حجته في أنه قلب السؤال:
بدلاً من أن نسأل: لماذا تريد المرأة المساواة؟
علينا أن نسأل:
لماذا افترض الرجل أن له امتيازاً أصلاً؟
وهذا سؤال فلسفي عميق؛ لأن الامتياز حين يطول أمده يتحول في وعي صاحبه إلى «طبيعة»، ثم تصبح المطالبة بالمساواة وكأنها خروج عن النظام الطبيعي.
المشكلة ليست في المرأة، بل في الخوف منها
ربما يكون أكثر ما يكشف هشاشة بعض الخطابات المتشددة أنها لا تستطيع رؤية المرأة إلا من خلال جسدها.
امرأة تكتب؟ يُسأل عن لباسها.
امرأة تفكر؟ يُسأل عن صوتها.
امرأة تعمل؟ يُسأل عن اختلاطها.
امرأة تنجح؟ يُبحث عن الرجل الذي يقف وراء نجاحها.
امرأة تستقل؟ يُستدعى قاموس الأخلاق لإدانة استقلالها.
كأن المرأة لا تستطيع أن تكون إنساناً قبل أن تكون «أنثى».
وهذه هي المعضلة الحقيقية.
فالمرأة ليست جسداً يمشي في المجتمع، وإنما ذات إنسانية كاملة: عقل، وذاكرة، وخيال، وإرادة، وموهبة، وضمير، وتجربة، وأحلام، وقدرة على إنتاج المعرفة والجمال والقيمة.
حين تختزل المرأة في جسدها، فإن المجتمع لا يحميها؛ بل يسجنها داخل جسدها.
هل المرأة لا تنتمي إلى عنف الذكور؟

ربما تحتاج العبارة القائلة إن المرأة «لا تنتمي إلى عنف الذكور» إلى شيء من التدقيق.
فالمرأة ليست بطبيعتها كائناً منزهاً عن العنف، كما أن الرجل ليس كائناً محكوماً بالعنف. العنف ليس جيناً ذكورياً خالصاً، وإنما ظاهرة إنسانية تتداخل في إنتاجها التربية والثقافة والسلطة والظروف الاجتماعية والنفسية والسياسية.
لكن التاريخ البشري الطويل يكشف بالفعل عن هيمنة أنظمة اجتماعية جعلت القوة الجسدية والسلطة السياسية والاقتصادية امتيازات ذكورية في مجتمعات كثيرة.
ولذلك فإن المطلوب ليس استبدال «عنف ذكوري» بـ«قداسة أنثوية»، فذلك يعيد إنتاج الثنائية نفسها بصورة معكوسة.
المطلوب هو تحرير الإنسان من منطق العنف ذاته.

فالمرأة لا تحتاج إلى أن نؤلّهها كي نحترمها، كما أنها لا تحتاج إلى أن نحرسها بوصفها كائناً ضعيفاً؛ إنها تحتاج إلى أن نعترف بإنسانيتها وحقها في الاختيار والمسؤولية.
دعوا المرأة وشأنها

ربما آن الأوان فعلاً لكي يتوقف بعض الخطاب الأصولي عن التعامل مع المرأة باعتبارها الملف الأكثر إلحاحاً في الأخلاق العامة.
هناك قضايا أكثر خطراً على الإنسان:
الفقر، والجهل، والاستبداد، والفساد، والحروب، وتدمير البيئة، وتراجع التعليم، وانهيار العدالة، واستغلال الإنسان للإنسان.
فهل يعقل أن يصبح طول ثوب المرأة أكثر أهمية من كرامة الفقير؟
وهل يصبح شعرها أكثر إثارة للقلق من الفساد؟
وهل يتحول صوتها إلى قضية أخلاقية كبرى بينما يصمت المجتمع أمام الظلم؟
إن اختزال الأخلاق في مراقبة المرأة يخلق أخلاقاً انتقائية؛ أخلاقاً تراقب الجسد أكثر مما تراقب الضمير، وتلاحق المظهر أكثر مما تلاحق الظلم.
والدين، في جوهره الأخلاقي، أعمق من ذلك بكثير.

المرأة في المجال العام: من «السماح» إلى الحق

المرأة اليوم تدخل الجامعة، والمختبر، والمسرح، والمصنع، والبرلمان، والمستشفى، والفضاء، والمكتبة، ومراكز البحث، والمؤسسات الاقتصادية، ومختلف ميادين الإبداع والعمل.
وليس السؤال الحضاري: هل نسمح لها؟
فصيغة «السماح» نفسها تنطوي على مشكلة؛ لأنها تفترض أن الرجل هو صاحب الحق الأصلي، وأن المرأة تنتظر منه الإذن.
أما السؤال الصحيح فهو:
ما الذي يحق للإنسان أن يفعله ما دام لا يعتدي على حق إنسان آخر؟
هنا تنتقل القضية من الوصاية إلى المواطنة، ومن الإذن إلى الحق، ومن الحماية الأبوية إلى المسؤولية الفردية.
لا تجعلوا المرأة امتحاناً لإيمانكم
إذا كان المؤمن يرى أن الله هو الكامل، فعليه أن يتعامل مع خلق الله بمنطق الكرامة لا بمنطق الارتياب.
وإذا كان يرى أن الإنسان مخلوق ذو عقل وإرادة ومسؤولية، فلا ينبغي أن تتحول المرأة إلى استثناء دائم من هذه القاعدة.
إن الإيمان الذي يطالب الإنسان بتزكية نفسه لا يحتاج إلى تحويل أجساد الآخرين إلى ساحات دائمة للرقابة.

والأخلاق الحقيقية تبدأ حين يصبح الإنسان مسؤولاً عن نظرته وسلوكه ورغبته، لا حين يحاول تحميل الآخر مسؤولية ما يجري داخل نفسه.
فالذي يخاف من المرأة لأنها «فتنة» قد يكون محتاجاً، قبل أن يطالبها بالاختفاء، إلى أن يسأل نفسه: من المسؤول عن ضبط الرغبة؛ أنا أم جسد الآخر؟
ذلك سؤال أخلاقي قبل أن يكون سؤالاً دينياً.
من صراع الجنسين إلى شراكة الإنسان
ليس المطلوب أن تنتصر المرأة على الرجل، ولا أن ينتصر الرجل على المرأة.
الانتصار الحقيقي هو أن يخسر منطق الهيمنة.
الرجل ليس خصماً تاريخياً للمرأة، كما أن المرأة ليست خصماً للرجل. إنهما شريكان في صناعة المجتمع، وإن اختلفت التجارب والأدوار والاختيارات الفردية.
والحضارة التي تحتاج إلى إقصاء المرأة كي تثبت ذكورتها حضارة قلقة من نفسها.
والرجل الذي يحتاج إلى السيطرة على المرأة كي يشعر برجولته لم يكتشف الرجولة بعد؛ لأن الرجولة التي تقوم على الإخضاع ليست قوة، وإنما عجز يرتدي قناع القوة.
اتركوا للإنسان حقه في أن يكون إنساناً

آن الأوان لكي نخرج من السؤال القديم: ماذا ينبغي أن تكون المرأة؟
إلى السؤال الأكثر إنسانية:
ماذا ينبغي أن يكون الإنسان؟
حينها لن تعود المرأة «عورة» تمشي في الشوارع، ولا «فتنة» تحتاج إلى الحراسة، ولا «تابعاً» يحتاج إلى الوصاية، ولا «مشكلة أخلاقية» تبحث عن حل.
ستصبح ببساطة:
إنساناً.
ولن يكون ذلك انتصاراً للمرأة وحدها؛ بل انتصاراً للعقل على الخوف، وللحرية على الوصاية، وللأخلاق على الهوس بالجسد، وللإنسان على البنية القديمة التي قسمت البشر إلى سيد وتابع.
إن المرأة لا تحتاج إلى أن يرفعها الرجل فوق البشر، كما لا تحتاج إلى أن يخفضها تحت البشر.
كل ما تحتاجه ـ وما يستحقه كل إنسان ـ هو أن تقف بين البشر، لا تحتهم ولا فوقهم.
وعندها فقط يمكن أن نكف عن السؤال: «ماذا تفعل المرأة؟»
ونبدأ بالسؤال الذي تأخرنا كثيراً في طرحه:
ماذا يفعل الإنسان بالإنسان؟
فربما تكون المشكلة الحقيقية التي تحتاج إلى الإصلاح ليست المرأة، وإنما ذلك العقل الذي ظل قروناً يبحث عن عيوبها، ولم يتفرغ بعد لإصلاح عيوبه.
Imad Khaled Rahmeh