جاري التحميل...

المِعول في يد… وفلسطين في الأخرى

 

بقلم: شادي عياد

ثمة لحظات في حياة الشعوب لا يعود فيها السؤال: من يملك القوة؟

بل يصبح السؤال الأصعب: من يملك الشجاعة ليغيّر المعادلة؟

وربما لهذا أحب أن أعود إلى قصص القرآن الكريم؛ لا لأستعيد الماضي، بل لأرى فيه شيئًا من حاضرنا، ولأكتشف كيف يمكن لقصةٍ عمرها آلاف السنين أن تفتح نافذةً على واقع شعبٍ ما زال يقاوم محاولات تحويل الهزيمة إلى قدر، والاحتلال إلى أمرٍ واقع، والواقع إلى شيءٍ لا يجوز تغييره.

ومن بين تلك القصص، تقف قصة طالوت وجالوت كأنها مرآة قديمة لمشهدٍ يتكرر بأشكال مختلفة:

قلةٌ تنظر إلى قوةٍ هائلة، ومعادلةٌ تبدو محسومة، وواقعٌ يقول للناس: لا تحاولوا.

﴿لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ﴾.

لكن التاريخ لا يتغير عندما يصبح الواقع سهلًا.

التاريخ يتغير عندما تظهر إرادةٌ ترفض أن تعتبر الواقع نهاية الحكاية.

كان جالوت عنوانًا لقوةٍ طاغية، وكان طالوت عنوانًا لإرادةٍ قررت ألا تنحني.

لكن جالوت المرحلة ليس شخصًا واحدًا.

إنه كل ما يريد أن يبقى أكبر من فلسطين.

الاحتلال، والفساد، والمحسوبية، وتغوّل المصالح، والانقسام، والشخصنة، وتلك الشبكات الصغيرة التي تنخر جسد المشروع الوطني من الداخل.

فالاحتلال لا يحتاج دائمًا إلى أن يهدم البيت بيده.

يكفيه أحيانًا أن يجد في البيت ما يضعف أعمدته.

حين يفسد الفساد علاقة المواطن بدولته، وحين تقتل المحسوبية معنى العدالة، وحين يتحول الانقسام إلى جدارٍ داخل الجدار، وحين تصبح الشخصنة أقوى من المؤسسة، فإن الخسارة لا تبقى مجرد خطأٍ إداري أو خللٍ سياسي.

إنها تصل إلى المكان الأخطر:

ثقة الإنسان بمشروعه الوطني.

والأشد خطورة أن بعض ما يثقل البيت الوطني لم ينبت وحده.

بعضه صنعته مصالح ضيقة، وبعضه نما في بيئةٍ فاسدة، وبعضه الآخر صُنِع أو جرى تغذيته من خارج البيت، على يد الاحتلال. لأن الاحتلال يعرف جيدًا أن أفضل ما يمكن أن يفعله أحيانًا ليس أن يهدم الجدار، بل أن يجعل بعض حجاره تتكفل بذلك.

وهكذا تبدأ الحكاية صغيرة.

خطأٌ يُبرَّر.

ثم استثناءٌ يصبح عادة.

ثم عادةٌ تتحول إلى ثقافة.

ثم ثقافةٌ تصنع مصالح.

ثم مصالحٌ تبحث عن حصانات.

ثم حصاناتٌ تتحول إلى واقعٍ يخشى الناس الاقتراب منه.

وهنا يحدث أخطر شيء:

ما كان يجب أن يكون عارضًا، يصبح نظامًا يحمي نفسه.

وتتراكم الطبقات، واحدةً فوق أخرى، حتى تصنع في النهاية الصنم الأكبر:

الإحتلال ومشتقاته”الوطنية”.

وهنا يصبح الإصلاح جزءًا من معركة التحرر، لا ملفًا هامشيًا على هامشها.

فالفساد لا يسرق المال وحده.

إنه يسرق ثقة الناس بالدولة، ويشوّه معنى العدالة، ويمنح خصوم الوطن هدايا مجانية، ويجعل المواطن يرى الدولة من خلال أخطاء بعض رجالها، بدل أن يراها من خلال رسالتها.

ومن هنا، ربما آن لنا أن نستعيد شيئًا من روح طالوت.

لا أن ننتظر طالوت.

بل أن نفهم أن المعركة لا تحتاج إلى بطلٍ واحد، بقدر ما تحتاج إلى إرادةٍ عامة تعرف أين تقف، وماذا تريد، وماذا يجب أن تهدم، وماذا يجب أن تحمي.

أن نحمل في يدٍ معولًا.

لكن ليس معولًا لهدم الوطن ومؤسساته.

بل معولًا لهدم أصنام المرحلة:

صنم الفساد.

صنم المحسوبية.

صنم الخوف.

صنم الشخصنة.

صنم الانقسام.

وفي اليد الأخرى، نحمل حجر البناء.

نبني فلسطين التي نريد:

فلسطين الإنسان قبل الامتياز.

القانون قبل الواسطة.

الكفاءة قبل الولاء الشخصي.

الحرية قبل الخوف.

الكرامة قبل الحاجة.

والعدالة قبل العلاقات.

فلسطين التي يكون فيها الأمن حمايةً للإنسان، والسلطة خدمةً له، والدولة مظلةً للجميع.

فلسطين الإنسان والحرية والسلم والسلام.

وهنا تكمن المفارقة الجميلة:

لسنا أمام معركة هدمٍ فقط.

فالهدم وحده فوضى.

والبناء فوق الخراب دون تنظيفه وهم.

نحن بحاجة إلى معولٍ يهدم ما يجب أن يسقط، ويدٍ تبني ما يجب أن يبقى.

نحتاج أن نهدم الأصنام، لا الدولة.

أن نهدم الفساد، لا المؤسسات.

أن نهدم المحسوبية، لا الانتماء.

أن نهدم ثقافة الخوف، لا هيبة القانون.

فالذي يهدم الدولة بحجة إصلاحها، لا يصلحها.

والذي يحمي الفساد بحجة حماية الدولة، لا يحميها.

الدولة لا تُحمى بتغطية أخطائها، ولا تُصلح بهدمها.

الدولة تُحمى عندما يصبح القانون أقوى من الشخص، والمؤسسة أقوى من النفوذ، والحق أقوى من الواسطة.

ولعل هذا هو المعنى الأعمق في قصة طالوت:

أن النصر لا يبدأ لحظة سقوط جالوت فقط.

بل يبدأ قبل ذلك بكثير. يوم تتشكل في الناس إرادةٌ تقول إن الواقع ليس قدرًا مقدسًا، وإن القوة التي تبدو أبدية يمكن أن تتغير حين تتغير إرادة أصحاب الحق.

قالوا يومها:

﴿كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ﴾.

ونحن لا نحتاج اليوم إلى كثيرٍ من الكلام عن الأعداد.

نحتاج إلى شعبٍ يعرف ماذا يريد.

وإرادةٍ سياسية لا تخاف الإصلاح.

ودولةٍ تستعيد هيبتها من عدالتها، لا من خوف الناس منها.

نحتاج إلى شعبٍ لا يسمح لأحد أن يختبئ خلف القضية الوطنية كي يحمي فساده، ولا يسمح في الوقت نفسه لأحد أن يجعل من أخطاء بعض المسؤولين ذريعةً لهدم القضية كلها.

فلسطين أكبر من الفاسد.

وأكبر من الفاشل.

وأكبر من المتنفذ.

وأكبر من كل من ظن أن التاريخ يمكن اختصاره في منصبٍ أو امتياز.

وإذا كان جالوت يمثل كل قوةٍ تريد أن تجعل الهزيمة قدرًا، فإن طالوت الذي نحتاجه اليوم ليس رجلًا ينتظر الناس ظهوره.

إنه شعب.

شعبٌ يعرف من هي قيادته، ويريد منها أن تحمل روح طالوت: شجاعةً في مواجهة جالوت، وشجاعةً أكبر في إصلاح ما أصاب البيت من الداخل.

شعبٌ يستعيد زمام المبادرة، يهدم ما شوّه الطريق، ويحفظ ما بناه الآباء، ويصحح ما أخطأنا فيه، ويفتح الباب لجيلٍ جديد من الدولة. دولةٍ يقوم بنيانها على القانون والحرية والكرامة.

عندها فقط يصبح المعول في مكانه الصحيح:

يدٌ تهدم أصنام المرحلة،
ويدٌ تبني فلسطين.

وبين اليدين تبقى فلسطين نفسها:

وطنًا لا يريد أن ينتصر على أحد، بقدر ما يريد أن ينتصر لإنسانه.

وهذا هو النصر الذي يستحق أن نذهب إليه.

بقلم: شادي عياد