جاري التحميل...

من شان الله… ارجعوا….

بقلم: شادي عياد

إلى الإخوة المحترمين، المناضلين، بعض أو غالبية أصحاب المعالي الكرام…

نحن، والله، في أشدّ العذر منكم.

لقد ظلمناكم كثيرًا حين ظننا، بكل سذاجة، أنكم جئتم إلى هذه المواقع لتعملوا.

لم نكن نعرف أن وراء كل «معالي» حكايةَ تضحيةٍ شخصية تستحق أن تُروى للأجيال، وأن الوطن لم يستدعِكم إلى الوظيفة، بل استنقذكم من مصائر مهنية كادت تكون عظيمة لولا أن فلسطين كانت في انتظاركم.

واحدٌ ترك علمه ومختبره ومركز أبحاثه.

وآخر أغلق مشروعه الخاص.

وثالث هجر تجارته.

ورابع، كما بلغنا منه شخصيًا، ترك سيارة التاكسي والسرفيس… يا حرام.

وربما ترك معها حلمًا صغيرًا كان يمكن أن يكبر، لولا أن الوطن في تلك اللحظة التاريخية، احتاج إلى سائقٍ محتمل أكثر مما احتاج إلى باحثٍ محتمل.

وهناك من ترك محل أزياء، كان يمكن لولا هذا الاستدعاء الوطني العاجل، أن يتحول إلى إمبراطورية في عالم الموضة.

لكنه قال لنفسه، على ما يبدو:

ما قيمة البدلة إن لم أرتدِها وأنا أخدم الوطن؟

فترك البدلة… ولبس المعالي.

وترك المحل… وفتح بابًا في الدولة.

ومنذ ذلك اليوم، ونحن نشعر بالخجل.

كيف لم نفهم حجم التضحية؟

كيف لم ندرك أن هؤلاء الرجال لم يأتوا إلى مواقعهم من أجل وظيفة، بل جاءوا ليضحّوا بمهنهم، ومشاريعهم، وتجاراتهم، وسياراتهم، ومراكز أبحاثهم… وربما بأحلامهم الصغيرة التي لم تجد وقتًا حتى لتكبر؟

وهنا، يا إخوتنا الكرام، لا بد أن نعترف بالحقيقة التي تأخرنا كثيرًا في اكتشافها:

أنتم لم تأتوا إلى مواقعكم لتعملوا… أنتم جئتم لتضحّوا.

والتضحية كما تعلمون، لها أصول.

سنة، سنتان، خمس، عشر…

أما عشرون سنة، فهذه ليست تضحية فحسب.

هذه إقامة دائمة في التضحية.

عشرون سنة مدة كافية جدًا لكي يتقاعد التاكسي، ويكبر محل الأزياء، ويصبح المشروع الصغير شركة، ويصبح مركز الأبحاث جامعة، وربما يصبح صاحبه أستاذًا يكتب مذكراته عن الأيام الجميلة التي كان فيها يملك وقتًا ومهنة وحياة.

أما أنتم…

فما زلتم تضخّون.

تضخّون.

ثم تضخّون.

ثم تعودون إلى الضخ.

حتى بدأنا نخشى أن يكون الوطن قد تحول من حيث لا ندري، إلى جهازٍ طبيّ لا يستطيع الاستغناء عن هذه المجموعة تحديدًا من أصحاب المعالي، وأن أي محاولة لإبعاد أحدهم عن موقعه قد تؤدي لا سمح الله، إلى توقف القلب الوطني عن النبض.

ولهذا، ومن باب الإنسانية، نرجوكم:

من شان الله… ارجعوا.

ارجعوا إلى أبحاثكم التي تركتموها تنتظر.

ارجعوا إلى مشاريعكم التي شاخت وهي تنتظركم.

ارجعوا إلى تجارتكم التي ربما نسيت أسماءكم.

ارجعوا إلى سياراتكم، إن بقيت السيارات تعرف أصحابها.

ارجعوا إلى محالكم، إلى أعمالكم، إلى حياتكم التي أوقفتموها عند باب فلسطين قبل عشرين عامًا.

فنحن والله، نتحمل المسؤولية الأخلاقية عن كل هذا الوقت الذي أضعتموه معنا.

لقد أخذنا من أعماركم ما يكفي.

بل أكثر مما يكفي.

ولا نريد أن نكون السبب في أن يستمر هذا النوع النبيل من «التضحية الوطنية» حتى يصبح الأبناء يسألون آباءهم يومًا:

بابا، شو كانت مهنتك قبل ما تصير معالي؟

فيتنهد الأب طويلًا، وينظر إلى الأفق، ثم يقول:

كنت أشتغل.

وبعدين؟

جاء الوطن.

وبعدين؟

بقيت معالي.

والمهنة؟

راحت.

والسيارة؟

راحت.

والمحل؟

راح.

ومركز الأبحاث؟

راح.

طيب… والوطن؟

يصمت الأب قليلًا.

ثم يقول:

بقي الوطن.

والمعالي؟

بقيت المعالي.

وهنا فقط، نفهم المفارقة التي لا تحتاج إلى لجنة تفسير ولا إلى مؤتمر صحفي:

بعض الناس يضحّي من أجل الوطن بسنوات من عمره او بكل سنوات عمره، وبعض الناس يبدو أن الوطن هو الذي يضحّي من أجل بقائهم.

ولذلك، ومن باب الوفاء لا الجفاء، ومن باب الرحمة لا القسوة، ومن باب حرصنا على استمرار هذا الوطن في الوجود بعد أن أنهكتم أنفسكم في خدمته:

عودوا إلى حياتكم الأولى، إن بقي منها شيء.

اتركوا لنا الوطن قليلًا.

دعونا نختبر ولو مرة، كيف كان يمكن أن يعيش لو لم تكونوا مضطرين طوال هذه السنوات إلى إنقاذه من أنفسكم.

ونعدكم بشيء واحد:

لن ننسى تضحياتكم.

كيف ننسى؟

لقد مضى على بعضها عشرون عامًا.

والأوطان يا سادة، تحفظ الجميل.

لكنها، في لحظة نادرة من الصراحة، قد تقول لمن أحبّها أكثر من اللازم:

شكرًا… كفاية.

فمن شان الله…

ارجعوا.

فقد اشتقنا إلى الوطن الذي كان يمكن أن يكون لدينا، لو أنكم لم تضحّوا بكل هذا العمر من أجله.

بقلم شادي عياد