جاري التحميل...

أقسم بالله… إحنا أفسدناهم….

 

بقلم: شادي عياد

أقسم بالله… إحنا أفسدناهم.

نعم، نحن.

فلا تظلموا أصحاب المعالي كثيرًا، ولا تحملوهم وحدهم وزر الحكاية.

نحن الذين ربّينا فيهم هذه العادة العجيبة:
أن الرجل، إذا جلس على كرسيٍّ أعلى قليلًا، صار من الواجب أن نخفض أصواتنا.

إذا دخل، وقفنا.
إذا تأخر، قلنا: «معاليه مشغول».
إذا أخطأ، قلنا: «المرحلة صعبة».
وإذا نجح في شيء بسيط، احتفلنا به كأن الدولة اكتشفت نفسها من جديد.

ثم جلسنا بعد سنوات نسأل، بكل براءة:

كيف أفسدهم المنصب؟

يا جماعة الخير…

المنصب بريء.

نحن الذين أعطيناه أكثر مما يحتمل.

جعلنا الوصول إلى صاحب المعالي يحتاج إلى موعد، والموعد إلى واسطة، والواسطة إلى واسطة أخرى، ثم انتهى الأمر بأنك تشكر الله إذا ردّ عليك السكرتير!

وصار المواطن الذي يدفع راتب الدولة، يبحث عن طريقة محترمة للوصول إلى الموظف الذي يأخذ راتبه من جيبه.

وصار السؤال:

«شو منصبه؟»

أهم من:

«شو أنجز؟»

ثم وصلنا إلى مرحلة أكثر طرافة:

رجل يترك عمله الخاص، ومركز أبحاثه، ومشروعه، وربما راحته كلها…

ويأتي إلى الموقع ليخدم الوطن!

يا حرام…

لم نكن نعرف أن الوطن ارتكب في حقهم كل هذا الظلم!

ثم، من شدة امتناننا لتضحياتهم العظيمة، أعطيناهم سيارة ومكتبًا وسائقًا وحرسًا وبدلات وامتيازات وصورةً تليق بالمناسبة.

ثم قلنا:

«الله يقويكم… أنتم ضحّيتم من أجلنا».

فصدّقوا.

وهنا تبدأ الحكاية.

فبعضهم يأتي إلى السياسة على طريقة:

كله على باب الله… وبالسياسة يفتح الله… وبالخبرة؟ عدم، والله.

ومع ذلك، نعطيه الخبرة قبل أن يملكها، والهيبة قبل أن يصنعها، والتصفيق قبل أن ينجز.

ثم نستغرب حين يتغير.

بل إن المفارقة أننا نفسد البيئة حول “المسؤول”، ثم نغضب منه لأنه تغيّر داخلها.

نعلّمه أن السؤال «قلة احترام»، وأن النقد «استهداف»، وأن المحاسبة «تآمر»، وأن المواطن الذي يطالب بحقه «مزعج».

ثم نسأل في المساء:

ليش المسؤول بعيد عن الناس؟

لأننا نحن الذين بنينا السور.

ثم أقمنا له حفل افتتاح.

ثم شكرناه على تواضعه لأنه وقف خلف السور ولوّح لنا!

يا سادة…

المشكلة ليست في الكرسي وحده، بل في الطريقة التي نتعامل بها مع من يجلس عليه.

حين يصبح التصفيق عادة، قد يختلط الصوت بالإنجاز.

وحين يصبح اللقب أهم من العمل، يصبح السؤال نفسه نوعًا من الجرأة.

وحين يخاف المواطن من المسؤول أكثر مما يخاف المسؤول من سؤال المواطن، تكون المعادلة قد انقلبت رأسًا على عقب.

الدولة ليست مملكة.

والوزارة ليست إقطاعية.

و«معالي» ليست حصانة من السؤال.

والسيارة الحكومية ليست حصانًا شخصيًا.

والمنصب ليس ميراثًا.

الوطن لم يوظّفنا كي نعيش أفضل منه، وظّفنا كي نجعله يعيش أفضل بنا.

لذلك، سامحونا هذه المرة يا أصحاب المعالي…

نحن فعلًا دلّلناكم أكثر مما ينبغي.

بالغنا في الاحترام، وسكتنا حين كان يجب أن نسأل، وصفّقنا حين كان يجب أن ننتظر النتيجة.

لكن لا تزعلوا…

فقد حان وقت إعادة التربية.

ليس بإهانة أحد، ولا بكسر هيبة الدولة. بل بإعادة الأشياء إلى أحجامها الطبيعية:

نحترم المنصب… ولا نقدّسه.

نحترم صاحبه… ولا نضعه فوق السؤال.

ونصفّق للإنجاز… لا للصورة.

وأقسم بالله…

إحنا أفسدناكم من كثر الاهتمام.

والآن، بدل أن نقف عندما تدخلون…

خلّونا نسأل أولًا: شو عملتوا لما دخلتوا؟

بقلم شادي عياد