بقلم : عماد خالد رحمة _ برلين.
إنّ العقل العربي، منذ قرون، قد تشكّل في فضاءٍ تتصدّره فكرة “الكمال _ الشمول _ المطلق”، حيث يُنظر إلى الوجود، وإلى الفكر، وإلى الإنسان من منظورٍ مثالي يجنح نحو التمام، ويرفض الاعتراف بالثغرات والتصدّعات. هذا الميل إلى المطلق جعل الدين – في وعيٍ جمعي – “كاملاً شاملاً يصلح لكل زمان ومكان”، حتى غدا معيار الحكم على الحياة والناس هو مدى الانطباق على صورةٍ مثالية متخيَّلة. وهكذا أُحيل البشر إلى أنماط أقرب إلى القداسة: نريدهم أن يكونوا، في وعينا، على شاكلة النبي محمد صلى اللهعليهوسلم؛ أقوياء، حكماء، صبورين، طاهرين، لا يخطئون ولا يقترفون زلة.
لكن المفارقة – كما يشير ميشيل فوكو في حديثه عن أنماط السلطة والمعرفة – أنَّ الإصرار على اكتمال النموذج يقود إلى إنتاج خطابٍ قمعي، لا يسمح بالاختلاف، بل يَسحق التعدد، ويحوّل الإنسان إلى نسخة متكررة من المثال الجامد. وهذا ما انسحب على المجال السياسي، حيث غدت الأحزاب شمولية، مطلقة، “لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها”، تنظر إلى خصومها باعتبارهم ناقصين، خائنين، أو عملاء، وكأن النقص في ذاته خطيئة وجودية.
_بلاغة النقص ومفارقة الإبداع:
من هنا، تأتي أهمية العنوان المثير الذي طرحه بعض الدارسين: “الإنقاص البلاغي”. كيف يمكن للنقص أن يكون بليغاً؟ ألا يتعارض ذلك مع تربيةٍ عقليةٍ رسّخت فينا أن النقص عار؟ إنّ المفارقة هنا تكمن في أن النقص – بحسب القراءة النقدية – هو عين الإبداع؛ فالإبداع لا يتأسس على الامتلاء، بل على فراغٍ يطلب الامتلاء، على نقصٍ يفتح المجال للتجاوز.
إنّ نيتشه في “إرادة القوة” يرى أنّ الإنسان العظيم هو الكائن الذي يعي هشاشته ونقصه، فيحوّل هذا النقص إلى حافزٍ للخلق وإعادة التقييم. كما أن باشلار في “جدلية الزمن والخيال” يذهب إلى أن الشقوق في البناء النفسي والفكري هي ما تسمح للخيال أن يتنفس ويبتكر صوراً جديدة. النقص إذن ليس عيباً، بل هو الشرط الذي يُبقي إمكانيات المستقبل مفتوحة.
_ النقص بوصفه مسرحاً للمعنى:
ولنا أن نتأمل، مثلاً، في الشعر العربي: فقصائد المتنبي التي خلدها التاريخ لم تكن قصائد الكمال، بل قصائد التوتر بين الطموح والعجز، بين قوة الذات وجروحها. في بيته الشهير:
إذا غامرتَ في شرفٍ مرومِ
فلا تقنعْ بمـا دونَ النجومِ
لا نرى كمالاً متحققاً، بل رغبة لا تنطفئ في تجاوز النقص القائم. وكذلك محمود درويش حين قال:
على هذه الأرض ما يستحق الحياة
لم يكن يصف اكتمالاً، بل كان يحتفي بالجزئي والناقص والملتبس، بما يفتح أفق الأمل رغم القصور.
_ نماذج تطبيقية:
١. في الفكر السياسي: التجارب الديمقراطية الغربية لم تدّعِ يوماً أنها أنظمة كاملة، بل تعلن باستمرار أنها أنظمة قابلة للتطوير والتعديل والنقد. هذا “النقص المؤسَّس” هو الذي يحميها من التحجر، بينما الأحزاب الشمولية العربية تدّعي الكمال فتتحوّل إلى أصنام سياسية.
٢ . في النقد الأدبي: حين يتحدث رولان بارت عن “موت المؤلف”، فهو لا يُقصي المؤلف بقدر ما يفتح النص أمام تعددية القراءات. هنا يتحول النقص (غياب صوت المؤلف النهائي) إلى مصدرٍ لثراء المعنى.
٣. في الفن التشكيلي: اللوحات التي تترك فراغاً أو ظلالاً غير مكتملة، كما في أعمال بيكاسو أو بول كلي، تحمل قوة رمزية أكبر من اللوحات المزدحمة بالتفاصيل. النقص هنا هو “بلاغة المسكوت عنه”.
_ نحو عقل عربي جديد:
إنّ التحرر من وهم الكمال والشمول هو الخطوة الأولى لبناء عقل عربي نقدي. فكما يقول أدونيس: “الحداثة ليست اكتمالاً، بل هي سؤالٌ دائم عن النقص.” والسؤال عن النقص هو الذي يعيد الاعتبار إلى الفرد، إلى التعدد، إلى الاختلاف.
إنّ “الإنقاص البلاغي” بهذا المعنى ليس عنواناً استفزازياً فقط، بل هو مشروع لمساءلة البنية العميقة للعقل العربي: هل نجرؤ على الاعتراف بأننا ناقصون؟ وهل نحول هذا النقص من عارٍ إلى مصدر للقوة والإبداع؟