جاري التحميل...

الانتخابات الفلسطينية بين توحيد الجغرافيا وأولوية التوافق الوطني

بقلم الدكتورة تمارا حداد.

تطرح الانتخابات الفلسطينية المقبلة سؤالاً يتجاوز اختيار رئيس أو مجلس تشريعي، ليصل إلى جوهر النظام السياسي ومستقبل العلاقة بين الضفة الغربية وقطاع غزة. فهل تكون الانتخابات مدخلاً لإعادة توحيد الجغرافيا والمؤسسات، أم أن نجاحها يحتاج أولاً إلى توافق وطني يضمن قبول قواعد اللعبة واحترام النتائج؟ إن الإجابة ترتبط بطبيعة الانقسام السياسي والجغرافي الممتد، وبضرورة تحويل الانتخابات من ساحة للتنافس الداخلي إلى وسيلة لإعادة بناء الشرعية الوطنية.

من حيث المبدأ، تستطيع الانتخابات إنتاج شرعية شعبية جديدة، وتجديد المؤسسات، وفتح الطريق أمام سلطة سياسية واحدة ضمن إطار وطني موحد. وقد حددت لجنة الانتخابات المركزية، وفق المرسوم الرئاسي، يوم 28 نوفمبر 2026 موعداً للانتخابات التشريعية، فيما تواصل استعداداتها الفنية والإدارية، مع تأكيد وجود تحديات تتعلق بالقدس وقطاع غزة والقيود على الحركة والوصول. وهذا يجعل العملية محطة مهمة إذا توافرت شروط المشاركة.

لكن الانتخابات وحدها لا تنهي الانقسام تلقائياً، لأنها تنتج فائزاً وخاسراً، بينما يحتاج توحيد النظام السياسي إلى قاعدة أوسع تقوم على الاعتراف المتبادل، واحترام النتائج، وضمان انتقال السلطة، والاحتكام إلى القانون، وعدم استخدام المؤسسات أو السلاح أو الانقسام الجغرافي لتعطيل إرادة الناخبين. لذلك فإن التوافق الوطني حول قواعد العملية الانتخابية لا يقل أهمية عن يوم الاقتراع نفسه.

وتظهر الخطورة عندما يُنظر إلى الانتخابات التشريعية باعتبارها نهاية العملية السياسية الداخلية، بينما تبقى الخلافات حول الرئاسة والحكومة مؤجلة. فقد يؤدي انتخاب مجلس تشريعي منفرد إلى إنتاج ازدواجية جديدة في الشرعية إذا لم تتفق القوى الفلسطينية مسبقاً على تشكيل الحكومة، وعلاقة المجلس بالرئاسة، وآليات انتقال السلطة. وفي الحالة الفلسطينية، قد يتحول اختلاف المؤسسات المنتخبة إلى مصدر جديد للخلاف.

من هنا تبرز أهمية إجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية بصورة متزامنة، أو ضمن إطار زمني موحد ومتفق عليه وطنياً. فالتزامن يمنح الناخب فرصة اختيار السلطة التنفيذية والتشريعية في المسار السياسي نفسه، ويقلل احتمالات أن تصبح نتيجة أحد الاستحقاقين رهينة للآخر. كما يساعد على تحديد العلاقة بين الرئيس والمجلس والحكومة. لكن التزامن يحتاج إلى ترتيبات قانونية وسياسية واضحة.

الأهم من شكل الانتخابات هو ضمان احترام النتيجة أياً كان الفائز. فقد أظهرت التجربة الفلسطينية السابقة أن الشرعية الانتخابية لا تتحول بالضرورة إلى توافق سياسي مستقر. ولذلك ينبغي أن يسبق الاقتراع تفاهم وطني معلن حول الاعتراف بالنتائج، واللجوء إلى القضاء في حال الطعون، وقبول التداول السلمي للسلطة، وحماية عمل المؤسسات المنتخبة، وعدم تعطيلها بعد إعلان النتائج. فالانتخابات منظومة تبدأ بقواعد المنافسة وتنتهي بقبول المخرجات، والاحتكام إلى القانون والمؤسسات في كل المراحل.

ويشمل التوافق كذلك ضمان حرية الدعاية والاقتراع، ومعالجة الظروف الاستثنائية في غزة والقدس، وتمكين لجنة الانتخابات من العمل في جميع المناطق، وتوفير بيئة أمنية وقانونية تسمح للناخبين والمرشحين بممارسة حقوقهم. وقد أكدت اللجنة أن القيود الإسرائيلية على الحركة والوصول، ولا سيما في القدس وغزة، تمثل تحدياً أمام شمولية العملية. كما أن الاستعداد الفني في الضفة لا يعني تلقائياً توافر الظروف ذاتها في غزة، التي تحتاج إلى ترتيبات لوجستية وأمنية وفنية خاصة.

وهنا يبرز السؤال الأكثر حساسية: هل ستقبل إسرائيل بإجراء الانتخابات في غزة؟ وهل ستسمح بدخول المواد الانتخابية والحبر والمواد الدعائية، وتوفر البيئة الميدانية اللازمة لفتح مراكز الاقتراع وإجراء التصويت والفرز بصورة طبيعية؟ ثم من يضمن أمن الناخبين والمرشحين والموظفين يوم الاقتراع؟ هذه الأسئلة ليست تقنية فقط، بل سياسية وأمنية، لأن أي تعطيل في غزة قد يضع شرعية الانتخابات كلها أمام اختبار صعب.

كما يبرز البعد الدولي، خصوصاً في ظل الدور الأميركي والترتيبات المرتبطة بغزة. فقد أذن مجلس الأمن، بموجب القرار 2803، بإنشاء قوة دولية مؤقتة لتحقيق الاستقرار في غزة، وبمشاركة مجلس السلام في ترتيبات تنفيذ الخطة. لذلك تبرز ضرورة معرفة ما إذا كانت الولايات المتحدة ستتعامل مع أي نتائج انتخابية باعتبارها تعبيراً عن الإرادة الفلسطينية، أم ستربط إدارة غزة بالترتيبات الدولية القائمة. وفي المقابل، فإن الرقابة الدولية يمكن أن تعزز الشفافية، لكن لجنة الانتخابات نفسها تؤكد أهمية تمكين المراقبين والضيوف الدوليين من متابعة العملية.

أما توحيد الجغرافيا الفلسطينية، فهو نتيجة سياسية وإدارية تحتاج إلى ما هو أبعد من صناديق الاقتراع. فالانتخابات قد تمنح الشرعية لإعادة بناء المؤسسات الموحدة، لكنها لا تزيل وحدها آثار الانقسام، ولا توحد الأجهزة أو الموارد أو المعابر أو الإدارة. لذلك ينبغي أن يترافق المسار الانتخابي مع اتفاق على مرجعية سياسية واحدة، ومؤسسات موحدة، وإدارة وطنية للضفة وغزة، وترتيبات واضحة للأمن والموارد وإعادة الإعمار.

في المحصلة، لا ينبغي وضع الانتخابات والتوافق الوطني في مواجهة بعضهما، فكلاهما شرط للآخر. الانتخابات يمكن أن تكون أداة لإعادة توحيد الجغرافيا والمؤسسات، لكن نجاحها يتوقف على توافق يحمي العملية ويضمن احترام نتائجها. وإذا جرى التشريعي منفرداً من دون تفاهم على الرئاسة والحكومة وقبول النتائج، فقد تعود مشكلة الشرعية المزدوجة بصورة جديدة. أما الجمع بين الرئاسية والتشريعية ضمن إطار متزامن، مع اتفاق مسبق على قواعد المنافسة واحترام النتائج، فيوفر أساساً مؤسساتياً أوضح.

المطلوب إذن ليس انتخابات من أجل الانتخابات، بل معادلة تجمع بين توافق وطني على قواعد اللعبة، وانتخابات حرة وشفافة وشاملة، والتزام جماعي بنتائج الصندوق، وضمانات فلسطينية ودولية تحول دون تعطيلها. عندها يمكن أن تتحول الانتخابات من مناسبة تنافسية إلى مدخل لإعادة بناء الشرعية السياسية، وتوحيد مؤسسات الحكم، وربط الضفة وغزة ضمن نظام سياسي واحد، بما يعيد الاعتبار لإرادة الشعب الفلسطيني ويجعل احترام اختياره الانتخابي أساساً لاستدامة الوحدة الوطنية، والأهم هل هناك ضمانات من قبل الاوروبيين الضاغطين نحو العملية الانتخابية ام فقط من أجل الضغط على الملف الأضعف بعد سحب جميع الملفات من بين أيديهم من قبل الولايات المتحدة الأمريكية.