بقلم الدكتور صالح الشقباوي
من الخطأ اختزال قضية بوعلام صنصال في ديانته، أو القول إن الجزائر حاكمته لأنه يهودي. فالإجراءات القانونية التي اتُّخذت بحقه ارتبطت بتصريحات ومواقف علنية اعتبرتها السلطات الجزائرية مساساً بالوحدة الوطنية والسيادة والحدود، وليس بانتمائه الديني.
وهنا ينبغي أن نقولها بوضوح: الفلسطيني لا يكره اليهودي لأنه يهودي، والجزائري لا يكره اليهودي لأنه يهودي، والعربي والمسلم لا ينبغي أن يجعلوا الدين سبباً لكراهية الإنسان.
اليهودية دين، والصهيونية مشروع سياسي، والموقف من سياسات إسرائيل شيء آخر. ومن حقنا أن ننتقد الصهيونية وأن ندافع عن فلسطين، دون أن نحول اليهودية إلى عدو ديني.
أما بوعلام صنصال، فإن النقاش الحقيقي يجب أن يكون حول ما قاله وما كتبه ومواقفه السياسية، وما إذا كانت تصريحاته قد مست الوحدة الوطنية والسيادة والتاريخ والجغرافيا الجزائرية. وهذا نقاش وطني وقانوني وسياسي، لا نقاش ديني.
كما أن من حق الجزائريين أن يسألوا عن طبيعة علاقاته ودوائره السياسية والإعلامية في فرنسا، وعن مواقفه تجاه المغرب وإسرائيل.
الجزائر وتاريخها مع اليهود
إن القول إن الجزائر تعادي اليهود بسبب يهوديتهم يتناقض مع صفحات عديدة من تاريخ الجزائر.
فبعد سقوط الأندلس وطرد اليهود من إسبانيا سنة 1492، وصلت جماعات من اليهود السفارديم إلى بلاد المغرب، واستقر عدد منهم في مدن جزائرية مثل تلمسان ووهران والجزائر وقسنطينة، وأسهموا في الحياة الاقتصادية والثقافية والاجتماعية للبلاد.
كما أن مرسوم كريميو الصادر في 24 أكتوبر 1870 منح الجنسية الفرنسية لجزء كبير من يهود الجزائر، وهو ما أحدث تحولات عميقة في وضعهم القانوني والاجتماعي خلال الحقبة الاستعمارية.
ومع ذلك، لا ينبغي اختزال يهود الجزائر جميعاً في موقف سياسي واحد؛ فقد كانت بينهم اتجاهات مختلفة، كما كان بينهم من ارتبط بفرنسا ومن تفاعل مع الحركة الوطنية الجزائرية.
والأهم أن الهوية الدينية لم تكن في ذاتها سبباً يجعل الإنسان عدواً للجزائر.
الجزائر بعد الثورة
وعند الحديث عن استقلال الجزائر سنة 1962، يجب أن نتذكر أن الخطاب الوطني الجزائري لم يكن قائماً على طرد اليهود بسبب دينهم. بل إن جبهة التحرير الوطني وجهت رسائل إلى يهود الجزائر تؤكد أنهم أبناء الوطن، وأن بإمكانهم البقاء والمشاركة في بناء الجزائر المستقلة، كما تضمنت ترتيبات إيفيان ضمانات تتعلق بحقوقهم المدنية والدينية والثقافية.
وهذا يؤكد أن القضية الجزائرية كانت في جوهرها قضية تحرر وطني من الاستعمار والسيطرة الأجنبية، وليست حرباً دينية ضد اليهود.
ولهذا فإن محاولة تفسير قضية بوعلام صنصال بعبارة: «الجزائر حاكمته لأنه يهودي» هي نقل للنقاش من مجاله الحقيقي إلى مجال آخر لا يخدم الحقيقة التاريخية ولا القانونية.
فالإنسان يُناقش بما يقول ويفعل، لا بما يولد عليه من دين.
الجزائر وطن احتضن من لجأ إليه
ولعل أجمل ما يمكن أن نختم به هذه القراءة أن تاريخ الجزائر نفسه يحمل شواهد على احتضان من لجأ إليها هرباً من الاضطهاد.
فعندما طُرد اليهود من إسبانيا سنة 1492، كانت بلاد المغرب، ومنها الجزائر، إحدى المناطق التي وصل إليها واستقر فيها عدد كبير من اليهود السفارديم.
وهنا تبرز مفارقة تاريخية جديرة بالتأمل:
إسبانيا طردت اليهود، بينما احتضنت بلاد المغرب جماعات من الذين وجدوا فيها ملاذاً ومجالاً جديداً للحياة.
ومن ثم فإن تاريخ الجزائر لا يمكن اختزاله في كراهية اليهود، كما لا يجوز اختزال موقف الجزائريين من الصهيونية أو إسرائيل في كراهية دينية.
نحن الفلسطينيين، والجزائريين، والعرب والمسلمين، نستطيع أن ندافع عن فلسطين، وأن نرفض الاحتلال والاستعمار، وأن ننتقد الصهيونية باعتبارها مشروعاً سياسياً، من دون أن نكره اليهود بسبب يهوديتهم.
الجزائر وطن الثورة والشهداء، وطن السيادة والوحدة الوطنية، وليست وطناً للكراهية الدينية.
ومن قلب الجزائر، ومن قلب فلسطين، نقول:
لا لكراهية اليهود بسبب دينهم،
ولا لتوظيف اليهودية لحماية المواقف السياسية،
ولا لتزوير التاريخ،
نعم للحقيقة، نعم للإنسان، نعم لفلسطين، ونعم للجزائر.
الدكتور صالح الشقباوي
أستاذ فلسفة وعلم اجتماع