بقلم الدكتوره :مروة شهيد الخزعلي
باحثة في التاريخ المعاصر وتحليل العلاقات الدولية.
لم يعد مفهوم السلام في العلاقات الدولية المعاصرة مجرد غاية إنسانية تنتهي عندها الحروب، بل أصبح في كثير من الأحيان أداة من أدوات إعادة تشكيل التوازنات الدولية وإعادة توزيع النفوذ الخارجي وترتيب المصالح بين القوى الدولية الكبرى, ومن هنا فإن الحديث عن السلام الموعود في عهد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لا يمكن قراءته بمعزل عن السياق التاريخي الأوسع الذي تشكلت فيه الأزمات الدولية الحالية الراهنة، ولا عن التحولات التي شهدها النظام الدولي منذ نهاية الحرب الباردة
فالتحول من إيران إلى أوكرانيا، تتقاطع ملفات تبدو للوهلة الأولى منفصلة جغرافيًا وسياسيًا، لكنها ترتبط في عمقها بتحولات أكبر تتعلق بمفهوم القوة وحدود النفوذ الأمريكي، وصعود أدوار دولية وإقليمية جديدة، فضلًا عن استمرار التنافس على إعادة صياغة قواعد النظام الدولي المعاصر.
السلام بين الخطاب السياسي والواقع التاريخي:
وما كشفته الأحداث وقرأه التاريخ حول معطيات السلام بأنه لا يأتي بمجرد إعلان الرغبة فيه، وإنما يكون حصيلة لتفاعل معقد بين موازين القوى والضغوط الاقتصادية والحسابات الأمنية والإرادة السياسية للأطراف المتصارعة, ولهذا فإن الوعود السياسية بإنهاء الحروب تحتاج إلى قراءة معمقة تتجاوز فيها الخطاب المعلن نحو دراسة الظروف التي أنتجت الصراع نفسه,
لاسيما من منظور التاريخ المعاصر، فإن الرؤية حول الولايات المتحدة وكيفية تعاملها مع الأزمات الدولية خلال العقود الأخيرة جاءت وفق مقاربات متعددة تراوحت بين التدخل العسكري، والضغط الاقتصادي، والعقوبات، والمفاوضات، والوساطات السياسية, إلا أن التحولات التي شهدها النظام الدولي المعاصر أدى إلى دفع واشنطن إلى إعادة النظر في تكلفة الانخراط المباشر في الأزمات الطويلة، خاصة التي لا تبدو نهاياتها العسكرية حاسمة.
وفي هذا السياق، يبرز خطاب السلام بوصفه جزءاً من محاولة إعادة تعريف الدور الأمريكي ويكون السؤال كالآتي :هل تستمر الولايات المتحدة في إدارة الأزمات عبر القوة المباشرة، أم تنتقل بصورة أكبر إلى إدارة الصراعات من خلال التفاوض والضغط والوساطة وإعادة ترتيب التحالفات؟
إيران.. أزمة تتجاوز حدودها الإقليمية
تمثل إيران واحدة من أكثر القضايا تعقيدًا في التاريخ السياسي للشرق الأوسط خلال العقود الأخيرة فالعلاقة بينها وبين واشنطن لم تكن مجرد خلاف ثنائي بل تحولت تدريجيًا إلى أحد محاور الصراع الإقليمي والدولي، بفعل تداخل ملفات البرنامج النووي، والأمن الإقليمي، والنفوذ الإيراني، والعلاقات مع حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة
لاسيما منذ الثورة الإيرانية عام 1979، مرت العلاقة بين الطرفين بمراحل متعاقبة من القطيعة والتوتر والعقوبات والمفاوضات غير المباشرة، وصولًا إلى الاتفاق النووي عام 2015، ثم الانسحاب الأمريكي منه عام 2018، وما أعقب ذلك من تصعيد سياسي وأمني واقتصادي
وهنا تظهر إحدى أهم سمات التاريخ المعاصر بأن الأزمات الدولية لا تسير دائماً في خط مستقيم، وإنما تنتقل بين مراحل التصعيد والتهدئة تبعاً لتغير المصالح وموازين القوى
وعليه، فإن أي حديث عن سلام بين الولايات المتحدة وإيران لا ينبغي أن يقرأ بوصفه حدثاً منفصلًا، بل باعتباره حلقة جديدة في سلسلة طويلة من التفاعلات التي بدأت منذ أكثر من أربعة عقود.
أوكرانيا.. من أزمة إقليمية إلى اختبار للنظام الدولي المعاصر
أما الحرب الروسية–الأوكرانية، فقد مثلت منذ عام 2022 واحدة من أبرز التحولات في البيئة الأمنية الأوروبية والدولية ولم يعد الصراع محصوراً في العلاقة بين موسكو وكييف، بل أصبح مرتبطاً بصورة مباشرة بمستقبل الأمن الأوروبي، ودور حلف شمال الأطلسي، والعلاقات الروسية-الأمريكية، ومستقبل التوازنات داخل النظام الدولي
ولقد أعادت الحرب إلى الواجهة مما أدى إلى اعتقاد الكثيرون بأن النظام الدولي تجاوزها بعد نهاية الحرب الباردة ضمن حدود التوسع والتحالفات، ومفهوم الأمن الجماعي، وسيادة الدول، ودور القوى الكبرى في تحديد مستقبل المناطق ذات الأهمية الاستراتيجية
ومن هذه الزاوية، فإن أي مسار تفاوضي لإنهاء الحرب في أوكرانيا لن يكون مجرد اتفاق لوقف إطلاق النار، بل قد يتحول إلى محطة تاريخية في إعادة تعريف العلاقات بين روسيا والغرب، وفي تحديد طبيعة النظام الأمني الأوروبي خلال السنوات المقبلة.
من إيران إلى أوكرانيا.. ما الذي يجمع الأزمتين؟
رغم الاختلاف الكبير بين طبيعة الأزمة الإيرانية والأزمة الأوكرانية، فإنهما تلتقيان عند حقيقة أساسية وهي أن النظام الدولي المعاصر يشهد مرحلة إعادة ترتيب لموازين القوة والنفوذ
ففي الحالتين، تواجه الولايات المتحدة تحدياً يتمثل في كيفية تحقيق أهدافها الاستراتيجية دون الانخراط في صراعات مفتوحة طويلة الأمد ذات تكاليف سياسية واقتصادية وأمنية مرتفعة,
كما أن كلا الملفين يكشفان تراجع إمكانية إدارة الأزمات الدولية من خلال طرف واحد فقط
فالعالم المعاصر أصبح أكثر تعدداً في مراكز القوة والنفوذ، وأصبحت القوى الإقليمية والدولية قادرة على التأثير في مسارات الأزمات بصورة تجعل التسويات أكثر تعقيداً، لكنها في الوقت نفسه تجعل الحوار والتفاوض أكثر أهمية في تحديد المصير وإدارة الأزمات.
ومن هنا يمكننا القول بأن فهم سلام ترامب الموعود ليس جزءاً من لحظة دولية تتجاوز شخص الرئيس أو إدارته بل لحظة مصيرية تتعلق بمستقبل الدور الأمريكي نفسه، وبطبيعة النظام الدولي الذي يتشكل تدريجياً أمام أعين العالم اجمعه.
السلام.. هل يعني نهاية الصراع؟
يعلمنا التاريخ ووفق سياقه وقراءته للأحداث الماضية بأن انتهاء الحرب لا يعني بالضرورة انتهاء الصراع فكثير من الاتفاقيات أنهت العمليات العسكرية، لكنها لم تنهي جذور الخلافات التي أدت إليها الصراعات بين القوى,
ولهذا فإن نجاح أي مشروع للسلام يرتبط بقدرته على معالجة الأسباب السياسية والأمنية والاقتصادية للصراع، وليس فقط وقف إطلاق النار, فالسلام المستدام يحتاج إلى ترتيبات تضمن مصالح الأطراف المختلفة، وتوفر آليات واضحة لمعالجة الخلافات المستقبلية، وتمنع عودة الصراع بأشكال جديدة
وفي حالة إيران، تبقى الملفات النووية والأمن الإقليمي والعقوبات والعلاقات الأمريكية-الإيرانية عناصر أساسية في أي تسوية محتملة بالمستقبل, أما في أوكرانيا فإن قضايا الأراضي والأمن والضمانات والعلاقات الروسية-الغربية ستبقى جزءاً جوهرياً من أي مسار تفاوضي.
التحولات الدولية.. من الأحادية إلى التعددية
من أهم الدروس التي يمكن استخلاصها من المشهد الدولي الراهن حول مرحلة الهيمنة الأحادية التي أعقبت انهيار الاتحاد السوفيتي لم تعد تعمل بالطريقة نفسها التي كانت عليها خلال تسعينيات القرن الماضي
فصعود الصين وعودة روسيا لاعباً دولياً مؤثراً، وتنامي أدوار القوى الإقليمية، وتزايد أهمية الاقتصاد والطاقة والممرات البحرية والتكنولوجيا، جميعها عوامل ساهمت في خلق بيئة دولية أكثر تعقيداً
في المشهد الدولي, فإن دراسة التحولات المعاصرة تتطلب وفق ذلك عدم النظر إلى الأحداث واعتبارها أزمات منفردة فقط، بل عدها أجزاء من عملية تاريخية أوسع تتعلق بإعادة توزيع القوة داخل النظام الدولي
وفي هذا الإطار، يصبح الانتقال من إيران إلى أوكرانيا أكثر من مجرد انتقال جغرافي بين دولتين؛ عائداً إلى انتقال بين نموذجين من الأزمات يكشفان طبيعة التنافس الدولي في القرن الحادي والعشرين وهذا ما تتم مشاهدته اليوم.
وفي ختام المقال نصل إلى حقيقة سلام ترامب الموعود وما يستدل من السياق التاريخي بأن أمام الباحث في التاريخ المعاصر مساحة واسعة للتأمل في طبيعة التحولات التي يشهدها النظام الدولي, فبين إيران وأوكرانيا حيث تتقاطع ملفات الأمن والطاقة والنفوذ والتحالفات وموازين القوى، لتكشف لنا بأن العالم لم يعد يعيش مرحلة استقرار في شكل النظام الدولي، وإنما مرحلة إعادة تشكل نظام جديد قد تمتد آثارها إلى سنوات طويلة,
ومن منظور تاريخي، فإن قيمة هذه المرحلة لا تكمن فقط في معرفة ما إذا كانت المبادرات السياسية ستنجح في إنهاء حرب هنا أو أزمة هناك، وإنما في فهم ما ستتركه هذه التحولات من أثر في شكل العلاقات الدولية
فالتاريخ وماكشفته المعطيات واوضحته القراءة أنه لا يسجل نهايات الحروب فحسب، بل يسجل أيضاً اللحظات التي تغيرت فيها قواعد اللعبة الدولية والقائمة على حقيقة وأن رفضها وتقبلها الأخرين
وربما تكون الأسئلة الأهم في المرحلة المقبلة هل يتحقق السلام في نهاية المطاف؟، وهي : ماهي الآلية التي يقوم عليها النظام الدولي الذي سيولد من رحم هذا السلام؟
وهنا تحديداً تكمن أهمية قراءة التحولات الراهنة بعين المؤرخ؛ لأن الأحداث التي تبدو اليوم مجرد أزمات سياسية متفرقة، قد تصبح غداً محطات أساسية في تاريخ تشكل النظام الدولي المعاصر.