كيف تفكر اسرائيل
ميساء ابو غنام
تساؤلات عدة تدور في ذهن الفلسطينين القانطين في الضفة الغربية ….شعور بضابية المشهد والمسار نحو المجهول ولكن لا اعتقد ان هذه الضبابية موجودة لدى قيادي اسرائيل ….
نعم هناك عدة خيارات ولكن انا ارجح هذا الطرح …
حسب قراءتي لخيارات وحكومات إسرائيل، سواء كانت يمينية أو أكثر اعتدالًا، ستجد صعوبة في تسليم إدارة ملايين الفلسطينيين بالكامل إلى دولة عربية، وخصوصًا الأردن. فإدارة الفلسطينيين ليست مجرد مدارس ومستشفيات وبلديات؛ إنها مسألة أمن وسياسة واقتصاد وديموغرافيا، وكلها مرتبطة مباشرة بمصالح إسرائيل في الضفة الغربية.
لذلك أتوقع نموذجًا آخر: إدارة فلسطينية خدماتية من دون سيادة سياسية حقيقية، تعمل تحت إشراف أمني إسرائيلي، وضمن غطاء أو إشراف أميركي ودولي، مع مساهمة أوروبية وعربية في التمويل والإدارة.
أي أن السلطة الفلسطينية، بشكلها الحالي، ستختفي و يعاد تشكيلها، لكن الحاجة إلى جهاز فلسطيني يدير حياة السكان ستبقى.
الفلسطيني هو الذي سيدير المدرسة والمستشفى والبلدية والضرائب والخدمات اليومية، بينما تبقى الملفات الكبرى ــ الأمن والأرض والحدود والمعابر والسيطرة الجغرافية ــ خارج يده.
بمعنى آخر: إدارة للسكان من دون سيادة على الأرض.
لكن هذا النموذج يخلق مشكلة أخرى: ماذا تفعل بملايين الفلسطينيين إذا كنت لا تريد منحهم دولة مستقلة كاملة السيادة، ولا تريد في الوقت نفسه ضمهم إلى إسرائيل ومنحهم المواطنة الإسرائيلية؟
هنا أعتقد أن ملف حرية الحركة والسفر سيصبح أساسيًا.
قد يكون أحد الحلول المستقبلية منح الفلسطينيين وثيقة سفر قوية مرتبطة بدولة ما او لاسيباسيه اسرائيلي ، أو إيجاد صيغة أخرى تتيح لهم السفر والعمل والدراسة والاستثمار في الخارج، من دون أن تعني بالضرورة إقامة دولة فلسطينية بالمعنى التقليدي.
وقد يبدو هذا، للوهلة الأولى، تحسنًا كبيرًا في حياة الفلسطيني: يستطيع السفر، الدراسة في الخارج، إقامة شركة، الاستثمار، وربما الانتقال للعمل والإقامة في دول أخرى.
لكن هنا تحديدًا يجب النظر إلى الصورة الأوسع.
إذا فتحت أمام الفلسطيني أبواب العالم، وفي الوقت نفسه ضيقت أمامه إمكانية بناء مستقبله داخل الضفة الغربية، فإنك تخلق معادلة ديموغرافية مختلفة تمامًا.
لا تحتاج إلى إجباره على الرحيل.
يكفي أن يصبح الخارج أكثر جاذبية والداخل أقل قدرة على منحه مستقبلًا.
شاب فلسطيني لا يجد أرضًا للبناء، ولا فرصة عمل مناسبة، ولا إمكانية حقيقية لتطوير مشروع كبير، لكنه يحمل وثيقة سفر تفتح أمامه أوروبا أو الخليج أو أميركا؛ ماذا سيختار بعد عشر أو عشرين سنة؟
جزء سيبقى بالتأكيد، لكن جزءًا آخر سيغادر طوعًا بحثًا عن حياة أفضل.
وهنا أعتقد أن الاقتصاد سيكون جزءًا أساسيًا من أي نموذج مستقبلي للضفة.
بدل الاقتصاد الفلسطيني الحالي الضعيف والمعتمد بدرجة كبيرة على إسرائيل، قد نرى محاولة لبناء نموذج اقتصادي جديد يقوم على مشاريع ومناطق صناعية واستثمارات داخل التجمعات الفلسطينية، ولكنها مرتبطة بالسوق والاقتصاد الإسرائيليين.
وهذا قد يخدم إسرائيل اقتصاديًا وسياسيًا في الوقت نفسه.
فبدل أن تكون الاستثمارات الإسرائيلية مرتبطة مباشرة بالمستوطنات التي تواجه حملات مقاطعة وضغوطًا دولية، يمكن إقامة شركات ومصانع ومشاريع مشتركة داخل مناطق فلسطينية أو بالقرب منها، يعمل فيها الفلسطينيون، بينما تكون رؤوس الأموال والأسواق وسلاسل التوريد مرتبطة بالاقتصاد الإسرائيلي.
وقد يصبح رأس المال الفلسطيني نفسه جزءًا من هذه المعادلة.
بدل النظر إلى المستثمر الفلسطيني باعتباره جزءًا من مشروع اقتصادي وطني مستقل، يمكن فتح المجال أمامه للاستثمار داخل إسرائيل أو في شركات ومشاريع مشتركة، بحيث يصبح الاقتصاد الفلسطيني أكثر اندماجًا في الاقتصاد الإسرائيلي، لا أكثر استقلالًا عنه.
وهنا نصل إلى جوهر ما أتوقعه.
إسرائيل قد لا تحتاج إلى ضم الفلسطينيين؛ قد يكفيها ضم الأرض وفصل مسألة السكان عنها.
الأرض تبقى تحت السيطرة الإسرائيلية، بينما يحصل الفلسطيني على إدارة محلية وخدمات واقتصاد وفرصة للسفر والعمل والانفتاح على العالم.
لا دولة فلسطينية كاملة السيادة، ولا مواطنة إسرائيلية لملايين الفلسطينيين، ولا احتلال مدني مباشر تتحمل إسرائيل من خلاله مسؤولية إدارة تفاصيل حياتهم اليومية.
إنها منطقة وسط بين كل هذه النماذج.
والنتيجة على المدى الطويل قد تكون أخطر من شكلها في السنوات الأولى.
مع استمرار التوسع الإسرائيلي في أجزاء من الضفة، ووجود إدارة فلسطينية محدودة الصلاحيات، واقتصاد مرتبط بإسرائيل، ووثيقة سفر تفتح العالم أمام الفلسطينيين، قد تبدأ الخريطة الديموغرافية بالتغير تدريجيًا.
ليس بالضرورة عبر ترحيل جماعي، وإنما عبر الهجرة البطيئة والطوعية.
وبعد عقد أو عقدين قد نجد أنفسنا أمام ضفة مختلفة: حضور إسرائيلي أكبر على الأرض، وتجمعات فلسطينية كثيفة لكنها محدودة جغرافيًا، وجزء متزايد من الفلسطينيين يعيش أو يعمل أو يستثمر خارجها.
أما غزة، فقد تسير في نموذج مختلف تمامًا، مرتبط بإعادة الإعمار والدول الممولة وترتيبات الأمن والحدود والهجرة، ولذلك لا أعتقد أن مستقبل غزة والضفة سيكون بالضرورة ضمن نموذج سياسي واحد.
كل ما سبق ليس خطة إسرائيلية معلنة أزعم امتلاك تفاصيلها، وإنما قراءتي للمسار الذي يمكن أن تتجه إليه الأمور إذا استمرت الاتجاهات الحالية.
ولهذا، عندما نتحدث عن مستقبل القضية الفلسطينية، ربما علينا التوقف عن البحث فقط عن إعلان رسمي يقول: «انتهى حل الدولتين» أو «بدأ الضم».
فالتحولات السياسية الكبرى لا تحدث دائمًا بقرار واحد.
أحيانًا تُبنى قطعة قطعة: طريق هنا، مستوطنة هناك، منطقة صناعية، تعديل في صلاحيات الإدارة، وثيقة سفر، فرصة عمل، مشروع استثماري، ثم هجرة عائلة.
وبعد عشرين عامًا تنظر إلى الخريطة فتكتشف أن كل شيء تغير، من دون أن يكون هناك يوم واحد أُعلن فيه رسميًا أن كل شيء قد تغير الا اذا حدث تدخل الهي يقلب الواقع الى
اخر ….وربما يجد الفلسطينيون انفسهم بلا احتلال
اسرائيلي ليقعو في فخ احتلال اخر