الخليل… وما أدراك ما الخليل!
هناك مدنٌ تسكنها، ومدنٌ تسكن فيك. والخليل من تلك المدن التي لا تمرّ عليها مرورًا. تدخلها فتشعر أن وراء الحجر حكاية، ووراء الباب عائلة، ووراء العائلة تاريخًا طويلًا من النخوة والكرم والوقوف مع الناس.
مدينة إبراهيم عليه الصلاة و السلام، والبلدة العتيقة التي ما زالت تمشي في شوارعها رائحة الآباء، وتعلو جبالها تلك الكبرياء الفلسطينية التي لا تحتاج إلى إعلان.
ولذلك، لم أفاجأ حين رأيت الخليل، مرةً أخرى، تفتح قلبها لفلسطين.
ولم أفاجأ بما يفعله الأخ العزيز أيمن القواسمي وأسرته الكريمة، وما تقوم به إذاعة منبر الحرية. فقد أخرجوا من روح الخليل شيئًا كان فيها منذ البداية.
حين تصبح كلفة عملية جراحية أكبر من قدرة عائلة، وحين يصبح مرض طفلٍ امتحانًا يفوق طاقة أهله، يأتي صوت «الحرية» ليقول: لا، لن يكون المال آخر الطريق.
وهكذا تحولت الحملة إلى فعلٍ حقيقي. أموال تُجمع وقلوب تتحرك وأيادٍ تتسابق وحكايات أطفال تتحول من الخوف إلى فرصة أخرى للحياة.
من مالك إلى بسملة، لم يكن الأمر مجرد تبرعات.
كان شيئًا أجمل بكثير:
كان الفلسطيني يثبت للفلسطيني أنه لم يفقد الفلسطيني الآخر.
وما أجمل أن تأتي هذه الرسالة من الخليل.
فالخليل لا تسأل: من أي مدينة أنت؟ ولا تقف طويلًا عند المسافة بين الخليل وطولكرم أو بين جنوب الوطن وشماله.
يكفي أن يكون اسمك فلسطينيًا.
يكفي أن يكون في آخر الحكاية طفلٌ يريد أن يعيش.
عندها تصبح المسافة تفصيلًا صغيرًا أمام نخوةٍ تعرف طريقها.
وهنا أقول لأيمن القواسمي، ولعائلة القواسمي، ولأسرة «الحرية»، ولكل أهل الخليل:
أنتم لا تفعلون شيئًا هامشيًا في حياة هذا الوطن.
أنتم تحفظون شيئًا عزيزًا في الشخصية الفلسطينية. ذلك الخيط الذي ظل مشدودًا بين الناس رغم الاحتلال، والفقر، والانقسام، وقسوة الأيام.
والأجمل أن هذا ليس خُلق الخليل وحدها، الخليل هنا تذكّرنا بما في الفلسطينيين جميعًا أينما كانوا، من نخوةٍ حين يُنادى الإنسان، ومن كرامةٍ حين تكون حياة إنسان على المحك.
أنتم لا تجمعون المال فقط.
أنتم تجمعون معنى فلسطين.
كل من أعطى وساهم ونشر النداء، أو فتح بابه وقلبه، كان يقول بطريقته:
هذه فلسطين التي أعرفها.
فلسطين التي لا تترك طفلًا خلفها.
ولهذا، سلامٌ كبير على الخليل، على عائلاتها كلها، وعلى مدينتها وقراها، وعلى كل يدٍ امتدت لإنقاذ إنسان.
وسلامٌ خاص لأيمن القواسمي ولعائلته، ولـ«الحرية»، ولكل من جعل من قدرته بابًا لنجاة إنسان.
هذه ليست حكاية كرم فقط.
هذه حكاية وطن.
فالوطن الذي نبحث عن حريته في العالم، علينا أولًا أن نحفظ معناه بيننا.
وإذا كانت فلسطين قد تعبت من كثرة الجراح، فإن أجمل ما نستطيع فعله لها أن نبقي أبناءها واقفين في وجه اليأس.
وهذا ما فعلته الخليل.
قالت لفلسطين، بالفعل لا بالكلام:
إن كان فيك طفلٌ يحتاج إلى الحياة، ففي الخليل أهلٌ له.
وهنا أفهم معنى الصمود:
أن تبقى فلسطين قادرةً على إنقاذ نفسها، حتى في أكثر أيامها قسوة.
وهذا هو الوطن.
وهذه هي الخليل.