أحيانًا، لا نحتاج إلى أن نبحث عن «الطيب والسيئ والقبيح» في أفلام الغرب القديمة… يكفي أن ننظر جيداً حولنا.
ثلاثة وجوه، لعبة واحدة، تحالفات تتبدل، وغاية يتسابق الجميع للوصول إليها.
قد يبدو هذا الكلام للوهلة الأولى كأنه وصف لمشهد من فيلم، لكنه في الحقيقة هو السبب الذي يجعل بعض الأفلام تعيش أطول من زمنها، وتعود إلينا بعد سنوات وكأنها كُتبت لزمن آخر ولحكاية أخرى، ولأشخاص لم يكونوا قد ظهروا بعد.
ومن بين هذه الأفلام فيلم «الطيب والسيئ والقبيح». ذلك الفيلم الذي يبدو للوهلة الأولى، حكاية عن ثلاثة رجال وكنز مدفون في زمن الحرب. لكنه وكلما أعدنا النظر إليه، يكشف لنا لعبة أعمق بكثير من مجرد البحث عن الذهب.
ولعل ما دفعني إلى كتابة هذه السطور أنني، وأنا أشاهد أحداث الفيلم، شعرت بهدوءٍ غريب أن بعض مشاهده لا تنتمي إلى زمن الحرب الأهلية الأمريكية وحده. بل كأنها تعكس بصورة أو بأخرى، شيئًا مما يجري أمامنا اليوم في فلسطين.
في فيلم «الطيب والسيئ والقبيح»، لا تبدأ الحكاية من الذهب، بل من الحرب.
حربٌ أهلية أمريكية، وفوضى واسعة، وثلاثة رجال لا يجمع بينهم شيء تقريبًا، سوى أنهم يعرفون أن هناك كنزًا مدفونًا في مكان ما، وأن الوصول إليه يمر عبر بعضهم بعضًا.
«الطيب»، و«السيئ»، و«القبيح»… ثلاثة “رجال” يسير كل واحد منهم بطريقته، ويخدع الآخر حين يستطيع، ويتحالف معه حين يحتاجه، ثم يعود لمواجهته عندما تتغير موازين اللعبة.
وفي واحدة من أذكى مفارقات الفيلم، أن لا أحد منهم يثق بأحد، ومع ذلك لا يستطيع أحدهم الوصول إلى الكنز وحده.
وهنا تبدأ اللعبة الحقيقية.
كل تحالف مؤقت، وكل وعد قابل للانقلاب، وكل معلومة يمكن أن تكون ورقة ضغط. حتى الطريق نفسه لا يُكشف كاملًا لأي منهم. فكل واحد يعرف جزءًا من الحكاية، ويحتاج إلى الآخر ليصل إلى الجزء الناقص.
وحين يقترب الثلاثة من النهاية، تتكشّف الحقيقة كاملة: الكنز ليس مجرد ذهب، بل غاية جعلت الخصوم مضطرين إلى السير معًا، رغم أن كل واحد منهم ينتظر اللحظة التي يستطيع فيها الاستغناء عن الآخرين.
وهنا تحديدًا تصبح الحكاية أكبر من الفيلم.
لأن السياسة في كثير من الأحيان، تشبه تلك اللعبة.
قد يختلف الرجال ويتنافسون، ويتحالفون، ثم يفترقون، وقد تجد الخصوم يسيرون في الطريق نفسه لبعض الوقت، لا لأنهم أحبوا بعضهم، بل لأن هناك غاية مشتركة فرضت عليهم ذلك.
وهذا بحد ذاته ليس عيبًا. فالاختلاف طبيعي، والتنافس جزء من السياسة، وتبدّل التحالفات أمر تعرفه كل التجارب السياسية.
لكن الخطر يبدأ في اللحظة التي يتحول فيها الطريق إلى غاية، ويصبح الحليف أهم من الهدف، والموقع أهم من المشروع، والمصلحة الشخصية أكبر من المصلحة الوطنية.
وفي كل لعبة، هناك دائمًا من يظن أن الغبار سيحجب وجهه، وأن تبدّل المواقع سيُربك من يراقب المشهد.
لكن بعض الوجوه لا تحتاج إلى أسماء.
نحن نعرف الثلاثة.
نعرف أدوارهم، ونعرف كيف بدأت اللعبة، ونعرف كيف تبدلت التحالفات، ونعرف إلى أين يريد كل واحد منهم أن يصل.
ولذلك لا حاجة لأن نسمي أحدًا.
فالأقنعة لا تغيّر أصحابها، وتبدّل المواقع لا يمحو آثار الخطى.
في الفيلم كان الذهب هو الغاية.
أما في حالتنا الفلسطينية، فلا يجوز أن يكون الذهب هو الغاية، ولا الموقع، ولا النفوذ، ولا الأشخاص.
فلسطين هي الغاية.
ولهذا، فإن السؤال الأهم ليس: من هو الطيب؟ ومن هو السيئ؟ ومن هو القبيح؟
السؤال الحقيقي هو:
عندما تنتهي الحرب السياسية، وتسقط الأقنعة، وتتبدل التحالفات، ويصبح الوصول إلى الغاية ممكنًا… من يبقى وفيًّا للهدف الذي بدأنا من أجله؟
ذلك هو الاختبار.
ففي لعبة الفيلم، كان كل واحد يريد الكنز لنفسه.
أما فلسطين، فلا يجوز أن تكون كنزًا يتنافس عليه أبناؤها.
فلسطين هي البيت الذي يجب أن يصل إليه الجميع.
وفي النهاية، يظل الذهب ذهبًا…
أما فلسطين، فليست شيئًا نقتسمه بعد انتهاء المعركة.
فلسطين هي المعركة وهي الغاية، وهي الشيء الوحيد الذي لا يحق لنا أن نخسره.
وربما هنا تكمن المفارقة التي لا ينتبه إليها اللاعبون الثلاثة:
في الفيلم، ظلوا يركضون خلف الكنز، وكل واحد منهم يظن أنه يستطيع أن يخدع الآخرين حتى اللحظة الأخيرة.
لكنهم كانوا، طوال الوقت، يعرفون أن اللحظة الأخيرة قادمة.
ونحن أيضًا نعرف.
نعرف الثلاثة، ونعرف اللعبة، ونعرف أن الستار مهما طال بقاؤه لا بد أن يُسدل.
وحين يُسدل الستار، لن يكون السؤال: من كان أذكى؟
ولا من خدع من؟
ولا من وصل أولًا؟
سيكون السؤال الوحيد:
ماذا فعلتم بفلسطين؟
فالذهب يمكن أن يُدفن، ويمكن أن يُستخرج، ويمكن أن يتقاسمه ثلاثة.
أما فلسطين…
فلا تُدفن، ولا تُباع، ولا تُقتسم.
فلسطين وطن.
ومن يظن أنه يستطيع أن يربح اللعبة بخسارة فلسطين، لن يكون قد ربح شيئًا.
لأن الكنز في الفيلم كان ذهبًا…
أما كنزنا فهو فلسطين.
والذهب قد يختلف عليه ثلاثة…
أما فلسطين، فلا يملكها أحد كي يتقاسمها ثلاثة.
انتهت اللعبة.
وبقيت فلسطين.
والشاطر يفهم