جاري التحميل...

حلمتُ أن الانتخابات تأجلت… ولم أفرح…

 

البارحة رأيتُ حلمًا غريبًا.

رأيتُ أنني أمشي في شارع أعرفه جيدًا، لكنني لم أعرف في أي مدينة كنت. كانت الوجوه مألوفة والأخبار كثيرة، والناس يتحدثون عن الانتخابات كما لو أن صناديق الاقتراع أصبحت على أبواب بيوتهم.

كان الموعد واضحًا: الثامن والعشرون من تشرين الثاني.

وكانت لجنة الانتخابات تعمل، وباب الترشح قد فُتح، والماكينات السياسية تحركت، والحوارات اشتعلت، وكل طرف بدأ يعدّ أوراقه ومرشحيه.

حتى شعرتُ في الحلم أن كل شيء يسير نحو الصندوق.

ثم فجأة، تغيّر المشهد.

لم يُلغَ شيء.

لم يسقط الموعد.

لكنني سمعتُ صوتًا يقول:

«ليس كل ما بدأ… يصل إلى نهايته في الموعد الذي بدأ فيه.»

استيقظتُ قليلًا، ثم عدتُ إلى النوم.

وهنا بدأت الرؤية الحقيقية.

رأيتُ أن تشرين الثاني مرّ، وأن الشتاء دخل، وأن الانتخابات لم تُجرَ.

ثم رأيتُ شيئًا أغرب:

لم يكن أحد يحتفل بتأجيلها، ولم يكن أحد يبكي عليها.

كان الجميع قد أدرك أن المسألة أكبر من صندوق اقتراع، وأعقد من ورقة انتخابية، وأن فلسطين في تلك اللحظة كانت تقف أمام واقع سياسي وأمني لا يسمح بسهولة بعبور الطريق إلى انتخابات مكتملة الشروط في كل الأرض الفلسطينية.

وفي الحلم، لم يكن التأجيل نهاية القصة.

كان بداية قصة أخرى.

رأيتُ أن الحديث انتقل تدريجيًا من سؤال:

«متى ننتخب؟»

إلى سؤال أكثر خطورة وأهمية:

«كيف نُعيد ترتيب البيت الفلسطيني قبل أن نذهب إلى الانتخابات؟»

وهنا رأيتُ الرئيس محمود عباس.

لم أرَه منشغلًا بالتاريخ وحده، ولا بالضغوط الخارجية وحدها، ولا بمن يقول له: أجرِ الانتخابات، أو أجّلها.

رأيتُه ينظر إلى المشهد كله.

إلى حكومة تحتاج إلى إعادة نظر.

إلى مؤسسات تحتاج إلى إعادة ترتيب.

إلى إدارة فلسطينية تحتاج إلى دماء جديدة.

إلى مواقع سيادية وإدارية تحتاج إلى وجوه أكثر قدرة على حمل المرحلة.

ورأيتُ شيئًا لفت انتباهي أكثر من كل شيء:

الشباب.

كانوا يدخلون المشهد لا بوصفهم ديكورًا سياسيًا، ولا أرقامًا في قوائم انتخابية، بل باعتبارهم جزءًا من إعادة بناء النظام الإداري والسياسي الفلسطيني.

وفي الحلم، بدا لي أن الرئيس اختار أن يستفيد من الوقت الذي فرضته الظروف، بدل أن يسمح للوقت بأن يستهلكه.

لم يكن الأمر تراجعًا عن الانتخابات.

بل كان، كما رأيته، إعادة تجهيز لفلسطين التي ستذهب إلى الانتخابات.

ثم سمعتُ رجلًا يقول:

«وماذا عن الشعب؟»

فجاءه الجواب:

«الشعب يريد أن يعرف إلى أين تذهب بلاده قبل أن يعرف إلى أي صندوق سيذهب.»

عندها رأيتُ شيئًا لم أتوقعه.

رأيتُ أن الناس، رغم تعبهم وضيقهم وكثرة أسئلتهم، بدأوا ينظرون إلى الرئيس باعتباره عنوان الثقة في مرحلة شديدة التعقيد.

ولم يكن قبولهم بتغيير الموعد قبولًا بتأجيل الديمقراطية، بل قبولًا بأن الظروف قد تفرض إعادة ترتيب الأولويات، وأن الرئيس بحكم موقعه ومسؤوليته، قد يرى ما لا يراه المواطن العادي من خرائط سياسية وأمنية ودولية متشابكة.

ثم اتسعت الرؤية.

رأيتُ تعديلات كبيرة.

حكومة تتغير.

وجوهًا جديدة تظهر.

وجوهًا قديمة تغادر.

مواقع سيادية يعاد ترتيبها.

ومؤسسات تستعيد شيئًا من الحيوية.

وشبابًا يدخلون إلى مواقع القرار والتنفيذ.

ورأيتُ أن الرئيس لا يغيّر الأشخاص لمجرد التغيير، وإنما يحاول أن يصنع فريقًا فلسطينيًا جديدًا لمرحلة فلسطينية جديدة.

ثم سمعتُ صوتًا يقول:

«الانتخابات ليست موعدًا فقط… الانتخابات نتيجة.»

وهنا فهمتُ الحلم.

قد يكون موعد 28 تشرين الثاني هو الموعد المعلن، وقد تستمر الإجراءات حتى آخر يوم، وقد تبقى لجنة الانتخابات مستعدة لكل الاحتمالات.

لكن السياسة ليست جدولًا زمنيًا فقط.

أحيانًا تأتي اللحظة التي يصبح فيها إصلاح الواقع شرطًا لإجراء الانتخابات، لا بديلًا عنها.

وفي الحلم، لم أرَ انتخابات أُلغيت.

رأيتُ انتخابات تنتظر فلسطين الجديدة التي ستذهب إليها.

ثم استيقظت.

فتحتُ هاتفي.

قرأتُ الأخبار.

وجدتُ أن باب الترشح قد فُتح فعلًا، وأن عجلة الانتخابات تدور.

ابتسمتُ.

وقلتُ لنفسي:

ربما كان ما رأيته مجرد حلم.

وربما…

كانت بعض الأحلام مجرد طريقة أخرى لفهم المستقبل قبل أن يصل.