جاري التحميل...

الإرادة الحُرّة بين وهم الحتمية ووعد الحرية:

بقلم: عماد خالد رحمة _ برلين.

منذ أن شرع الفكر الفلسفي في مساءلة جوهر الوجود الإنساني، احتلّت مسألة الإرادة الحُرّة موقعاً محورياً، إذ تتقاطع عندها مباحث الميتافيزيقا، والأخلاق، والدين، والعلم. فهل الإنسان كائن حرٌّ حقاً، أم أن حريته ليست سوى وهمٍ متقن تصوغه الطبيعة والظروف الاجتماعية والنفسية في قوالب محكمة؟
لقد وضع بيير لابلاس، الفيلسوف والرياضي الفرنسي، تصوّراً صارماً للحتمية عبر فرضيته الشهيرة بـ”شيطان لابلاس”، ذلك الكيان الكليّ العلم الذي لو عرف موقع كل ذرة في الكون، وتمكّن من الإحاطة بقوانين الطبيعة، لأمكنه أن يتنبأ بكل ما سيكون كما يعرف كل ما كان. هذا التصور يختزل الحرية إلى مجرد جهل الإنسان بالأسباب، فلا يبقى مجال للإرادة الحرة إلا في الفراغات التي لم يكتشف العلم بعد قوانينها.
غير أن ديفيد هيوم حاول أن يقدّم رؤية أكثر “توافقية”، إذ اعتبر أن الحتمية لا تنفي الحرية، بل إن الحرية لا يمكن أن توجد إلا حيث توجد القوانين التي تسمح بالفعل الإنساني بأن يكون مفهوماً ومتوقعاً. فالحرية عنده ليست القدرة على الفعل دون سبب، بل القدرة على أن يفعل المرء ما يريد دون إكراه خارجي. على الضد من ذلك، ذهب إيمانويل كانط إلى أن الحرية ليست معطى تجريبياً بل شرط قبليّ للأخلاق: فلا معنى للواجب الأخلاقي إن لم يكن الإنسان حراً في طاعته أو عصيانه. الحرية عند كانط هي ميتافيزيقا العملية الأخلاقية، وليست تجربة حسية.
أما في الفلسفة المعاصرة، فقد حمل جان بول سارتر الحرية إلى أقصى تخومها، حين اعتبر أن الإنسان “محكوم عليه بالحرية”. فوجوده سابق على ماهيته، ولا شيء يبرر اختياراته إلا هو ذاته. هنا تصبح الحرية عبئاً ميتافيزيقياً، إذ لا يمكن للإنسان أن يتذرع بقدر أو طبيعة أو قوانين عامة كي يبرر تقاعسه. إنّه مسؤول تماماً عن ذاته وعن العالم الذي يختاره.
وفي الضفة المقابلة، جاءت العلوم العصبية الحديثة لتلقي بظلال من الشك على هذا الوهج السارتري، إذ تشير بعض التجارب – كأبحاث بنجامين ليبيت – إلى أن الدماغ يتخذ القرار قبل أن يعيه الفرد بكسور من الثانية، مما يثير سؤالاً عميقاً: هل الحرية مجرد “إحساس ذاتي” لاحق على فعل حتمي عصبي؟ أم أن هذا الإحساس نفسه جزء من آلية الحرية الداخلية؟
ولم يقف الدين بعيداً عن هذه الجدالات، إذ أقرّ بأن للإنسان سلطة على قراراته واختياراته، لكنه في الوقت ذاته محاط بإرادة إلهية عليا تضبط حدود الممكن والمستحيل. هنا تتجلّى المفارقة: الحرية كمنحة إلهية، والحتمية كإطار قدري، والإنسان ككائن محكوم بالتوتر بينهما.
أما من زاوية علم الاجتماع، فقد نبّه إميل دوركايم وماكس فيبر إلى أن الحرية الفردية مشروطة بالبنى الاجتماعية والثقافية، فلا قرار يتخذ في فراغ، بل في شبكة معقّدة من القيم والأعراف والمؤسسات. وبالتالي فإن الحرية ليست استقلالاً مطلقاً، بل قدرة على المناورة داخل فضاء اجتماعي واقتصادي وتاريخي محدّد.
خلاصة القول إن مسألة الإرادة الحرة ليست سؤالاً بسيطاً عن “الاختيار”، بل هي استكشاف معمّق لمكانة الإنسان في الكون:
فإذا كان الكون آلة صمّاء تحكمها السببية الدقيقة، قد تكون الحرية مجرد وهم.
وإذا كانت الحرية شرطاً قبلياً للأخلاق، كما ذهب كانط، فهي حقيقة ميتافيزيقية لا غنى عنها.
وإذا كان الوجود نفسه هو الحرية كما أعلن سارتر، فالمسؤولية هي قدرنا.
وإذا كانت الأعصاب والهرمونات والظروف الاجتماعية تصوغ قراراتنا، فالحرية عندئذ تتحول إلى مساحة ضيّقة للمناورة داخل شبكة معقّدة من الحتميات.
وهكذا تبقى الإرادة الحرة سؤالاً مفتوحاً، يتجدّد كلما أعاد الإنسان النظر في علاقته بالعلم، والدين، والمجتمع، والذات. فهي ليست مجرد قضية فلسفية قديمة، بل معضلة وجودية راهنة تُحدّد معنى أن نكون بشراً.