بقلم: عماد خالد رحمة ـ برلين
ثمة أوطان لا يغادرها الإنسان حين يغادرها جسده، ولا تنال منها المسافات، ولا تنجح المنافي في اقتلاع جذورها من أعماق الذاكرة. وثمة أمكنة لا نولد فيها، ومع ذلك تولد فينا؛ تكبر معنا، وتنتقل من جيل إلى جيل كما تنتقل الأسماء والملامح وحكايات البيوت القديمة. ولعل طبريا واحدة من تلك الأمكنة التي لا تحتاج إلى أن تطأها القدم كي تعرفها الروح.
أنا عماد خالد رحمة، عربي فلسطيني من مدينة طبريا. لجأ أهلي إلى سورية إثر نكبة عام ١٩٤٨، فكانت دمشق مكان ولادتي، ثم جاءت برلين لتكون فضاء إقامتي. وبين المدن الثلاث امتدت حياتي: طبريا ذاكرة الأصل، ودمشق ذاكرة الميلاد، وبرلين ذاكرة المنفى والإقامة. ثلاث مدن في الجغرافيا، لكنها في داخلي مدينة واحدة اسمها فلسطين.
لم أولد في طبريا، ولم أمشِ في أزقتها طفلًا، ولم أفتح أبواب بيوتها، ولم أجلس إلى شاطئ بحيرتها كما يجلس ابن المكان إلى مائه الأول. ومع ذلك، ظل شيء غامض مني هناك؛ شيء لا أعرف متى بدأ، ولا كيف استقر في روحي، ولا لماذا كلما ابتعدت عن طبريا شعرت أنها تقترب مني أكثر.
ربما هكذا تفعل الأوطان التي تُنتزع من أصحابها: تحوّل المكان إلى ذاكرة، والذاكرة إلى هوية، والهوية إلى عهد لا يسقط بالتقادم.
طبريا ليست عندي مجرد مدينة فلسطينية على ضفاف البحيرة؛ إنها اسمٌ يتجاوز الجغرافيا إلى المعنى. هناك، حيث ينام الجليل على كتف الماء، وحيث تتجاور زرقة السماء مع زرقة البحيرة، وحيث يحمل التراب أسماء أهله الأوائل، أشعر أن ثمة جزءاً من سيرتي ظل معلقاً هناك، ينتظر عودة لا يعرف متى تأتي.
لقد ورثت طبريا قبل أن أراها.
ورثتها من أبي، ومن حكايات الأهل، ومن ذاكرة الفلسطيني الذي يحمل مفتاحاً لبيت قد لا يستطيع الوصول إليه، ويعرف اسم شجرة لم يجلس تحتها، ويستطيع أن يصف طريقاً لم يمشِ فيه. هكذا يصبح الوطن، بالنسبة إلى المنفي، أكثر من مكان: يصبح ميراثاً روحياً، ومسؤولية أخلاقية، وذاكرة تقاوم النسيان.
في دمشق كانت الولادة.
هناك فتحت عيني على العالم، وعشت طفولتي وشبابي، وتعلمت أن فلسطين يمكن أن تكون حاضرة في بيت اللاجئ حتى وهي غائبة عن خرائط الحياة اليومية. كانت فلسطين تُروى في الأحاديث، وتظهر في أسماء القرى والمدن، وفي وجوه الكبار، وفي الحنين الذي لا يحتاج إلى شرح.
وفي برلين اتسعت المسافة.
هنا أعيش، وهنا امتدت سنوات من العمر والعمل والكتابة والتأمل. لكن المدن، مهما منحتنا من أمان، لا تستطيع دائماً أن تمنحنا ذلك الشعور الغامض بأننا عدنا إلى المكان الأول. قد يتخذ الإنسان وطناً للإقامة، لكنه لا يستطيع أن يختار دائماً وطن الذاكرة.
لذلك أقول:
دمشق كانت الولادة، وبرلين هي الإقامة، أما طبريا فكانت وما تزال جهة القلب.
وحين أقول: «ادفنوني هناك… إن استطعتم»، فإنني لا أتحدث عن الموت بوصفه نهاية، بل عن العودة بوصفها آخر أمنية.
لا أريد أن أجعل القبر بطولة، ولا الموت انتصاراً، ولا الغياب قدراً أجمل من الحياة. الحياة هي الأصل، والوطن ينبغي أن يكون مكاناً للحياة لا للمقابر. لكن الإنسان، حين يتأمل نهايته، يبحث عن أبسط الأشياء: موضع يضم جسده، وحجر يحمل اسمه، وسماء يشعر أنها امتداد لسماء طفولته، وتراب لا يحتاج إلى ترجمان كي يقول له: أنت من هنا.
لهذا أتمنى أن يكون لي، إذا استطاع الأحفاد والأهل والظروف، قبر في طبريا.
قبر بسيط، لا يحتاج إلى زخارف كثيرة، ولا إلى سيرة طويلة.
يكفي أن يقول الشاهد:
هنا يرقد فلسطيني من طبريا،
وُلد في دمشق،
وعاش في برلين،
وظل قلبه يعرف الطريق إلى هنا.
قد يبدو هذا الطلب، في زمن الحدود والأسلاك والتصاريح والخرائط المتنازع عليها، أكبر من قدرة الفرد. لكن الأمنيات لا تخضع دائماً لقوانين الجغرافيا؛ بعضها يولد من مكان أعمق من الحدود، من تلك المنطقة التي لا تستطيع السياسة أن تصل إليها: منطقة الذاكرة.
فالمنفى ليس أن تكون بعيداً عن مكان فحسب؛ المنفى أن تكون لك جهة لا تستطيع الوصول إليها، بينما تظل هي قادرة على الوصول إليك كل يوم.
قد أكون في برلين، لكن طبريا ليست بعيدة كما تبدو على الخريطة. إنها في اللغة التي أكتب بها، وفي الذاكرة التي أحملها، وفي الأسئلة التي رافقتني طويلًا، وفي ذلك الحنين الذي لا يحتاج إلى موعد كي يستيقظ.
وإذا كان الإنسان يحمل وطنه في قلبه، فإن الوطن، بدوره، يحمل أبناءه في ذاكرته؛ حتى أولئك الذين ولدوا بعيداً عنه.
لهذا لا أريد في نهايتي كثيراً.
لا أريد احتفالًا، ولا خطاباً طويلًا، ولا نصباً يعلو فوق اسمي.
أريد فقط أن يعود الجسد إلى جهة القلب.
ادفنوني هناك… إن استطعتم.
وإن لم تستطيعوا، فلا تجعلوا العجز نهاية الحكاية.
خذوا حفنة من تراب الجليل، إن أمكن، وضعوها تحت رأسي؛ لعل التراب يعرف ما لا تعرفه الحدود، ولعل الحنين يجد أخيراً مكاناً يستريح فيه.
وقولوا لطبريا:
مرّ من هنا رجلٌ لم يولد فيك،
لكن شيئاً منه وُلد فيك قبل أن يولد.
قولوا لها إن ابنها ظل يحمل اسمها في المنافي، من دمشق إلى برلين، وإن المسافة الطويلة لم تستطع أن تقنع قلبه بأنه ينتمي إلى مكان آخر.
وقولوا لها أيضاً:
لم يكن غائباً عنك تماماً؛
كان فقط يعيش بعيدًاً
عن المكان الذي ظل يعيش فيه.
فإذا كان الموت آخر سفر، فأمنيتي أن تكون نهايته هذه المرة عودةً إلى البداية.