جاري التحميل...

“الرجل الطائر” وأنواع الوعي!

بكر أبوبكر
اعتبر الفيلسوف والعالم الشهير ابن سينا أن الوعي بالذات (أي الأنا) هو جوهر مستقل عن الجسد: وصاغ في ذلك تجربته الفكرية الشهيرة “الرجل الطائر” لاثبات أن الانسان يعي وجوده حتى لو عُزل عن حواسه وجسده تمامًا. والى ذلك فلقد قسم مستويات الإدراك والوعي الباطني (الذاتي) الى خمس قوى تتمركز بالدماغ هي: الحس المشترك وهو المسؤول عن الحواس الخمس الظاهرة، وثانيًا الخيال (او المصورة) المسؤولة عن حفظ صور المحسوسات بعد غيابها، والوهم بمعنى إدراك المعاني غير المحسوسة في الأشياء مثل إدراك الشاة لعداوة الذئب وإدراك الطفل لثدي أمه، والرابعة هي المتخيلة (أو المتصرفة) بما تعنيه من تركيب الصور والمعاني أو الفصل بينها وبالأخيرة هي الذاكرة (أو الحافظة) التي تمثل مستودع المعاني الإدراكية.
أما حديثًا فيمكننا النظر الى الوعي بالشكل التالي:
1. الوعي الذاتي: وهو قدرة الشخص على فهم مشاعره وأفكاره ونقاط قوته ونقاط ضعفه.
2. الوعي الاجتماعي: بفهم تأثير الانسان على محيطه الانساني (الدوائر حول الانسان: من دائرة العائلة و دائرة الأصدقاء ودائرة زملاء العمل ودائرة التنظيم ثم المجتمع أو وفق ما يرتب هو دوائره).
3. الوعي البيئي: بفهم تأثير الانسان على الطبيعة والمحيط والشعور بالمسؤولية نحو الأرض والأشجار والكائنات عامة ثم الكوكب.
4. الوعي السياسي والحقوقي: بمعنى أن يدرك الشخص حقوقه وواجباته داخل الدولة أو حقوقه بالتحرر من الاستخراب (الاستعمار) والاحتلال، وفهم كيفية سيرأنظمة الحكم والقيادة ومكونات المجتمع والقوانين والعادات والتقاليد.
5. الوعي الوجودي أو الكوني: وقد تفهم أنها الفلسفة لأن الفلسفة تعنى بالإجابة عن الأسئلة الكبرى مثل قيم الحق والخير والوجود والغايات ومنها الغاية من الكون.
علاقات الوعي بالانتباه والإدراك
دعنا نرسم الصورة على الشكل التالي: لنعتبر أن الانتباه هو “البوابة” أو المنخل أو الفلتر حيث أن الدماغ محاط بآلاف المثيرات الحسية وغير الحسية.
فالانتباه يسلط الضوء على مثير معين دون غيره لذا فهو يختار وينتقي إذ أنك عندما تنتبه لشيء ما (بعد الاحساس به) فإنك تدخله الى المسرح “مسرح الوعي” وفي المقابل فإن التشتت أو فقدان الانتباه يجعل الوعي إما غائبًا أو مغيبًا عن تفاصيل المحسوسات والمحيط.
إذن لدينا أولًا إحساس ثم لدينا بوابة أو منخل يختار البيانات أو المعلومات أو المحسوسات وهو الانتباه ثم تأتي مرحلة التفسير لما تم الانتباه له وهي مرحلة الإدراك.
لنأخذ مثالًا فالإحساس هو المكون الأول ثم مع حصول الفلترة وعبر البوابة أي بوابة الانتباه يمكنك ملاحظة الصوت المحدد مثلًا ولنفترض أنه صوت “الإشعار” من “واتساب” وهنا يأتي دور الإدراك ليقول لك (يفسر) أن هذا الصوت هو إشعار رسالة واردة. وفي الإطار يكون الوعي هو المظلة الكبرى التي تستقبل الإدراك وتمزجه مع الخبرات السابقة لتفهم المعنى.
دعنا ننتقل نقلة أخرى بالتفكير بالعلائق فالعلاقة بين الوعي والمعرفة وثيقة بالطبع إذ أن المعرفة تشكل المادة الخام والملفات المخزنة (المعلومات، الحقائق، التصورات، النظريات، الأفكار…) أما الوعي فهو المعالج لهذه المعرفة وبصورة أخرى يمكننا القول أن المعرفة تخبرك ما هو الشيء والوعي يمنحك القدرة على نقد هذه المعرفة أو معالجتها وعواقبها وإمكانية تطبيقها.
ولنتقدم خطوة أخرى لنرى العلاقة بين التعلم والوعي فلك أن تقول أن العلم والتعلم يمثل عملية التطوير والتعديل إذ أنه عندما يمر الانسان الواعي بتجربة ما (انتباه، إدراك، معرفة) يقوم بتحليلها ما يؤدي لاتساع نظرته للعالم وهذا التغير هو التعلم الحاصل. والتعلم بدوره يعود ليغذي الوعي ويوسع آفاقه في دائة مستمرة.
حاشية: تجربة «الرجل الطائر» (أو الإنسان المعلق في الهواء) هي تجربة فكرية ذهنية صاغها الفيلسوف ابن سينا لإثبات أن الروح أو النفس البشرية مستقلة عن الجسد، وأن الوعي بالذات موجود وثابت حتى لو انعدمت كل الحواس والمؤثرات المادية أما تفاصيل هذه التجربة الفكرية فهي
• الافتراض: يطلب منا ابن سينا أن نتخيل إنساناً خُلق دفعة واحدة، وهو كامل العقل والهيئة، لكنه معلق في الهواء أو في فراغ تام بحيث لا يلمس شيئاً. وغياب الحواس: يُفترض أيضاً أن هذا الإنسان أعمى ومحجوب عنه كل اتصال بالحواس (لا يرى، لا يسمع، لا يشم، لا يتذوق، ولا يحس بأطرافه أو بجسده نهائياً)، والنتيجة: رغم هذا التجريد الكامل من أي إحساس جسدي أو مادي، فإن هذا الإنسان سيظل مدركاً ومتاكداً من وجود ذاته ونفسه (سيقول “أنا”)، ولن يشك أبداً في وجود ذاته. أما الأهداف والدلالات الفلسفية فهي
• استقلال النفس عن الجسد: استنتج ابن سينا أن النفس أو الوعي شيء مغاير ومستقل تماماً عن أجزاء البدن، لأن الإنسان أثبت وجود ذاته دون أن يشعر بوجود جسده.
• الوعي الفطري: تؤكد التجربة أن إدراك الوعي بالذات أولي ومباشر، وليس مستمداً بالضرورة من الحواس المادية.
• السبق التاريخي: تُشابه هذه الحجة إلى حد كبير مقولة ديكارت الشهيرة «أنا أفكر إذن أنا موجود» التي ظهرت بعدها بنحو ستة قرون .