جاري التحميل...

اقلبوا خريطة الضفة… وستعرفون ما الذي يحدث

بقلم: محمد التاج
منذ أكثر من ثلاثين عاما ونحن ننظر إلى خريطة الضفة الغربية بالطريقة نفسها.
نحدد مواقع المستوطنات الإسرائيلية.
نعدّ البؤر الاستيطانية.
نحسب الدونمات المصادرة.
ونراقب أين ظهرت مستوطنة جديدة.
لكن ماذا لو كنا نقرأ الخريطة بالمقلوب؟
ماذا لو لم يعد السؤال الأهم:
أين يوجد المستوطن الإسرائيلي؟
بل:
أين يستطيع الفلسطيني أن يتحرك ويعيش ويصل إلى أرضه من دون أن يستطيع كيان الاحتلال الإسرائيلي التحكم في حركته؟
جربوا قراءة الخريطة بهذه الطريقة.
لا تبدأوا بالمستوطنات.
ابدأوا بمدينة فلسطينية.
رام الله مثلا.
ثم حاولوا الخروج منها.
إلى نابلس.
إلى أريحا.
إلى القدس.
إلى قرية قريبة.
إلى أرض زراعية لا تبعد سوى بضعة كيلومترات.
هذه المرة لا تعدّوا المستوطنات فقط.
انظروا إلى الطرق.
البوابات.
الحواجز.
البؤر.
المناطق العسكرية.
الأراضي التي أصبح الوصول إليها مقيدا.
والمساحات التي يستطيع المستوطن الإسرائيلي الوصول إليها بينما يحتاج صاحب الأرض الفلسطيني إلى طريق أطول، أو تصريح، أو انتظار، أو قد لا يصل أصلا.
عندها ستظهر خريطة أخرى.
المستوطنات ليست مجرد نقاط استيطانية إسرائيلية داخل بحر فلسطيني.
في أجزاء واسعة من الضفة، أصبحت التجمعات الفلسطينية نفسها أشبه بجزر سكانية داخل مجال أوسع يملك الاحتلال الإسرائيلي قدرة كبيرة على التحكم بالحركة فيه.
وهنا تبدأ القصة التي يجب أن نقلق منها الآن.
لأن المستوطن الإسرائيلي الذي كان خارج هذه الجزر…
بدأ يظهر عند أبوابها، وفي بعض الحالات داخلها.
لنعد إلى رام الله.
لا باعتبارها العاصمة الإدارية للسلطة الفلسطينية، بل باعتبارها تجربة بسيطة على الخريطة.
اخرج غربا نحو بيتونيا والطيرة.
في الأسابيع الأخيرة ظهر مستوطنون إسرائيليون في هذه المناطق ومحيط جريوت.
وفي سبتمبر/أيلول وصل مستوطنون إسرائيليون إلى محيط حديقة رام الله العامة، وحاول بعضهم تسلق سياجها.
قد يبدو الخبر صغيرا إذا قرأناه وحده.
مستوطنون إسرائيليون وصلوا.
ثم غادروا.
لم تقم مستوطنة في الحديقة.
ولم يبنى منزل استيطاني في وسط رام الله.
إذن ماذا حدث؟
تقلصت المسافة.
وهذه المسافة، في رأيي، أصبحت أحد أهم الأشياء التي يجب قياسها في الضفة.
طوال عقود كان الفلسطيني يرى المستوطن الإسرائيلي فوق التلة.
ثم أصبح يراه على الطريق.
ثم عند مدخل القرية.
واليوم يراه في أماكن داخل تجمعات فلسطينية أو على تخومها الحضرية.
هذا لا يعني أن المستوطن الإسرائيلي سيقيم غدا بيتا في وسط رام الله.
ولا نحتاج إلى مثل هذا الادعاء حتى نفهم خطورة التحول.
لأن السيطرة لا تبدأ دائما بالبناء.
أحيانا تبدأ بالقدرة على الوصول.
من يستطيع الدخول؟
من يستطيع العودة؟
من يغلق جيش الاحتلال الإسرائيلي الطريق من أجله؟
ومن يضطر إلى الانتظار حتى يغادر الآخر؟
في كفل حارس قرب سلفيت رأينا صورة شديدة الوضوح.
يدخل جيش الاحتلال الإسرائيلي.
ينتشر في شوارع البلدة ومداخلها.
تُفرض قيود على حركة الفلسطينيين.
ثم يدخل المستوطنون الإسرائيليون.
اقرأوا المشهد بعيدا عن لغة البيانات السياسية:
صاحب البلدة ينتظر في بلدته حتى يدخل الزائر المسلح بحماية جيش الاحتلال الإسرائيلي.
من يملك المكان في تلك اللحظة؟
لا أطرح السؤال بحثا عن إجابة قانونية.
بل عن معنى السيطرة نفسها.
ونابلس تقدم لنا شيئا آخر.
منذ سنوات يدخل المستوطنون الإسرائيليون إلى ما يسمونه «قبر يوسف» تحت حماية جيش الاحتلال الإسرائيلي.
تدخل قوات الاحتلال أولا.
تغلق الطرق.
ينتشر الجنود.
ثم تدخل الحافلات.
لكن في يناير/كانون الثاني 2026 تغير شيء.
سُمح بالدخول نهارا للمرة الأولى منذ نحو ربع قرن.
ثم جاءت زيارات بأعداد أكبر.
لم تتغير حدود المدينة على الخريطة.
لكن ما أصبح ممكنا داخلها تغير.
وهذه جملة أعتقد أننا يجب أن نتوقف عندها:
الخريطة ليست فقط أين تقع الحدود. الخريطة أيضا ما الذي يستطيع كل طرف فعله داخلها.
وهنا تصبح اتفاقات أوسلو أقل أهمية مما اعتدنا أن نتصور.
ليس لأن آثارها اختفت.
بل لأننا ارتكبنا خطأ حين سمحنا لحروفها بأن تصبح طريقة تفكيرنا في أرضنا.
A.
B.
C.
كأن C أقل فلسطينية من A.
وكأن الاستيطان يصبح خطرا فقط عندما يعبر خطا إداريا نحو B أو A.
هذا غير صحيح.
كل الضفة الغربية أرض فلسطينية محتلة.
وتقسيمات أوسلو لم تكن حدودا بين فلسطين وكيان الاحتلال الإسرائيلي، بل ترتيبات مؤقتة داخل الأرض المحتلة.
والخطيئة الكبرى، في رأيي، أن الفلسطيني دخل مرحلة انتقالية من دون تجميد شامل للاستيطان.
أُجل ملف المستوطنات إلى مفاوضات الوضع النهائي.
لكن المستوطنات لم تنتظر.
كان الفلسطيني ينتظر نهاية المرحلة الانتقالية…
بينما الأرض نفسها كانت تنتقل إلى واقع آخر.
واليوم تظهر المفارقة بوضوح أكبر.
خلال نحو عامين ونصف فقط، وثقت منظمة «السلام الآن» 26 بؤرة استيطانية داخل المنطقة المصنفة B، 19 منها منذ نهاية 2024.
وفي سبتمبر/أيلول ظهرت بؤرة في جبل حريش قرب جبع جنوب جنين، في موقع قال رئيس البلدية إنه يقع داخل A.
وقرب قباطية، صدرت أوامر بالاستيلاء على أراضٍ، بينها أراضٍ داخل A، لشق طريق يربط مستوطنتين.
وقالت الأمم المتحدة في 28 سبتمبر/أيلول إن هذه أول حالة مُبلغ عنها للاستيلاء صراحة على أرض في A من أجل بنية تحتية استيطانية.
مرة أخرى:
ليست أهمية هذه الوقائع أن A أكثر فلسطينية من C.
أهميتها أنها تقول إن المشروع الذي لم توقفه حدود الاحتلال، لم تعد توقفه حتى الحدود الإدارية التي صنعها أوسلو.
لكن حتى هذه ليست المفاجأة الكبرى.
انظروا مرة أخرى إلى الخريطة المقلوبة.
بدل أن نسأل كم مستوطنة تحيط بالمدينة الفلسطينية، نسأل:
كم منفذا يملك الفلسطيني للخروج منها لا يستطيع الاحتلال الإسرائيلي إغلاقه؟
بدل أن نسأل كم مستوطنا إسرائيليا يعيش في المنطقة، نسأل:
كم مساحة يستطيع الفلسطيني الوصول إليها من دون أن يمر بحاجز أو بوابة أو طريق أو منطقة يمكن لجيش الاحتلال أن يغلقها؟
وبدل أن نسأل أين ستقام البؤرة القادمة، نسأل:
ما المسافة التي بقيت بين المستوطن الإسرائيلي والحياة اليومية للفلسطيني؟
عندها نفهم أن القضية أكبر من توسع عمراني.
إنها إعادة تشكيل للمجال الذي يعيش فيه الفلسطيني.
وهذا يفسر شيئا يبدو عاديا في حياتنا لكنه ليس عاديا إطلاقا.
نحن لا نقيس المسافة بالكيلومترات فقط.
نقيسها بالوقت.
قرية تبعد عشرة كيلومترات قد تصبح أبعد من مدينة تبعد خمسين.
طريق كان يحتاج إلى عشرين دقيقة يصبح رحلة مجهولة.
بوابة حديدية واحدة تستطيع تغيير جغرافيا عشرات آلاف البشر من دون أن تتحرك سنتيمترا واحدا على الخريطة.
الاحتلال يستطيع أن يصغّر المكان من دون أن يصادره على الورق.
يكفي أن يصعب الوصول إليه.
وهنا ربما نحتاج إلى إعادة تعريف كلمة «استيطان» نفسها.
حين نقول استيطان، يتخيل كثيرون منزلا استيطانيا إسرائيليا مبنيا فوق أرض فلسطينية.
لكن ماذا عن الطريق الذي يخدم ذلك المنزل؟
والحاجز الذي يحميه؟
والأرض التي يُمنع الفلسطيني من الوصول إليها؟
والبوابة التي تغلق قريته؟
وجيش الاحتلال الذي يعيد ترتيب حركة بلدة فلسطينية كي تمر حافلة مستوطنين إسرائيليين؟
والبؤرة الصغيرة التي لا تشغل إلا مساحة محدودة، لكنها تجعل مساحة أكبر حولها صعبة الوصول على أصحابها؟
إذا حسبنا المنزل وحده، فنحن نحسب أصغر جزء من القصة.
وهذا ربما يفسر لماذا يمكن للخريطة الرسمية أن تخدع العين.
تنظر إليها فترى مدينة فلسطينية كبيرة.
حولها قرى فلسطينية.
وبينها مساحات واسعة تبدو فارغة.
لكن الأرض ليست فارغة لأنها غير مبنية.
السؤال الحقيقي:
من يستطيع استخدامها؟
من يرعى فيها؟
من يزرعها؟
من يسلك طريقها؟
من يستطيع أن يصل إليها ليلا ونهارا؟
ومن يستطيع منع الآخر من الوصول؟
أجب عن هذه الأسئلة…
وستحصل على خريطة مختلفة تماما عن الخريطة المعلقة على الحائط.
وفي يونيو/حزيران استخدم وزير المالية في حكومة الاحتلال الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش تعبيرا بالغ الدلالة:
«السيادة العملية».
ربما لا نحتاج إلى مصطلح أفضل لوصف ما نراه.
فالسيادة العملية لا تحتاج إلى تغيير لون الخريطة.
ولا إلى إعلان ضم رسمي.
يكفي أن تحدد عمليا:
من يتحرك.
من يبني.
من يصل إلى أرضه.
من يستخدم الطريق.
من يدخل التجمع الفلسطيني.
ومن يأتي جيش الاحتلال لحمايته عندما يدخل.
السيادة ليست فقط مَن يملك الأرض على الورق.
السيادة أيضا مَن يستطيع أن يقول للآخر: انتظر هنا حتى أمرّ.
وهنا أصل إلى ما أراه أخطر من أرقام الاستيطان نفسها.
خلال ثلاثة أشهر، من منتصف يونيو/حزيران إلى منتصف سبتمبر/أيلول 2026، وثقت الأمم المتحدة 630 اعتداء للمستوطنين الإسرائيليين أدى إلى إصابات أو أضرار أو كليهما.
وقالت إن هذه الاعتداءات أصبحت تسجل بصورة متزايدة حتى في المناطق المصنفة A وB.
لكنني لا أريد أن أتوقف عند الرقم.
فالرقم سيصبح 700 ثم 800، وسنكتب رقما جديدا في المقال التالي.
المهم هو الاتجاه.
كان المشروع يتحرك من المستوطنة نحو الأرض المحيطة بها.
الآن علينا أن نراقب إن كان يتحرك أيضا من المجال الذي أصبح يسيطر عليه نحو التجمع الفلسطيني نفسه.
وهذا هو السبب الذي يجعل دخول المستوطنين الإسرائيليين إلى بيتونيا والطيرة وكفل حارس ومناطق داخل نابلس أكثر من مجرد أخبار محلية.
ليس لأن هذه الأماكن أهم من الأغوار أو مسافر يطا أو القرى التي فقدت أراضيها.
بل لأنها قد تخبرنا ما الذي يأتي بعد السيطرة على المساحة المحيطة بالتجمع الفلسطيني.
وهنا يجب أن نكون دقيقين.
لا أقول إن كيان الاحتلال الإسرائيلي سيقيم غدا مستوطنة وسط رام الله.
ولا أن كل دخول لمستوطن إسرائيلي سيصبح وجودا دائما.
ولا أن كل هذه الوقائع جزء من خطة واحدة نستطيع إثباتها مسبقا.
لكن التحليل السياسي لا يبدأ بعد اكتمال الحدث.
إذا انتظرنا حتى يصبح الاتجاه حقيقة مكتملة، فلن نكون قد توقعنا شيئا.
سنكون فقط قد وصفنا ما حدث.
لذلك، بدل أن نراقب عدد المستوطنات وحده، أقترح أن نراقب شيئا آخر:
المسافة.
بين المستوطن الإسرائيلي والقرية.
بين البؤرة والمدينة.
بين الطريق الاستيطاني والتجمع الفلسطيني.
بين الدخول الأول والدخول الثاني.
بين «زيارة» تستغرق ساعات وموعد يتكرر.
وبين حماية عسكرية مؤقتة وترتيب يصبح مع الوقت أمرا واقعا.
كلما تقلصت هذه المسافات، سنعرف إلى أين تتحرك الخريطة قبل أن يرسم أحد حدودها الجديدة.
لكن هناك مشكلة فلسطينية أيضًا.
نحن بارعون في التكيف.
بوابة جديدة؟
نبحث عن طريق آخر.
حاجز جديد؟
نخرج أبكر.
طريق مغلق؟
نتعلم البديل.
بؤرة ظهرت فوق تلة؟
بعد سنة تصبح علامة نصف بها الطريق.
مستوطنون إسرائيليون سيدخلون؟
ننتظر حتى يغادروا.
هذه القدرة على التكيف أحد أسباب بقائنا على هذه الأرض.
لكنها تحمل خطرا آخر:
أن نتعلم كيف نعيش مع الخسارة قبل أن نسأل كيف أصبحت الخسارة طبيعية.
لكن ماذا لو وسعنا الخريطة قليلًا؟
ماذا لو خرجنا من الضفة الغربية ونظرنا إلى غزة والقدس بالطريقة نفسها؟
سنكتشف أن السؤال لا يتغير كثيرا:
من يستطيع أن يتحرك؟ ومن يستطيع أن يمنع الآخر من الحركة؟
لنذهب إلى غزة.
قطاع صغير لا تتجاوز مساحته نحو 365 كيلومترا مربعا.
لكن حتى هذه المساحة لم تعد متاحة للفلسطيني الذي يعيش فيها.
في يونيو/حزيران 2026، قال مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية إن ما يسمى «الخط البرتقالي» وضع 64.9% من مساحة قطاع غزة تحت سيطرة إسرائيلية مشددة ومباشرة.
وبحلول أغسطس/آب، قالت الأمم المتحدة إن جميع سكان القطاع تقريبا، البالغ عددهم نحو 2.1 مليون إنسان، أصبحوا متركزين في أقل من نصف مساحته.
أي أن غزة التي يراها العالم على الخريطة…
أكبر من غزة التي يستطيع الفلسطيني أن يعيش ويتحرك فيها فعليا.
والبحر؟
هو أمام الفلسطيني.
يراه.
ويعيش على شاطئه.
لكن حتى البحر ليس مساحة يملك حرية الوصول إليها واستخدامها.
فالأمم المتحدة وثقت استمرار حظر الوصول إلى البحر، بما يحرم الفلسطينيين أيضا من مناطق الصيد ومصدر من مصادر رزقهم.
فكروا في المفارقة.
الفلسطيني يعيش في قطاع ساحلي.
البحر جزء من جغرافيته.
لكن وجود البحر أمامه لا يعني أنه يستطيع استخدامه.
مرة أخرى:
الخريطة تقول شيئا، والقدرة على الوصول تقول شيئا آخر.
وهذا بالضبط ما يحدث على اليابسة.
الأرض ليست فقط المساحة التي تظهر بلون معين على الخريطة.
الأرض أيضا المساحة التي تستطيع أن تعيش وتتحرك فيها.
ثم انظروا إلى القدس.
وخصوصا البلدة القديمة والمسجد الأقصى.
مرة أخرى، لا تنظروا فقط إلى الحدود.
اسألوا:
من يستطيع الوصول؟
الفلسطيني من الضفة الغربية لا يستطيع ببساطة أن يقرر صباحا أنه يريد الذهاب إلى القدس ثم ينطلق إليها كما ينتقل الإنسان بين مدينتين في بلده.
منظومة التصاريح والحواجز والجدار التي يفرضها الاحتلال الإسرائيلي جعلت الوصول إلى القدس الشرقية خاضعا لقيوده، سواء كان الفلسطيني يريد زيارة قريب أو مستشفى أو مكان مقدس.
وفي أبريل/نيسان 2026، قال مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية إن هذه المنظومة عزلت القدس الشرقية تدريجيا عن بقية الضفة، وإنها تعيق وصول الفلسطينيين إليها من بقية الأرض الفلسطينية المحتلة، بما فيها غزة.
لكن الصورة تصبح أكثر وضوحا عندما نصل إلى البلدة القديمة والمسجد الأقصى.
حتى هناك، لا يملك الفلسطيني دائما أن يقرر متى يدخل إلى مكان عبادته.
خلال عام 2026 فرضت سلطات الاحتلال قيودا على وصول الفلسطينيين إلى البلدة القديمة والمسجد الأقصى، وأُغلقت أبواب المسجد أمام المصلين المسلمين لفترات، بما في ذلك خلال شهر رمضان.
وفي مناسبات أخرى أقامت قوات الاحتلال الحواجز في البلدة القديمة، وقيدت حركة الفلسطينيين والوصول إلى المسجد الأقصى، بينما دخل إسرائيليون ومستوطنون إسرائيليون إلى المنطقة تحت حماية قوات الاحتلال.
وهنا تصبح الخريطة المقلوبة أكثر وضوحا.
لا تسأل فقط:
لمن تنتمي القدس؟
اسأل:
من يستطيع أن يقرر من يدخل؟
من يستطيع إغلاق الطريق؟
من يستطيع إقامة الحاجز؟
من يستطيع منع المصلّي من الوصول؟
ومن يستطيع فتح الطريق للآخر؟
هذه ليست تفاصيل أمنية صغيرة.
هذه هي الطريقة التي تتحول بها السيطرة من خط مرسوم على الخريطة إلى شيء يعيشه الإنسان في يومه.
من رام الله إلى نابلس وكفل حارس.
ومن غزة إلى بحرها.
ومن القدس إلى البلدة القديمة والمسجد الأقصى.
تختلف التفاصيل.
لكن السؤال يبقى واحدا:
من يملك القدرة على الوصول؟
ومن يملك القدرة على المنع؟
لأن السيطرة في النهاية ليست فقط أن ترفع علمك فوق الأرض.
ولا أن تبني مستوطنة عليها.
ولا أن تعلن ضمها.
السيطرة قد تكون أبسط من ذلك بكثير.
أن تستطيع الوصول إلى مكان، بينما تمنع صاحبه من الوصول إليه.
أن تتحرك، بينما ينتظر هو.
أن تدخل، بينما يحتاج هو إلى تصريح.
أن تفتح الطريق لنفسك، وتغلقه أمامه.
وأن يكون البحر أمام الفلسطيني، والمدينة خلف الحاجز، والمسجد في قلب مدينته…
لكن القرار في الوصول إليها ليس بيده.
وهكذا ربما نكون قد أخطأنا طوال سنوات عندما سألنا:
كم أخذوا من الأرض؟
السؤال الأدق قد يكون:
كم بقي للفلسطيني من القدرة على استخدام أرضه بحرية؟
وأخطأنا عندما سألنا:
كم مستوطنة تحيط بالمدينة؟
السؤال الأهم:
كم طريقا يستطيع الفلسطيني أن يسلكه من مدينته من دون أن يستطيع الاحتلال إغلاقه؟
وأخطأنا عندما سألنا:
أين يعيش المستوطن الإسرائيلي؟
لأن السؤال الذي قد يحدد المرحلة المقبلة هو:
إلى أين أصبح يستطيع الوصول؟
هنا تتغير الخريطة فعلا.
ليس عندما يتغير لونها.
بل عندما تتغير الإجابات عن هذه الأسئلة.
من يتحرك؟
من ينتظر؟
من يدخل؟
من يُمنع؟
ومن يستطيع أن يفرض على الآخر أن يغير طريقه وحياته ووقته؟
لهذا لا أعتقد أن القضية اليوم هي ماذا بقي من A وB وC.
ولا حتى أين ستقام المستوطنة القادمة.
القضية هي أن المساحة التي يعيش فيها الفلسطيني قد تكون أكبر بكثير على الخريطة منها في حياته اليومية.
وهذا هو الفارق الذي يجب أن نقيسه.
الفارق بين الأرض التي نقول إنها لنا… والأرض التي نستطيع فعلا أن نعيش ونتحرك فيها بحرية.
وعندما ننظر إلى الضفة وغزة والقدس بهذه الطريقة، نكتشف أن المسألة أكبر من خريطة واحدة.
فالمستوطن الإسرائيلي الذي كان فوق التلة أصبح على الطريق.
والذي كان على الطريق وصل إلى مدخل التجمع.
وفي بعض الأماكن أصبح جيش الاحتلال يفتح له الطريق إلى الداخل.
وفي غزة تقلصت المساحة التي يستطيع الفلسطيني العيش والتحرك فيها.
وفي القدس يستطيع الفلسطيني أن يرى مدينته ومسجده، لكن الوصول إليهما قد يبقى مرهونا بحاجز أو تصريح أو قرار من سلطات الاحتلال.
لذلك لا تسألوا فقط:
أين تقع المستوطنات؟
ولا أين رُسمت الحدود؟
اقلبوا الخريطة واسألوا:
أين بقي الفلسطيني قادرا على الحركة والوصول إلى أرضه ومدينته وبحره ومكان عبادته من دون أن يملك الاحتلال قرار منعه؟
عندها فقط…
ستظهر الخريطة الحقيقية لفلسطين.