جاري التحميل...

جهاد محمود العالول … حين يتحول وجع الأب إلى عهد للوطن

 

بقلم : م.محمد علي العايدي

ستة وعشرون عاماً مرت على غياب جهاد، الابن البكر، وما زال الغياب حاضراً كأنه حدث بالأمس.

ستة وعشرون عاماً لم تستطع أن تأخذ جهاد من قلب أبيه، ولم تستطع أن تطفئ صورته في الذاكرة، ولم تستطع أن تجعل الشهيد مجرد ذكرى عابرة في سجل طويل من الشهداء.

في كلمات محمود العالول، أبو جهاد، في ذكرى نجله، لا نقرأ فقط وجع أب فقد ابنه. نقرأ وجع وطنٍ بأكمله.

فحين يقول: «ألوذ إليك كلما ازدادت الضغوط»، يصبح جهاد أكثر من ابن غائب؛ يصبح ملاذاً للذاكرة، وشاهداً على زمنٍ كانت فيه الأحلام أوضح، والتضحيات أثقل، والإيمان بفلسطين لا يحتاج إلى كثير من التبرير.

لكن اللافت في كلمات أبي جهاد أنه لا يسمح للذكرى أن تتحول إلى بكاء على الماضي.

إنه ينظر إلى جهاد، ومن خلاله إلى كل الشهداء، ثم ينظر إلى فلسطين اليوم ويسأل السؤال الأصعب:

ماذا فعلنا بالأحلام التي استشهدتم من أجلها؟

هنا يتحول الرثاء إلى مراجعة.

ويتجاوز وجع الأب حدود الخاص ليصبح وجعاً وطنياً عاماً. فالوطن، كما يصف أبو جهاد، يمر بمرحلة قاسية؛ دم فلسطيني يُستباح في غزة والقدس والضفة وفي الداخل، وحصار وضغوط وتواطؤ دولي، وحصار يشارك به الاشقاء . في الوقت الذي تتراكم فيه عوامل الضعف الداخلي.

والأكثر قسوة أن الرجل لا يكتفي بتحميل الاحتلال والعالم مسؤولية ما وصلنا إليه، بل يذهب إلى المنطقة الأكثر حساسية: نحن أيضاً مطالبون بأن ننظر إلى أخطائنا في المرآة.

سوء الأداء، الفرقة، الابتعاد عن الناس، عدم مصارحتهم، وإهمال قضاياهم، ليست تفاصيل هامشية في حياة شعب يخوض معركة طويلة من أجل حريته.

إنها جراح داخلية لا تقل خطورة عن الضغوط الخارجية.

ولهذا تبدو عبارة أبي جهاد عن شعوره بالتعب من «المكوث بالمكان الخطأ والتعايش مع ما هو متاح وليس ما هو مرغوب» أكثر من مجرد شكوى.

إنها صرخة من داخل التجربة الوطنية نفسها.

 

صرخة تقول إن الاعتياد على الخطأ لا يحوله إلى صواب، وإن التعايش مع الواقع لا يعني القبول به، وإن الصمت الطويل لا يصنع مستقبلاً أفضل.

ومن هنا يأتي المعنى الأهم في رسالته:

اتخاذ الموقف أصبح فرض عين.

الموقف هنا ليس خصومة شخصية، ولا تصفية حسابات، ولا بحثاً عن صراع جديد.

إنه موقف دفاعاً عن أحلام الشهداء.

موقف دفاعاً عن شعب يريد الحرية.

موقف دفاعاً عن حركة وطنية يؤمن أبو جهاد بأن لديها من القيم والمثل ما يكفي لكي تستعيد نفسها إذا عادت إلى جذورها، واستعادت بوصلتها، وراجعت تجربتها بصدق، واستردت علاقتها بالناس.

وهذه ربما هي الرسالة الأعمق في ذكرى جهاد.

أن الوفاء للشهيد لا يكون بإحياء ذكراه مرة كل عام، ولا بوضع صورته على الجدران، ولا بكلمات الرثاء وحدها.

الوفاء الحقيقي أن نبقى أوفياء للحلم الذي رحل من أجله.

أن نحمي الفكرة من التآكل.

أن نواجه الخلل بدل أن نخفيه.

أن نعيد الاعتبار للإنسان الفلسطيني وقضيته وهمومه.

أن نرفض أن يصبح الانقسام قدراً، أو التراجع أسلوب حياة، أو اليأس موقفاً سياسياً.

لقد مضى جهاد، لكنه ترك لأبيه ولنا جميعاً سؤالاً لا يموت:

هل نستحق تضحيات الشهداء إذا فقدنا القدرة على الحلم؟

وأبو جهاد يجيب من بين ألمه:

لا، لن نفقد الأمل.

وهذه ليست عبارة للمواساة.

إنها موقف.

فالأمل هنا ليس انتظاراً ساذجاً لما سيأتي، وإنما إرادة في مواجهة واقع يريد للفلسطيني أن يعتاد الهزيمة، وأن يرضى بالقليل، وأن ينسى لماذا دفع الشهداء حياتهم ثمناً.

ولهذا فإن أجمل ما في كلمات أبو جهاد أنها، رغم ثقل الفقد، لا تنتهي عند القبر.

تنتهي بالمستقبل.

«من أجل أحلامكم لن نفقد الأمل، وأنا واثق بأن أجمل الأيام هي التي لم تأتِ بعد.»

يا جهاد…

بعد ستة وعشرين عاماً، ما زال اسمك حاضراً.

وما زال أبوك يراك في لحظات التعب، ويستمد من ذكراك القدرة على الوقوف.

وما زالت فلسطين، رغم كل ما أصابها، تبحث عن طريقها إلى ذلك المستقبل الذي حلمتم به.

قد يتغير الواقع.

قد تشتد الضغوط.

قد تتعثر المسيرة.

وقد يخطئ من يحملون المسؤولية.

لكن الفكرة التي ولدت من وجع هذا الشعب لا تموت.

والعزيمة التي صنعتها تضحيات الشهداء لا ينبغي أن تلين.

 

ستة وعشرون عاماً على الغياب…
لكن الحلم لم يغب.
وجهاد لم يغب.
وفلسطين لم تقل كلمتها الأخيرة بعد.

ولعل أصدق عهد يمكن أن يقال للشهيد في ذكراه:

لن ننسى… ولن نيأس… ولن نترك أحلامكم وحيدة.

فربما، كما قال أبو جهاد،
أجمل الأيام هي التي لم تأتِ بعد.