جاري التحميل...

العقل الفعّال المنتصر على المرض: من قوة الروح إلى تجدد المعنى

د.صالح الشقباوي

ليس الإنسان مجرد جسد يتحرك في العالم، وإنما هو كائن مركب من جسد وعقل وروح ووعي. ولذلك فإن المرض لا ينبغي أن يُفهم فقط بوصفه اعتلالاً يصيب الجسد، بل يمكن أن يمسّ أيضاً العقل والوجدان والإرادة. ومن هنا يبدأ السؤال الفلسفي: هل يستطيع العقل أن يكون أداةً لعلاج ذاته؟ وهل يستطيع الفكر أن يصبح وسيلةً لعلاج المفكر؟
أعتقد أن داخل الإنسان قوة روحية كامنة قد تكون، في لحظات معينة، أقوى بكثير من القوى المادية التي يمارسها الجسد. وهذه القوة لا تظهر تلقائياً دائماً، بل تحتاج إلى تدريب وممارسة وإلى إيمان داخلي عميق. فالإنسان يستطيع أن يخضع بعض آليات الجسد لإرادته ووعيه، وأن يجعل الجسد يستجيب لمتطلبات الروح.
وهنا نستطيع أن نستحضر بعض التقاليد الفلسفية والروحية في الهند، حيث ظهرت ممارسات اليوغا باعتبارها طريقاً إلى ضبط الجسد وتهذيب الرغبات وتوجيه الانتباه. وفي بعض التصورات الهندية، يصبح الموت لحظة تحرر للروح من قيود الجسد، ولذلك ارتبطت طقوس حرق الجسد بفكرة عودة عناصره إلى الطبيعة.
لكن هذه التصورات لا ينبغي أن تُفهم بوصفها حقيقة واحدة تنطبق على جميع البشر؛ فالاختلاف بين المذاهب الفلسفية والدينية والنفسية جزء أصيل من التجربة الإنسانية.
فالاختلاف، في نظري، ليس عيباً في الوجود، بل هو جوهر السيرورة والتطور والبقاء.
وهنا أجد نفسي قريباً من الروح الجدلية عند غاستون باشلار، ومن فكرة أن المعرفة لا تتقدم بالسكون، وإنما بتجاوز نفسها باستمرار. فالتغيير يحتاج إلى تغيير، والفكر الحقيقي هو الفكر القادر على مراجعة أدواته ومفاهيمه ومناهجه.
ومن هذه الزاوية نستعيد قول هيرقليطس:
«لا يمكنك أن تنزل في النهر نفسه مرتين».
فالنهر يتغير، والماء يتجدد، والإنسان الذي ينزل إليه ليس هو الإنسان نفسه تماماً؛ لأن الزمن غيّر كليهما. ومع ذلك يبقى النهر نهراً، ويظل الإنسان محتفظاً باستمرارية ما وسط التغير.
وهنا تظهر مفارقة جميلة: كيف يستطيع الإنسان أن يحافظ على توازنه الداخلي في عالم لا يعرف الثبات؟
الجواب، بالنسبة إليّ، هو: بخلق معنى متجدد باستمرار.
فالإنسان مثل النهر؛ يتغير لكنه لا يفقد بالضرورة هويته. يجدد نفسه، ويعيد بناء ذاته، ويمنح وجوده معاني جديدة. ولذلك فإن الاستقرار الحقيقي ليس توقفاً عن الحركة، بل قدرة على الحفاظ على مركز داخلي ثابت وسط عالم متغير.
وهذا المركز بالنسبة إليّ يقوم أولاً على الإيمان بالله، وثانياً على اليقين بالذات والثقة بقدرات الإنسان، وثالثاً على الإيمان بأن الإنسان يستطيع أن يجعل حياته ذات قيمة من خلال العمل والإبداع وخدمة الآخرين والإيمان بقضية يعيش من أجلها.
فالإنسان لا يعيش فقط لأنه موجود، وإنما يعيش عندما يجد سبباً لوجوده.
ومن هنا تصبح الفكرة ذات قيمة بقدر ما تخدم الإنسان والإنسانية. فالفكر المنتج ليس الفكر الذي يراكم المفاهيم فقط، وإنما الفكر الذي يستطيع أن يمنح الإنسان قدرة أكبر على الفهم، والمقاومة، والتجاوز، وصناعة المعنى.
وهذا يقودنا إلى حقيقة أخرى: الإنسان كائن اجتماعي، ولذلك لا يمكن فصله عن بيئته وعن الآخرين. كل ظاهرة إنسانية تحتاج إلى منهجها المناسب؛ فالتاريخ يحتاج إلى المنهج التاريخي، والظواهر الاجتماعية تحتاج إلى التحليل السوسيولوجي، والأسئلة المتعلقة بالمعرفة تحتاج إلى المنهج الإبستيمولوجي، والظواهر النفسية تحتاج إلى أدواتها الخاصة.
لا توجد طريقة واحدة لقراءة الوجود، لأن الوجود نفسه متعدد ومتحرك ومفتوح.
وفي النهاية، ربما تكون الحكمة الأكثر بساطة هي أن ندرك أن الإنسان كائن من زوال إلى زوال. لا يأخذ معه ثروته، ولا جسده، ولا ممتلكاته. ولذلك ليس المطلوب أن يبحث الإنسان عن «الكثير» في هذا الوجود، وإنما أن يبحث عن المعنى.
فما يبقى ليس بالضرورة ما نملكه، بل ما نتركه في عقول الآخرين وقلوبهم وفي مسار الإنسانية.
وهكذا يصبح العقل الفعّال قادراً على مواجهة الألم، ويصبح الفكر وسيلة لتحرير المفكر من أسر اليأس، وتصبح الروح مصدراً للقوة، ويصبح الإيمان بالمعنى طريقاً إلى الاستمرار.
فالانتصار الحقيقي ليس أن نهزم المرض فقط، وإنما أن نمنع المرض من أن يهزم معنى وجودنا.
— د. صالح الشقباوي
باحث في الفلسفة وعلم الاجتماع