تقدير موقف في الانتخابات التشريعية الفلسطينية
بقلم: محمد التاج
بعد عشرين عاما من آخر انتخابات تشريعية فلسطينية، حدد يوم 28 نوفمبر/تشرين الثاني موعدا لانتخابات جديدة.
المرسوم صدر. لجنة الانتخابات تعمل. باب الترشح مفتوح. والقوائم بدأت تتشكل.
لكن السؤال الذي يشغلني اليوم ليس: من سيفوز؟
هناك سؤال يسبقه:
هل ستجري الانتخابات أصلا؟
لا أطرح هذا السؤال تشكيكا في الانتخابات قبل أن تبدأ، ولا لأنني أملك معلومة تقول إنها ستؤجل.
أطرحه لأننا جربنا ذلك من قبل.
في عام 2021 قطع الفلسطينيون شوطا طويلا في الاستعداد للانتخابات، ثم توقفت العملية قبل الوصول إلى الصندوق.
واليوم، رغم اختلاف الظروف، ما زالت هناك ملفات ثقيلة: القدس، وغزة، والإجراءات الإسرائيلية في الضفة الغربية، وقدرة المرشحين والقوائم على خوض حملة انتخابية حقيقية في واقع لا يشبه أي واقع انتخابي طبيعي.
وفي المقابل، لا بد من قول الحقيقة الأخرى أيضا.
حتى اليوم، الأول من أكتوبر/تشرين الأول، لا يوجد قرار رسمي بتأجيل الانتخابات.
لجنة الانتخابات مددت فترة الترشح حتى 13 أكتوبر، لكنها أكدت أن موعد الاقتراع سيبقى في 28 نوفمبر وأنها مستمرة في تنفيذ الجدول الانتخابي. والانتخابات مقررة على 132 مقعدا وبنسبة حسم تبلغ 1%.
إذن، الانتخابات تسير.
لكنها، في تقديري، لم تصل بعد إلى نقطة اللاعودة.
القاهرة دخلت على الخط
هناك عامل جديد لا يمكن تجاهله.
هناك تحرك لعقد حوار وطني فلسطيني شامل برعاية مصرية، وفتح أعلنت أنها ستذهب إلى الحوار دون شروط مسبقة وأنها ستلتزم بما يتم التوافق عليه، سواء كان المضي في الانتخابات أو تأجيلها.
كما ظهرت تقارير تتحدث عن أن مسألة التأجيل أصبحت جزءا من النقاش السياسي الجاري، من دون أن يصدر حتى الآن قرار رسمي بهذا الشأن.
وهنا تتغير القراءة.
فمصير الانتخابات لم يعد موجودا فقط في جدول لجنة الانتخابات.
أصبح موجودا أيضا على طاولة السياسة.
وهذا يقودني إلى السؤال الأكثر حساسية.
ماذا لو قالت الأرقام شيئا لا تريده فتح؟
بعد إغلاق باب الترشح وظهور القوائم النهائية، ستصبح الصورة أوضح بكثير أمام قيادة فتح والرئيس محمود عباس.
من تحالف مع من؟
أين يقف مروان البرغوثي؟
كم قائمة تستطيع جذب أصوات من البيئة الفتحاوية؟
وما الحجم الحقيقي للتحالف المقابل؟
عندها ستصبح استطلاعات الرأي أكثر أهمية، لأن الناخب لن يُسأل عن قوائم افتراضية، بل عن خيارات موجودة أمامه فعلا.
إذا أظهرت القراءة أن فتح أمام نتيجة تراها قيادتها مقبولة، فهذه معادلة سياسية.
أما إذا أظهرت أنها أمام خسارة جزء كبير من تمثيلها، فهذه معادلة أخرى.
وهنا يصبح السؤال مشروعا:
هل تؤثر قراءة النتائج المحتملة في قرار الاستمرار بالانتخابات؟
لا أملك دليلا يقول إن الرئيس محمود عباس سيؤجل الانتخابات إذا لم تعجبه الأرقام، ولذلك لن أنسب إليه هذه النية.
لكنني أيضا لا أعتقد أن تقدير موقف جديا يستطيع إخراج الحسابات الانتخابية من حسابات القوى السياسية صاحبة القرار.
خصوصا أن العقبات التي يمكن أن تقود إلى التأجيل موجودة بالفعل.
القدس.
غزة.
الإجراءات الإسرائيلية.
الحوار الوطني الذي لم يُستكمل.
وغياب التوافق الكامل بين القوى الفلسطينية.
وكل واحدة من هذه القضايا مشكلة حقيقية بذاتها، وليست ذريعة مصطنعة.
وهنا تحديدا تكمن صعوبة القراءة:
إذا حدث التأجيل، فكيف سنعرف أين انتهى العائق الحقيقي وأين بدأت الحسابات السياسية؟
لهذا أعتقد أن الاختبار الفعلي لمصير الانتخابات سيبدأ عندما تظهر القوائم وتصبح النتيجة المحتملة أكثر قابلية للقراءة.
فتح قد تنافس جزءا من نفسها
من يقرأ انتخابات 2026 باعتبارها نسخة جديدة من انتخابات 2006، أي فتح في مواجهة حماس، سيخطئ.
عشرون عاما مرت.
فتح تغيرت. وحماس تغيرت. والمجتمع الفلسطيني نفسه تغير.
دخلت غزة حربا مدمرة، وتغير واقع الضفة، وتعمق الانقسام، وتراجعت الثقة بالقوى والمؤسسات السياسية.
والأهم أن المنافسة لم تعد تمر فقط بين فتح وحماس.
يجري تشكيل تحالف انتخابي غير مألوف يضم حماس والجهاد الإسلامي ومحمد دحلان، ويتجه نحو قائمة وطنية أوسع تضم مستقلين.
وفي الجهة الأخرى، هناك شخصيات وتيارات خرجت أصلا من البيت الفتحاوي.
محمد دحلان خرج من فتح.
ناصر القدوة خرج من فتح.
ثم هناك مروان البرغوثي، الذي ما زال داخل الحركة، لكن مجرد احتمال وجود قائمة مرتبطة به يغير الحسابات.
لهذا قد لا تكون أخطر منافسة تواجه القائمة الرسمية لفتح آتية من حماس وحدها.
قد يأتي جزء منها من جمهور فتح نفسه.
كم تحصل فتح؟
لو وضعت رقما واحدا الآن، فسأكون أضلل القارئ أكثر مما أساعده.
في استطلاع أغسطس/آب 2026 للمركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية، حصلت فتح في سيناريو القوائم التقليدية على 32% بين الناخبين المرجح مشاركتهم، مقابل 29% لحماس.
لكن الصورة تغيرت جذريا عندما تغيرت القوائم المفترضة.
في سيناريو وجود قائمة مرتبطة بمروان البرغوثي، حصلت هذه القائمة على 33%، بينما هبطت القائمة الرسمية لفتح إلى 14%.
وفي سيناريو دخول محمد دحلان بقائمة منفصلة، حصلت قائمته على 17% مقابل 16% لفتح الرسمية.
وعندما اختبرت قائمة معارضة وطنية وإسلامية موحدة، حصلت على 22% مقابل 22% لفتح الرسمية.
لا تعني هذه الأرقام أن فتح ستحصل على 14% أو 16%.
كما لا تعني أنها ستأخذ 32%.
إنها تقول شيئًا أهم:
نسبة فتح لا تتوقف على شعبية فتح وحدها، بل على شكل الورقة التي ستوضع أمام ناخبيها.
فالناخب الذي يختار فتح عندما تكون المنافسة بينها وبين حماس قد يتصرف بطريقة مختلفة إذا وجد أمامه قائمة مرتبطة بمروان البرغوثي، أو شخصيات فتحاوية سابقة، أو تحالفا أوسع لا يقدم نفسه باعتباره قائمة لحماس وحدها.
لهذا لا أضع اليوم رقما نهائيا لفتح.
السؤال الذي أضعه هو:
كم من جمهور فتح سيبقى مع قائمتها الرسمية عندما تصبح جميع البدائل معروفة؟
مروان البرغوثي… المتغير الذي لا يمكن تجاهله
لا نعرف حتى الآن أنه سيقود قائمة مستقلة، ولا يجوز أن نفترض ذلك.
لكن استطلاعات الرأي تكشف أن وجود قائمة مرتبطة به قادر على إعادة توزيع الأصوات بقوة.
وحين يعطي سيناريو استطلاعي مثل هذه القائمة 33% مقابل 14% للقائمة الرسمية لفتح، فنحن لا نتحدث عن اسم إضافي على ورقة الاقتراع، بل عن متغير يمكن أن يعيد تشكيل المنافسة نفسها.
لذلك فإن موقف البرغوثي قبل إغلاق باب الترشح سيكون واحدا من أهم مفاتيح قراءة المشهد.
وجود قائمة مرتبطة به شيء.
وعدم وجودها شيء آخر تماما.
واليسار… أين يقف؟
وسط الحديث عن فتح وحماس ودحلان والبرغوثي، لا ينبغي إسقاط القوى الأخرى من الحساب.
الجبهة الشعبية، والجبهة الديمقراطية، وحزب الشعب، والمبادرة الوطنية، وقوى وشخصيات مستقلة، كلها جزء من الخريطة الانتخابية.
ولا يصح أن أفترض منذ الآن حجم ما ستحصل عليه أي منها قبل معرفة شكل القوائم والتحالفات التي ستدخل بها.
لكن نسبة الحسم البالغة 1% تجعل أصوات القوى الأصغر ذات أهمية، ليس فقط في قدرتها على الوصول إلى المجلس، بل أيضا في شكل التحالفات التي يمكن أن تتكون داخله بعد الانتخابات.
وقد تصبح عدة مقاعد موزعة بين قوى أصغر ذات وزن سياسي أكبر من حجمها العددي إذا خرج المجلس من دون كتلة قادرة وحدها على تشكيل أغلبية.
وهذا احتمال ينبغي أخذه في الاعتبار عند قراءة تركيبة المجلس، لا عند محاولة إعلان فائز مسبقا.
وهناك فلسطيني لا يريد فتح ولا حماس
وهذا جزء لا يأخذ حقه في النقاش.
في استطلاع أغسطس، قال 24% إنهم يؤيدون فتح و24% حماس، فيما ذهب آخرون إلى قوى ثالثة أو قالوا إنهم لا يؤيدون أيا منها أو لم يحددوا موقفهم.
وعند سؤال الناخبين المرجح مشاركتهم في سيناريو القوائم التقليدية، بقي 21% دون قرار.
هذه ليست كتلة هامشية.
بعد عشرين عاما من الانقسام ومن دون انتخابات تشريعية، وبعد كل ما جرى في غزة والضفة، لا يمكن افتراض أن الفلسطيني سيذهب إلى الصندوق حاملا الاصطفافات نفسها التي حملها عام 2006.
قد يمتنع.
قد يذهب إلى المستقلين أو اليسار.
وقد يعود في اللحظة الأخيرة إلى إحدى القوتين الكبيرتين.
لا نعرف.
لكن تجاهل هذه الكتلة يجعل أي تقدير للنتائج ناقصا.
لماذا 13 أكتوبر؟
لأن باب الترشح يغلق في ذلك اليوم.
بعده ستتحول الأحاديث إلى أسماء، والأسماء إلى قوائم، والقوائم إلى أرقام يمكن قياسها.
سنعرف الشكل النهائي لتحالفات القوى الرئيسية.
وسيتضح موقف مروان البرغوثي أكثر.
وسنعرف كيف يدخل اليسار والمستقلون.
وعندها يصبح من الممكن بناء سيناريوهات أكثر دقة لتوزيع الأصوات والمقاعد الـ132.
لكن أهمية ذلك اليوم ليست انتخابية فقط.
إنها سياسية أيضا.
لأن القوى صاحبة القرار ستقرأ الأرقام مثلما سنقرأها نحن.
وهنا أعود إلى السؤال الذي بدأت منه.
حتى الأول من أكتوبر، العملية الانتخابية تسير، ولا يوجد قرار رسمي بتأجيلها.
وفي الوقت نفسه، هناك حوار وطني مرتقب، وعقبات حقيقية تتعلق بالقدس وغزة والاحتلال، ونقاش سياسي حول مستقبل الانتخابات، بينما لم تظهر بعد الصورة النهائية للقوائم.
لهذا فإن تقديري للموقف اليوم هو أن الانتخابات دخلت مسارا جديا، لكنها لم تصل بعد إلى نقطة اللاعودة.
وقد يكون الاختبار الحقيقي ليس ما إذا كانت لجنة الانتخابات قادرة على تجهيز صناديق الاقتراع في 28 نوفمبر.
بل ما يحدث قبل ذلك.
عندما تُغلق القوائم، وتُقرأ استطلاعات الرأي، ويعرف كل طرف تقريبا ما الذي قد ينتظره داخل الصندوق.
عندها سنعرف إن كانت السياسة ستقود الفلسطينيين إلى صناديق الاقتراع…
أم أن حسابات الصندوق ستعيد السياسة إلى البحث عن طريق آخر