المطران عطاالله حنا
لقد ودّعت كنيستنا الأرثوذكسية خلال أقل من شهر علمين بارزين من أعلامها وخدّامها وكهنتها.
إنه الأرشمندريت خريسوستموس، رئيس دير القديس جراسيموس الناسك بالقرب من نهر الأردن، وهو الدير الذي يُسمّى باللغة الشعبية «دير حجلة»، وكذلك قدس الأرشمندريت يوستينوس، رئيس دير بئر يعقوب في نابلس.
وقبل هذا بفترة وجيزة، ودّعنا عَلَماً آخر من أعلام كنيستنا، وهو المطوّب الذكر الأرشمندريت إيلاريون، الذي كان رئيساً لدير التجلي على جبل طابور لأكثر من خمسين عاماً.
ثلاثة آباء أجلاء من خدّام الكنيسة ورؤساء الأديرة ودّعناهم، وكان رحيلهم قد ترك فراغاً كبيراً.
نذكر هؤلاء الآباء من منطلق الوفاء والعرفان لتضحياتهم، ولما قدّموه للكنيسة وللأديرة التي كانوا يرأسونها.
كانوا مدرستا في الروحانية الأرثوذكسية، وفي الخدمة والعطاء والانتماء للكنيسة وللأرض المقدسة، هذه الأرض المباركة التي تُشكّل أديرتها وأماكنها المقدسة خير شاهد على قدسيتها ورسالتها وأهميتها.
ففي الوقت الذي كان فيه هؤلاء الآباء يعيشون حياتهم الروحية، كانوا في الوقت نفسه يعبّرون وبشكل عملي عن التصاقهم بهذه الأرض وتشبّثهم بكل حبة تراب فيها.
أذكر لقاءي الأخير مع الأرشمندريت خريسوستموس، حيث قال لي: «إنني وُلدت في اليونان، ولكنني أشعر أنني فلسطيني، أنتمي إلى هذه الأرض وإلى شعبها المظلوم». والقول ذاته كان يردّده الأب يوستينوس في نابلس، الذي كان يعتبر نفسه فلسطينياً ونابلسياً، مفتخراً بانتمائه إلى أرض مقدسة ومباركة.
لا يجوز أن ننسى هؤلاء الآباء القديسين الذين أفنوا حياتهم في الخدمة والعطاء، مع تأكيدنا أن الكمال لله وحده، ولكن هؤلاء الآباء جاهدوا الجهاد الحسن وحافظوا على الأمانة، ومن واجبنا جميعاً أن نكون أوفياء لهذه التضحيات ولهذه الجهود التي بُذلت في ظروف في غاية الصعوبة والتعقيد.
أبونا يوستينوس قال لي في إحدى لقاءاتنا: «إنني أصلّي من كل قلبي لكي تنعم هذه الأرض بسلام حقيقي طال انتظاره». وهؤلاء الآباء الذين رحلوا إلى الأخدار السماوية سوف يكونون خير شفعاء ومصلّين من أجل أرض خدموها، ويعرفون جيداً معاناة وآلام شعبها وإنسانها الذي يستحق الحياة، ويستحق أن ينعم بالحرية والكرامة والأمن والأمان والسلام.
إن شجرة الزيتون في بلادنا ارتبطت تاريخياً وثقافياً بهذه الأرض، وهي ترمز إلى السلام، لكن جذورها العميقة في تربة هذه الأرض إنما تشير أيضاً إلى أن الإنسان الفلسطيني جذوره عميقة في أرضه وفي وطنه، ولن تتمكن أي قوة غاشمة من النيل من عزيمته وإرادته وصموده وثباته.
لقد علّمنا الآباء الثلاثة الذين ذكرت أسماءهم في مستهل مقالتي محبة الأرض ومحبة شجرة الزيتون والاعتناء بها، وبعد ذلك قطف ثمارها، وهي بركة من لدن الرب.
علّمونا أن محبة الكنيسة تعني محبة الإنسان، كل إنسان، أياً كان دينه وأياً كان معتقده، وعلّمونا أيضاً محبة الطبيعة والبيئة التي خلقها الله من أجل الإنسان.
اليوم شجرة الزيتون مستهدفة في فلسطين، والمستوطنون يعتدون على شجرة الزيتون، فتارة نراهم يحطّمونها ويقتلعونها، وتارة أخرى نراهم يسرقون ثمارها، وكأنهم يريدون أن يكون الفلسطيني محروماً من ثمرة تُعتبر بركة كبيرة في هذه الأرض المباركة والمقدسة.
أولئك الذين يعتدون على شجرة الزيتون في الضفة الغربية هم ذاتهم الذين يعتدون على الإنسان الفلسطيني، ومن يقول «لا» للاحتلال وممارساته إنما هو مرشّح لأن يوصف بأنه إرهابي ومعادٍ للسامية وحتى للإنسانية.
نحن كمسيحيين ننتمي إلى كنيستنا وإنجيلنا وقيمنا، ولا يجوز لنا أن نخاف أو أن نتردد في الدفاع عن الإنسان المظلوم. وفي فلسطين، شجرة الزيتون مظلومة أيضاً، فهي مستهدفة، وكأن المعتدين يريدون أن يقتلوا السلام ويقتلعوا الإنسان الفلسطيني من أصالته وجذوره وحضوره.
لسنا معادين للسامية، ولسنا معادين لأي دين أو قومية أو إثنية أو خلفية ثقافية، فنحن نعتبر البشر جميعاً خلائق الله، وكلهم يستحقون الحياة، وشجرة الزيتون في ديارنا تستحق الحياة أيضاً، لكي يقطف الفلسطينيون ثمارها، ولكي تبقى كل قطرة زيت من هذه الأرض حاملة للبركة.
الحجاج والزوار الذين يأتون إلى الأرض المقدسة لزيارة مقدساتها يطلبون منا دوماً قليلاً من الزيت، حتى ولو قارورة صغيرة، لكي يأخذوها إلى بلدانهم كبركة من أرض عاش فيها السيد المسيح وقديسوه، وهي أرض تباركت وتقدّست بالنعم الإلهية والأعمال الخلاصية.
يريدون للفلسطيني أن يكون محروماً من هذه البركة، ولكي لا يكون قادراً على إعطائها لغيره، وما أكثر الجرائم المروعة والممارسات الظالمة التي تستهدف الإنسان الفلسطيني في غزة وفي الضفة الغربية.
فالضفة الغربية تحوّلت إلى سجن كبير، والبوابات الحديدية تقف بالمرصاد لكل إنسان فلسطيني يريد أن ينتقل من مكان إلى مكان.
الاحتلال ممعن في همجيته وعدوانيته بحق الإنسان الفلسطيني، فالاعتقالات على مدار الساعة، والاعتداءات على الأراضي الفلسطينية مستمرة و متواصلة، حيث إن المستوطنين يسرحون ويمرحون، وهم يستهدفون الإنسان الفلسطيني في كافة تفاصيل حياته.
ولكن المصيبة الأكبر هي أن هنالك من يجرّمون من يتحدثون عن معاناة الإنسان الفلسطيني، في حين أن الحديث عن معاناة شعبنا وآلامه وأحزانه إنما هو واجب إنساني وأخلاقي وروحي بالدرجة الأولى.
هنالك ملاحقات ممنهجة لكل من يقول كلمة حق في هذا الزمن الرديء، وهنالك تآمر ليس فقط على القضية الفلسطينية، بل على كل من يجاهر بعدالة هذه القضية ويدافع عنها.
ولكن، ومن وحي تضحيات آبائنا ومواقفهم، نقول إن لكل ظلم في هذا العالم بداية ولكل ظلم نهاية. فقد كان أبونا يوستينوس في نابلس، وفي ساعاته الأخيرة، يصلّي من أجل هذه الأرض، وهو الذي شاهد بأم العين ما يتعرض له الفلسطينيون، فعاش معهم آلامهم وأحزانهم ومعاناتهم.
لا نؤمن بالحروب، ونرفض مظاهر الإرهاب حيثما كانت وأينما وجدت، ونعتقد بأن الإنسان الفلسطيني إنسان خلقه الله كما خلق كل إنسان في هذا العالم، وهو يستحق أن يعيش آمناً حراً في وطنه وفي أرضه المقدسة.
لا نؤمن بشعب الله المختار، فكل الشعوب مختارة، وكل الشعوب مدعوّة لكي تعيش في سلام وهناء. فالحياة البشرية هي نعمة إلهية حباها الله للإنسان، ومن يحجب الحياة عن الإنسان إنما يعتدي على الإرادة الإلهية.
كم نحن بحاجة إلى السلام في هذه الأرض هذا السلام الذي يقتله المستوطنون بعنصريتهم وهمجيتهم.
ما أحوجنا في هذه الأرض إلى العدالة، لكي ينعم كل إنسان بالسلام الذي يستحقه.
فلا يوجد هنالك شعب يستحق الحياة وشعب يستحق الموت، فكل الشعوب تستحق الحياة، وكل إنسان يستحق الحياة.
لقد انتقل آباؤنا المطوّبو الذكر، الأرشمندريت يوستينوس والأرشمندريت خريسوستموس والأرشمندريت إيلاريون ، إلى الأخدار السماوية، فكم نحن بحاجة إلى صلواتهم وأدعيتهم من أجل هذه الأرض التي تنزف دماً، لكي يتوقف نزيفها، ومن أجل هذا الشعب المظلوم لكي تتوقف معاناته وآلامه وأحزانه ودموع أمهاته.
يارب، ارأف بإنسان هذه الأرض أمام هذا الكم الهائل من القساوة ومشاهد الدمار والحروب والممارسات العنصرية التي لا حدود لها.
يارب، تحنّن على هذه الأرض، وهي أرض السلام، لكي يعود إليها سلامها المغيّب، ولكي يعيش إنسانها بحرية وعدالة وأمن وأمان.
يارب السلام، أعطِ أرضنا السلام.
المطران عطاالله حنا
رئيس أساقفة سبسطية للروم الأرثوذكس
القدس، 2 تشرين الأول 2026