جاري التحميل...

قراءة نقدية في التفاوت الاجتماعي واستعادة المعنى السياسي للعدالة

 

بقلم: عماد خالد رحمة ـ برلين

ليست المواطنة مجرد رابطة قانونية تصل الفرد بالدولة، ولا وثيقة رسمية تثبت الانتماء إلى وطن؛ إنها، في جوهرها، عقد أخلاقي وسياسي يقوم على تكافؤ الحقوق، وتكافؤ الفرص، وصون الكرامة الإنسانية، وضمان المشاركة الفعلية في صناعة القرار العام. غير أن هذا المفهوم يفقد مضمونه حين تتسع الفجوة بين ما تقرّه القوانين وما ينتجه الواقع، وحين تتحول الحقوق المعلنة إلى وعود مؤجلة، فيما تتوارث فئات محدودة مفاتيح الثروة والنفوذ والسلطة، وتظل قطاعات واسعة من المجتمع أسيرة الفقر والتهميش وضعف القدرة على التأثير.

من هنا، يغدو السؤال عن المواطنة سؤالًا عن العدالة ذاتها: كيف يستقيم الانتماء الوطني في مجتمع لا تتكافأ فيه الفرص، ولا تتوزع فيه الثروة بصورة منصفة، ولا تتاح فيه إمكانات المشاركة السياسية على قدم المساواة؟ وهل تكفي المساواة أمام القانون لتأسيس مواطنة حقيقية، إذا ظلت الشروط الاقتصادية والاجتماعية تعيد إنتاج التفاوت، وتمنح بعض الأفراد امتيازات لا يستندون فيها إلى الكفاءة بقدر ما يستندون إلى مواقعهم داخل منظومة النفوذ؟

إن مساءلة المواطنة تقتضي تجاوز حدود التعريفات القانونية إلى تفكيك البنى التي تعوق تحققها، والكشف عن الآليات الظاهرة والمضمرة التي تحول الحق العام إلى امتياز خاص. ومن هذا المنظور، تتقاطع الفلسفة السياسية مع علم الاجتماع والاقتصاد الأخلاقي في محاولة استعادة المعنى العميق للعدالة، بوصفها شرطًا لتكافؤ الفرص، ورافعة للتحرر من الإقصاء، وضمانة لانتقال الإنسان من موقع المتلقي للقرارات إلى موقع الشريك في صنعها.
١_ الفلسفة ورؤيتها للمواطنة التي تجاوزت النصوص

تُعرَّف المواطنة في الأدبيات السياسية والفلسفية بوصفها علاقة قانونية وأخلاقية بين الفرد والدولة، غير أنها تتجاوز حدود هذه العلاقة إلى المشاركة الفعلية في الشأن العام. ويتجلى هذا البعد في فكر جان جاك روسو، الذي ربط السيادة بإرادة المواطنين ومشاركتهم في التشريع، بما يجعل المواطن شريكًا في صياغة القوانين التي يخضع لها، لا مجرد متلقٍّ لسلطة تُمارَس باسمه.

ويفترض هذا التصور توافر قدر من المساواة الفعلية في الحقوق والفرص؛ إذ لا تكفي المساواة القانونية وحدها إذا كانت الظروف الاجتماعية والاقتصادية تحول دون ممارسة الحقوق أو الانتفاع بها.

أما حنة أرندت، فتتيح مقاربتها للفعل السياسي والمشاركة في المجال العام فهم المواطنة باعتبارها حضورًا فاعلًا للإنسان في الفضاء المشترك، وقدرةً على الكلام والفعل والتأثير. ومن هذا المنطلق، لا تُختزل المواطنة في بطاقة هوية أو اعتراف قانوني، بل تتجسد في قدرة الفرد على المشاركة في الحياة العامة، والإسهام في تحديد المصير الجماعي. فالمواطنة التي لا تتجاوز حدود الاعتراف الشكلي تظل منقوصة، ما لم تجد طريقها إلى الممارسة والفاعلية.
٢ _ ما زال الفقر عائقاًوبنيوياًأمام تحقق المواطنة

لا يعني الفقر مجرد نقص في الدخل أو العجز عن تلبية الحاجات الأساسية، بل قد يمتد إلى الحرمان من الموارد الاجتماعية والثقافية والتعليمية التي تتيح للفرد بناء موقع فاعل داخل المجتمع. وفي هذا السياق، تساعدنا مفاهيم بيير بورديو المتعلقة برؤوس الأموال الاقتصادية والاجتماعية والثقافية على فهم الكيفية التي يُعاد بها إنتاج التفاوت، وكيف تتحول الفوارق في الموارد والعلاقات والمعرفة إلى فوارق في النفوذ والقدرة على التأثير.

فالأفراد الذين يفتقرون إلى الموارد اللازمة غالبًا ما يواجهون عوائق تحول دون وصولهم إلى دوائر صنع القرار، أو تحدّ من قدرتهم على التعبير عن مصالحهم والدفاع عنها. وهكذا، قد تتحول المواطنة، رغم عموميتها القانونية، إلى تجربة متفاوتة بحسب الموقع الطبقي، فيتمتع بعض المواطنين بإمكانات واسعة لممارسة حقوقهم، بينما يعجز آخرون عن تحويل الحقوق المقررة لهم إلى واقع ملموس.

وفي الاتجاه نفسه، يربط أمارتيا سن بين الحرية والتنمية، ويرى أن التنمية لا تُقاس بزيادة الموارد وحدها، بل بتوسيع القدرات الفعلية التي تمكّن الإنسان من الاختيار والفعل وتحقيق ما يراه جديرًا بالحياة. ووفق هذا المنظور، لا تتحقق الحرية بمجرد الاعتراف بها نظريًا؛ إذ لا بد من توافر الشروط التي تجعل ممارستها ممكنة.

فكيف يستطيع مواطن أنهكه الفقر، أو حُرم من التعليم الجيد، أو انشغل بتأمين احتياجاته الأساسية، أن يمارس حقه في المشاركة السياسية على نحو متكافئ مع من يمتلكون الوقت والموارد والعلاقات؟ إن معالجة الفقر، بناءً على ذلك، ليست شأنًا اقتصاديًا فحسب، بل هي جزء أصيل من مشروع بناء المواطنة وتحريرها من القيود البنيوية