خالد المطلق
مر نحو 20 شهرًا على سقوط نظام بشار الأسد ولا يزال السؤال عن إيران معلقًا في الهواء، لكنه تغير في جوهره، إذ لم يعد الحديث يدور حول هل ستعود طهران إلى سوريا؟ بل حول الشكل الذي قد تتخذه أي عودة محتملة، والأبواب التي يمكن أن تُفتح لها من الأساس، فبعد كانون الأول 2024، تراجعت الأذرع العسكرية والفصائلية التي اعتمدت عليها إيران لعقد ونصف العقد، ووجدت دمشق نفسها في مشهد مختلف كليًا تتقاطع فيه حسابات أنقرة وواشنطن وموسكو، وحتى بعض عواصم الخليج، وأي عودة إيرانية إن حدثت لن تشبه سابقتها، فمن المرجح أن تمر عبر أبواب دبلوماسية وأمنية أضيق بكثير، أبرزها ملف مكافحة الإرهاب وضبط الحدود.
وفي قلب هذه المعادلة تقف تركيا كلاعب يصعب تجاوزه، ولا يتعلق الأمر فقط بنفوذها المباشر في الشمال السوري وعلاقتها الوثيقة بالسلطة الانتقالية، بل أيضًا بامتدادها التاريخي داخل تيارات إسلامية وعلى رأسها جماعة “الإخوان المسلمين”، التي استضافت أنقرة بعض قياداتها ومؤسساتها طوال سنوات الحرب، لكن وجود هذا الامتداد لا يعني بحال من الأحوال أن “الإخوان” يملكون مفاتيح القرار السوري، أو أن أنقرة قادرة على فرضهم كأمر واقع، فالمشهد السياسي في دمشق أكثر تشابكًا من ذلك والسلطة الانتقالية نفسها تعمل، ولو بصعوبة، على بناء مركزية أمنية وسياسية جديدة تقوم على فكرة الجيش الواحد والدولة الواحدة، وترفض من حيث المبدأ أي قوة مسلحة موازية.
من هذه الزاوية بالذات يمكن قراءة العلاقة بين “الإخوان” ومصير الملف الإيراني بصورة مختلفة عما هو متداول، فإذا اختارت تركيا احتواء الإسلاميين داخل إطار سياسي سوري رسمي بدل تركهم قوة موازية، فقد يتحول “الإخوان” تدريجيًا من أداة نفوذ إقليمي إلى مجرد تيار سياسي محلي بين تيارات أخرى، وفي المقابل، قد تجد أنقرة أن تهدئة التنافس مع طهران أجدى من فتح مواجهة مفتوحة معها خصوصًا في ملفي الحدود ومكافحة بقايا تنظيم “الدولة”، غير أن الحذر هنا واجب، إذ لا توجد حتى اللحظة أي معطيات علنية موثقة تؤكد وجود اتفاق ثلاثي سري بين تركيا وإيران و”الإخوان” يعيد طهران إلى سوريا من الباب الخلفي، وما هو قائم فعلًا أقرب إلى تقاطع مصالح متحرك يحاول فيه كل طرف تقليل خسائره وحماية موقعه، من دون وجود صفقة مكتملة الأركان.
أما إيران نفسها فستجد صعوبة حقيقية في أي عودة إذا أصرت على نموذج الميليشيات القديم، لكنها قد تملك هامشًا للحركة عبر قنوات أخرى أكثر نعومة، كالدبلوماسية والتجارة وبعض أشكال التنسيق الأمني المحدود، وملف مكافحة الإرهاب قد يكون إحدى هذه البوابات، خاصة أن قرار مجلس الأمن رقم “2178” لعام 2014 يركز أساسًا على منع تجنيد ونقل وتمويل المقاتلين الأجانب، لا على منح أي طرف تفويضًا مفتوحًا لإقصاء خصومه السياسيين أو إعادة صياغة النظام السوري بالقوة كما يروج البعض.
وبالتوازي مع هذا الملف الإقليمي، يطرح الشارع السوري سؤالًا أكثر إلحاحًا، وهو ماذا عن رموز النظام السابق ورجال أعماله؟ فثمة من يرجح أن التسويات المقبلة قد تسمح لبعضهم بالعودة لا كقادة عسكريين أو أمنيين بل كرجال أعمال مدنيين مجردين من أي سلطة رسمية، خصوصًا أن جزءًا لا يستهان به من الأصول ورؤوس الأموال الكبرى ما زال مسجلًا بأسمائهم، ومثل هذا السيناريو قد يدفع نظريًا نحو ترتيبات تقوم على توطين هذه الأموال داخل الاقتصاد الرسمي وضخها في مشاريع إعادة الإعمار، مقابل تسويات قانونية تحفظ لهم أمانهم الشخصي، وتحاول الحكومة الانتقالية بقيادة أحمد الشرع بحسب هذه القراءة الاستفادة من خطاب وطني جامع من نوع “سوريا لكل السوريين”، لتمرير اندماج نخب اقتصادية قديمة وجديدة بعيدًا عن حساسية الشارع، لكن يبقى هذا كله حتى إشعار آخر تحليلًا واحتمالًا أكثر منه معطى موثقًا بوثائق رسمية.
ويظل مستقبل “الإخوان” أنفسهم أحد المفاتيح الأساسية لفهم المرحلة المقبلة، فإذا اندمجوا فعلًا في العمل السياسي الوطني وقبلوا الخضوع للقانون فقد يصبحون مكونًا طبيعيًا ضمن التعدد السوري، أما إذا بقوا قناة نفوذ مرتبطة بالخارج فقد يتحول وجودهم إلى عقدة إضافية في علاقة دمشق بكل من أنقرة وطهران، والمفارقة أن تركيا قد تجد في احتواء إيران لا في مواجهتها مصلحة أكبر، بينما تحتاج دمشق نفسها إلى موازنة دقيقة بين النفوذين من دون أن تتحول إلى ساحة دائمة لتصفية الحسابات الإقليمية.
ختامًا السؤال الحقيقي ليس هل تعود إيران؟ بل كيف؟ ومن أي باب؟ وبأي ثمن؟ وربما تعود من السفارة لا من المعسكر ومن طاولة التفاوض لا من ساحة القتال، لكن العامل الحاسم في نهاية المطاف يبقى قدرة الدولة السورية نفسها على احتكار القرار والسلاح وإدارة تعدديتها الداخلية بثقة، فإن نجحت في ذلك فستصبح علاقاتها مع طهران وأنقرة علاقات دول بدول لا أكثر، وإن فشلت فقد تجد سوريا نفسها أمام نسخة معدلة من المعادلة القديمة حيث تتغير الوجوه بينما تبقى شبكات النفوذ أقوى من مؤسسات الدولة ذاتها.
عن عنب بلدي