صالح الشقباوي
د فلسفة
د علم اجتماع وسسيولوجيا
جامعة الجزائر
إن تحليل شخصية ياسر عباس لا ينبغي أن يبدأ من كونه نجل الرئيس محمود عباس فحسب، ولا من موقعه السياسي الحالي وحده، وإنما من السؤال الأعمق: كيف تتشكل الذات السياسية عندما تولد داخل ظل سلطة أبوية شديدة الحضور؟
ففي الحالة التي نناقشها، تبدو العائلة عنصرًا طاغيًا على عملية بناء الذات؛ إذ إن صورة ياسر عباس في المجال العام ما زالت مرتبطة بدرجة كبيرة بكونه ابن الرئيس، الأمر الذي يجعل التمييز بين الشرعية الشخصية والشرعية الموروثة مسألة مركزية في فهم مساره.
ومن الناحية الواقعية، أصبح ياسر عباس عضوًا في اللجنة المركزية لحركة فتح بعد المؤتمر العام الثامن، وتولى لاحقًا مفوضية العلاقات الخارجية في الحركة، كما ظهر في أدوار رسمية بصفته ممثلًا خاصًا للرئيس. وهذه المواقع تمنحه إطارًا مؤسسيًا حقيقيًا، لكن وجود الإطار المؤسسي لا يلغي السؤال السوسيولوجي عن مصدر رأس المال السياسي الذي سبق هذا الصعود.
أولًا: الأنا وصورة الذات
تبدو المسألة الأساسية هنا في العلاقة بين الذات الشخصية والاسم العائلي.
فالشخصية السياسية المستقلة تحتاج إلى أن تنتج لنفسها خطابًا ومشروعًا ومواقف تجعل الآخرين يرون فيها ذاتًا قائمة بذاتها. أما حين يبقى الاسم الأبوي حاضرًا في تعريف الشخصية، فإن الذات تصبح في حالة مستمرة من التفاوض مع إرث سابق عليها.
ومن هنا يظهر السؤال:
هل ياسر عباس يبني ياسر عباس السياسي، أم يعيد إنتاج صورة ابن الرئيس داخل المجال السياسي؟
هذه ليست إدانة لشخصه، وإنما سؤال عن عملية بناء الشخصية السياسية.
ثانيًا: العلاقة بالسلطة
السلطة لا تُقاس فقط بالمنصب الرسمي، وإنما أيضًا بشبكة العلاقات التي تحيط به.
وفي الحالة التي نبحثها، يمكن قراءة محاولة بناء النفوذ داخل المؤسسات الفتحاوية باعتبارها محاولة للانتقال من النفوذ الموروث إلى النفوذ الشخصي.
لكن هذه العملية تواجه اختبارًا صعبًا: فكلما كان مصدر القوة الأول هو القرب من مركز السلطة الأبوي، ازدادت الحاجة إلى إثبات أن القوة أصبحت لاحقًا ذاتية ومستقلة.
وهنا يصبح السؤال:
هل السلطة هي التي صنعت المكانة، أم أن المكانة الشخصية هي التي بدأت تصنع السلطة؟
ثالثًا: العلاقة بالقيادات والنخب
تظهر أهمية هذا البعد في علاقته بالقيادات التاريخية في حركة فتح.
فوجود شخصيات ذات تاريخ تنظيمي طويل، مثل مروان البرغوثي ومحمد دحلان و جبريل الرجوب وأبوجهاد العالول وحسين الشيخ وماجد فرج والطيراوي وغيرهم، يجعل عملية بناء النفوذ أمام ياسر عباس أكثر تعقيدًا.
فهو لا يدخل إلى ساحة فارغة، وإنما إلى ساحة تحمل ذاكرة تنظيمية وسياسية طويلة.
ولهذا فإن أي محاولة لبناء نفوذ مستقل ستواجه بالضرورة سؤال الشرعية: شرعية التاريخ التنظيمي أم شرعية القرب من مركز السلطة؟
وهنا لا بد من التمييز بين الوقائع وبين التفسير؛ فوجود خلافات أو مقاطعات لا يكفي وحده لإثبات أن سببها المباشر هو ياسر عباس، وإنما يمكن أن يكون مؤشرًا يحتاج إلى قراءة أوسع داخل بنية الصراع على النفوذ.
رابعًا: العلاقة بالأب
هنا تقع العقدة الأكثر عمقًا.
فالأب في هذه الحالة ليس مجرد أب، وإنما هو مصدر هوية رمزية وموقع سياسي وذاكرة تاريخية وشبكة علاقات واسعة.
ومن هنا يمكن أن يتحول الأب إلى ما يشبه «رأس مال سياسي موروث».
لكن هذا الرأس المال يحمل مفارقة:
إنه يمنح الابن قوة في البداية، لكنه قد يصبح عبئًا عليه عندما يحاول إثبات استقلاله.
فكلما كان الأب حاضرًا بقوة في تعريف الابن، أصبح على الابن أن يبذل جهدًا أكبر لإثبات أنه ليس مجرد امتداد للأب.
خامسًا: الاستقلال النفسي والسياسي
الشخصية السياسية المستقلة لا تعني بالضرورة مخالفة الأب أو التمرد عليه.
الاستقلال يعني أن تكون للذات قدرتها على إنتاج الرأي والقرار والمشروع.
ولهذا فإن الاختبار الحقيقي لياسر عباس لن يكون في قدرته على الوصول إلى المواقع، بل في قدرته على إنتاج شرعية خاصة به، بحيث يستطيع الآخرون أن يقولوا:
هذا ياسر عباس، وليس فقط ابن محمود عباس.
وهنا تتحول المسألة من علم النفس الفردي إلى علم اجتماع السلطة.
سادسًا: الزمن السياسي — من الماضي إلى المستقبل
وهنا نصل إلى البعد الذي أراه الأكثر فلسفية في قراءة الشخصية.
يمكن النظر إلى ياسر عباس باعتباره يحاول أن يدمج أبعاد الزمن الثلاثة: الماضي والحاضر والمستقبل.
الماضي هو إرث الأب، والحاضر هو الموقع السياسي والمؤسسي الذي يتحرك فيه، والمستقبل هو محاولة بناء ذات سياسية قادرة على الاستمرار.
لكن المشكلة أن الماضي إذا أصبح أقوى من الذات، فإنه لا يعود مجرد ذاكرة؛ بل يتحول إلى سلطة.
وهنا تظهر العبارة التي تلخص هذه الحالة:
حكم الغائب على الشاهد، وحكم الميت في الحي.
والمقصود ليس الموت البيولوجي، بل استمرار حضور الماضي في تشكيل الحاضر حتى بعد غياب صاحبه.
فقد يغيب الأب عن السلطة، لكن اسمه وإرثه وشبكة علاقاته يمكن أن تبقى حاضرة في تشكيل صورة الابن وموقعه.
ومن هنا تنشأ عقدة عباس: كيف يمكن للابن أن يرث إرث الأب دون أن يبقى أسيرًا له؟
الخاتمة: عمود المستقبل
وربما تكون الخلاصة الأهم أن ياسر عباس يحاول أن يدمج أبعاد الزمان: الماضي بالحاضر، ليخرج منهما حقيقةً أو عمودًا للمستقبل؛ عمودًا يرتكز على ماضٍ انتهى، وحاضرٍ يُبنى، لكي يعيش المستقبل عليه.
لكن هذا العمود لن يكون قويًا إلا إذا أصبح قائمًا على شرعية الذات، لا على إرث الاسم وحده.
فالماضي يمكن أن يكون أساسًا، لكنه لا يستطيع أن يكون المستقبل.
والأب يمكن أن يمنح ابنه الاسم والمكانة، لكنه لا يستطيع أن يمنحه إلى الأبد شرعية الشخصية.
ولهذا فإن السؤال الذي سيحسم صورة ياسر عباس في التاريخ السياسي الفلسطيني هو:
هل يستطيع أن يرث الماضي دون أن يصبح أسيره، وأن يعيش الحاضر دون أن يكون ظله، وأن يبني المستقبل بحيث يصبح اسمه هو المرجعية، لا اسم والده؟
فإذا نجح، يتحول الإرث من مظلة إلى جسر.
وإذا أخفق، يبقى الماضي يحكم الحاضر، ويبقى الغائب شاهدًا على الحاضر، والميت حيًا في الوريث.
وهنا بالضبط تكمن المسافة بين وراثة السلطة وبناء الذات.