بقلم: عماد خالد رحمة ـ برلين
ليست الحرية والتحرر والتحرير ألفاظًا مترادفة، وإن بدا بينها من التقارب اللغوي ما يوحي بوحدة الدلالة؛ فلكل مفهوم منها مجاله النظري، وسياقه التاريخي، ومرجعيته السياسية والاجتماعية، ووظيفته في بناء الوعي الفردي والجماعي. فالحرية، في أحد أبعادها الأساسية، تتصل بحق الفرد في تقرير إرادته وممارسة اختياراته ضمن إطار القانون والمسؤولية، بينما يحيل التحرر إلى فعل جماعي واعٍ يستهدف إزالة القيود التي تحول دون امتلاك الجماعة إرادتها واستقلالها. أما التحرير فيتصل، بصورة أوضح، بموضوع يقع عليه الفعل: أرضًا أو وطنًا أو سيادةً أو قرارًا سياسيًا.
ومن هنا تنشأ ضرورة التمييز بين هذه المفاهيم، لا من أجل الفصل المصطنع بينها، بل من أجل إدراك علاقاتها وحدودها ومسارات تفاعلها. فقد تكون الحرية حقًا تكفله الدولة، وقد يكون التحرر نضالًا اجتماعيًا أو وطنيًا من أجل بلوغ هذا الحق، بينما يأتي التحرير بوصفه ثمرةً سياسية ومادية لمسار طويل من مقاومة الهيمنة والقهر. وعليه، فإن السؤال لا يعود متعلقًا باللغة وحدها، وإنما يتصل بجوهر المشروع الإنساني: هل يمكن أن تكون هناك حرية مكتملة من دون تحرر؟ وهل يمكن أن يتحقق التحرير من دون إرادة متحررة تدفع إليه؟ وهل تكفي منظومات الحقوق القانونية إذا ظلت جماعات كاملة واقعة تحت أشكال مختلفة من السيطرة والهيمنة؟
من هذه الأسئلة تنطلق هذه القراءة في محاولة لتفكيك المفاهيم الثلاثة، والكشف عن الفوارق بينها، وعن المساحات التي تتقاطع فيها، وصولًا إلى فهم أكثر دقة للعلاقة بين الفرد والدولة، وبين المجتمع والسلطة، وبين الحرية بوصفها حقًا، والتحرر بوصفه فعلًا، والتحرير بوصفه إنجازًا تاريخياً وسياسياً.
يتجلى مفهوم الحرية في إطاره الفكري ضمن مسار تفرعه إلى مرجعيته الأساسية، ولا سيما الفكر الفلسفي الليبرالي؛ إذ يكتسب معانيه وصيغه ودلالاته من جوهر هذا الفكر. أما التحرر فهو مفهوم نشأ وتكوّن داخل مرجعية فكرية أخرى غير مرجعية الحرية؛ إذ نحا مفهوم التحرر باتجاه مرجعيات وطنية واجتماعية واشتراكية. ومن ثم، لا يمكن البحث عن جذور أحد المفهومين وأصوله في الآخر؛ لاختلاف الجذور والأصول والمنابت، ولأن كلاً منهما يقترن بإشكالية خاصة ومختلفة في السياسة والاجتماع على وجه التحديد.
ويكشف ذلك عن أن التقارب الاصطلاحي الكبير بين اللفظين، الذي قد يوحي بالتطابق والانسجام والترابط في المعنى، أو حتى بالمشابهة والمقاربة، ليس قرينةً كافية على وجود قرابة مفهومية أو دلالية واضحة بين مفهومين يسيران، في كثير من وجوههما، في طريقين متمايزين.
ومن هنا يمكننا التمييز بين الحرية والتحرر، ابتداءً من باب التحديد العام الذي ينصرف إلى بيان وضع كل منهما. فمفهوم الحرية، في هذا النوع من التحديد والتعيين، هو حالة ينبت فيها ويتولد، لدى من يصل إليها أو يبلغها، استقلال ذاتي كامل أو واسع. وهي في أصلها حالة موضوعية وعقلانية، قبل أن يكتسبها الشخص فتغدو جزءًا من وعيه الذاتي وممارسته الفردية.
أما مفهوم التحرر، بوصفه مصطلحًا، فيُستخدم لوصف مختلف الجهود الرامية إلى الحصول على الحقوق السياسية والاجتماعية، أو تحقيق المساواة، أو بلوغ الأمرين معًا. وغالبًا ما تتجه هذه الجهود إلى صالح جماعات من المواطنين المحرومين أو المهمشين، كما قد تتسع لتتناول قضايا عامة تتصل بحياة الجماعة وشروط وجودها وحقوقها وموقعها داخل المجتمع والدولة.
كما أن مفهوم التحرر يملك فاعلية ذاتية واعية وعقلانية في آن واحد، وينزاح نحو إيجابية تسعى إلى بلوغ الحالة التي أطلق عليها الفلاسفة والمفكرون اسم الحرية. غير أن هذه الفاعلية ليست فردية في جوهرها، بل هي فاعلية جماعية تقوم بها الجماعات أكثر مما يقوم بها الأفراد، ولا تكون حرية الفرد من أهدافها إلا بوصفها جزءًا من حرية اجتماعية عامة.
فالحرية، بهذا المعنى، ليست انفلاتًا من كل قيد، وإنما هي التزام واعٍ بالقوانين والضوابط التي تفرضها الحياة المشتركة والحضارة الإنسانية، والتي تتيح للإنسان أن يشق طريقه لتحقيق مشروعه. والحرية، بهذا المدلول، هي قدرة الإنسان على تحقيق غايته وتجسيد مشروع حياته، لا بالالتفاف على القوانين والأنظمة والتشريعات والأعراف، ولا بالتحايل عليها، بل باحترامها وتقديرها والوعي بوظائفها وأدوارها.
ومن أجل تحقيق الحقوق السياسية داخل الدولة، لا بد أن يكون مجالها هو الحرية؛ لأن حالة الحرية وماهيتها تتجسدان في أفراد مجتمع يناضلون من أجل التحرر وتحقيق الحرية، حتى تصبح علاقة سياسية مكتملة أو شبه مكتملة.
ونحن هنا لا نلتفت إلى المعنى الميتافيزيقي للحرية وماهيتها، أي بوصفها شعورًا داخليًا بقوة الذات واستغنائها عن غيرها، وانقطاعها عن أواصر التبعية بمحيطها الخارجي؛ فهذا الشعور، وذاك الإحساس بالامتلاء والكفاية، يصبحان وهميين متى وضع الفرد خارج ذاته، أي في نطاق العلاقات السياسية والاجتماعية.
وما يهمنا هو المعنى الذي تكتسبه الحرية داخل بيئة العلاقات السياسية والمجتمعية؛ أي ذلك المعنى الذي يجعل منها علاقة سياسية خالصة، هي، بالتعريف السياسي والعلمي، علاقة الفرد بالدولة بوصفه مواطنًا فيها، له حق عليها، وعليه حق لها. إنها علاقة ضرورة متبادلة.
والحرية، بهذا المعنى الدقيق، تصبح حقًا من حقوق المواطنة، وهو حق تضمنه الدولة وقوانينها لمواطنيها المرتبطين بها بعلاقة قانونية وسياسية. فالحرية هي أن يمارس الإنسان ما يشاء من أفعال مشروعة من دون تدخل تعسفي من الآخرين، أو فرض آرائهم عليه عنوة.
أما التحرير فيعني كسر الحواجز والقيود التي تقيد الإنسان أو تمنعه من ممارسة حياته وحقوقه بصورة طبيعية، ولا سيما القيود القمعية والظالمة التي تصادر إرادته وتحول دون تمتعه بإنسانيته. ومن هذا المنظور، يكون التحرر فعلًا يستهدف إزالة تلك القيود بما يعود بالنفع على الفرد والمجتمع معًا.
غير أن التحرر قد ينزلق، في بعض السياقات، إلى أفكار أو أفعال قادمة من الخارج، تحمل أهدافًا سياسية مضمرة، وتستخدم شعارات تحررية ظاهرها إيجابي، بينما قد تُفضي، في بعض الحالات، إلى زعزعة استقرار الدولة والمجتمع وإحداث الفوضى والخراب بدل تحقيق التحرر والعمران. ومن هنا تبرز الحاجة إلى التمييز بين التحرر بوصفه استعادةً للإنسان لقدرته على تقرير مصيره، وبين توظيف خطاب التحرر لتحقيق أهداف لا تتصل بالضرورة بهذا المعنى.
وقد يختزل بعض الأشخاص، ولا سيما في مراحل عمرية مبكرة، مفهوم التحرر في تغيير أنماط الحياة اليومية، من لباس وطعام وشراب وسلوك، أو في التخلي عن بعض المعتقدات والعادات والتقاليد. غير أن هذا الاختزال يحوّل التحرر من مفهوم سياسي واجتماعي إلى مجرد نمط سلوكي. فالتحرر، في دلالته الأعمق، يعني التخلص من القيود القمعية والحواجز الظالمة، ومن سطوة الطغيان التي تمنع الإنسان من ممارسة حياته وإنسانيته وحقوقه.
والجدير بالذكر أن قوانين الدولة وتشريعاتها لا تكفل، في الأصل، شيئًا اسمه «التحرر» بالطريقة نفسها التي تكفل بها الحرية بوصفها حقًا قانونيًا. فالتحرر يتولد من الوعي بالحاجة إلى تحقيق الحرية بوصفها حالة جماعية. والغالب على فكرة التحرر ودعوتها ومآلاتها أن تنبثق من مجال آخر هو مجال المجتمع ذاته، وأن تكون أداتها الجماعات الاجتماعية التي تعيش في كنف الدولة، مثل الشعب والطبقة والأمة والجماعة القومية الفرعية، لا الأفراد وحدهم. ومن هنا لا يدخل مفهوم التحرر بالمعنى الذي نتناوله هنا في منظومة مفاهيم الفكر السياسي الليبرالي بالصورة ذاتها التي يدخل بها مفهوم الحرية الفردية.
وتقوم النظرية الليبرالية السياسية في الفكر السياسي الغربي، في أحد أهم مرتكزاتها، على التركيز على الفرد واعتبار الدولة مؤسسةً وجدت، في جانب أساسي من وظائفها، للمحافظة على حقوق الأفراد وحرياتهم. وبناءً على ذلك، تبرز ضرورة الإشارة إلى مفهوم الليبرالية من حيث الأصل والنشأة والمنبت والمراحل التي مرت بها، والتعرف إلى أبرز المصطلحات والمفاهيم والآراء التي اعتمدت عليها، وإلى إسهامات مفكريها وفلاسفتها، وأهم المبادئ والافتراضات التي قامت عليها.
وقد اعتمدت هذه الدراسة على منهجين بحثيين مهمين: أولهما المنهج التاريخي، وثانيهما المنهج الوصفي التحليلي؛ بغية تتبع تطور النظرية الليبرالية السياسية وتأثيرها في الفكر السياسي الغربي، والكشف عن التحولات التي أحدثتها في تصور الدولة والفرد والعلاقة بينهما.
وقد أسهمت الليبرالية السياسية، عبر تطورها التاريخي وإسهامات مفكريها وفلاسفتها، في تشكيل نهج جديد في الفكر السياسي الغربي، يقوم على مركزية الفرد وحقوقه وحرياته. غير أن مفهوم التحرر، بالمعنى الذي نعالجه هنا، لا يشير بالضرورة إلى علاقة سياسية داخل نظام الدولة الوطنية، بل يمثل مفهومًا مركزيًا في خطاب الحركات الوطنية والثورية؛ كونه يشير إلى فعل سياسي جماعي وطني يهدف إلى تحقيق الاستقلال الذاتي لجماعة مقهورة أو مهمشة أو مهضومة الحقوق الوطنية، واقعة تحت هيمنة قوة أجنبية تمتلك أدوات سياسية وعسكرية واقتصادية وأمنية للسيطرة عليها.
ونتيجة لعدم تطابق معنى كل من الحرية والتحرر، ينبغي التمييز بدقة بين التحرر والتحرير. فالتحرير يقع على موضوع: وطن، أو سيادة، أو أرض، أو قرار، أو سلطة مصادَرة. أما التحرر فهو الفعل الإرادي الذي قد ينتهي إلى تحرير ما نرغب في تحريره.
وقد يقع فعل التحرر بشكله العملي من دون أن يكون القائمون به قد بلغوا الاستقلال الناجز؛ أي إنهم قد يظلون خاضعين لإرادة الغير بالقوة والعنوة، أو تحت سلطة جائرة لا ترحم. ومع ذلك، فإنهم، وهم يمارسون فعل التحرر على أرض الواقع، قد يكونون قد بلغوا لحظة استقلال الإرادة الحرة وتحررها مما يكبلها من قيود وحواجز ونواهٍ ويفرض عليها أمرًا واقعًا.
أما التحرير، بوصفه عملية تجسيد لإرادة التحرر في شكلها الواسع، فلا يكتمل وجوده وفعاليته من دون أن تسبقه فاعلية التحرر التي تجعله أمرًا ممكنًا وواقعيًا وقابلًا للتحقق.
ولا تستطيع ما بات يُعرف بحضارة الحرية المجتمعية والفردية في الغرب أن تتجاهل أن الحرية قيمة إنسانية كبرى، وأن البشرية كافحت طويلًا من أجلها، وقدمت تضحيات جسيمة في سبيل تحقيقها، بينما لا تزال أشكال متجددة من الهيمنة والسيطرة والاستعباد تحول دون تمتع مجتمعات وشعوب كاملة بها.
فالحرية من غير تحرر تظل مشروعًا إنسانيًا وحضاريًا منقوصًا. وطالما بقيت بعض التصورات الليبرالية، فكريًا وواقعيًا، تتجاهل قضية التحرر بكل معانيها ومفاعيلها، فإن الحديث عن الحرية يظل بحاجة إلى توسيع أفقه ليشمل الإنسان والجماعة معًا، لا الفرد وحده.
إن ما تشهده العديد من الدول النامية، وتحديدًا في وطننا العربي، من أشكال مختلفة من التدخل الخارجي، المباشر وغير المباشر، يطرح أسئلة عميقة حول استقلال القرار الوطني، وحدود السيادة، وشروط التحرر السياسي والاقتصادي. وقد لعبت قوى دولية كبرى، في مراحل تاريخية مختلفة، أدوارًا مؤثرة في مسارات هذه الدول، وهو ما يستدعي دراسة هذه الأدوار بصورة تاريخية وموضوعية، بعيدًا عن التعميم.
إن الاحتلال والاستيطان وتغيير معالم الأرض، ومصادرة الأراضي والموارد، وتزوير التاريخ، وقهر الشعوب الواقعة تحت الاحتلال، وممارسة العنف ضدها، وقمع حركاتها الوطنية، والاعتقالات الجماعية، وهدم البيوت والمؤسسات، وقلع الأشجار وجرف المزروعات وردم الآبار، وتعطيل بعض القرارات الدولية، واستخدام أدوات سياسية داخل المؤسسات الدولية لحماية مصالح أطراف بعينها؛ كلها قضايا تضع مفهوم «العالم الحر» أمام اختبار حقيقي يتعلق بمدى اتساق الخطاب المعلن عن الحرية وحقوق الإنسان مع الممارسة السياسية الفعلية.
ومن هنا تتجدد الأسئلة حول عالمٍ لا تزال فيه الحرية موزعةً بصورة غير متكافئة، وحول منظومة دولية تتفاوت فيها القدرة على امتلاك الحقوق والدفاع عنها. فالمشكلة لا تكمن في الحرية بوصفها قيمة إنسانية، وإنما في التناقض بين عالميتها المعلنة وبين واقع سياسي قد يحرم شعوبًا وجماعات كاملة من حقها في تقرير مصيرها واستقلال إرادتها.
وهكذا، فإن التمييز بين الحرية والتحرر والتحرير ليس ترفًا اصطلاحيًا، بل ضرورة لفهم العلاقة بين الفرد والجماعة، وبين الحق والفعل، وبين الإرادة والسيادة. فالحرية حق، والتحرر فعل، والتحرير إنجاز؛ وإذا كان لكل منها مجاله الخاص، فإن اكتمال المشروع الإنساني يقتضي النظر إليها بوصفها حلقات متفاعلة في مسار طويل نحو الإنسان الحر، والمجتمع العادل، والوطن المستقل.