بقلم الدكتور صالح الشقباوي
ليس اجتماع تيار الإصلاح الديمقراطي في القاهرة اجتماعًا تنظيميًا عابرًا، ولا مجرد محطة داخلية في مسار الخلاف الفتحاوي؛ فالقاهرة تبدو هذه المرة كأنها تفتح نافذة على مرحلة فلسطينية جديدة، تتداخل فيها أسئلة فتح مع أسئلة النظام السياسي الفلسطيني كله.
الجديد أن تيار الإصلاح لم يعد يتحرك فقط من موقع المطالب بالعودة إلى فتح، وإنما بدأ يتعامل مع نفسه باعتباره جزءًا من معادلة سياسية فلسطينية أوسع. فالانتخابات، والتحالفات، وإعادة بناء النظام السياسي، ومستقبل غزة، كلها أصبحت حاضرة في حساباته.
وهنا تكمن أهمية التحول.
فمحمد دحلان، الذي كان يُنظر إليه في مرحلة سابقة باعتباره طرفًا في الصراع الداخلي الفتحاوي، يحاول اليوم أن ينتقل إلى مساحة أوسع: من خصم داخل فتح إلى طرف في إعادة تشكيل المشهد الفلسطيني.
أما القاهرة، فهي لا تبحث فقط عن مصالحة بين دحلان وفتح، وإنما تبدو معنية بإعادة ترتيب البيت الفلسطيني كله: فتح، وحماس، وتيار الإصلاح، ومروان البرغوثي، والقوى والشخصيات الوطنية المستقلة.
ومن هنا يصبح السؤال أكبر من سؤال: هل يعود تيار الإصلاح إلى فتح؟
السؤال الحقيقي هو: أي فتح ستعود؟
فتح التي تحكمها موازين المرحلة الماضية، أم فتح التي تستطيع أن تستعيد فكرتها الأولى باعتبارها حركة وطنية جامعة، تتسع للاختلاف وتستوعب أبناءها بدل أن تستبعدهم؟
وهنا يبرز اسم مروان البرغوثي بقوة، كما يبرز اسم محمد دحلان، ليس باعتبارهما مجرد شخصيتين متنافستين، بل باعتبارهما عنصرين يمكن أن يؤثرا في هندسة المرحلة الفلسطينية المقبلة.
وإذا أضيف إلى ذلك احتمال قيام تفاهمات انتخابية مع حماس أو مع قوى وطنية أخرى، فإن المشهد يصبح أكثر تعقيدًا، وربما أكثر قدرة على إنتاج صيغة سياسية جديدة.
لذلك فإن اجتماع القاهرة قد يكون اختبارًا مبكرًا لما بعد مرحلة أبو مازن.
فإذا نجحت مصر في دفع الأطراف نحو المصالحة الفتحاوية، فقد نشهد عودة تدريجية لتيار الإصلاح إلى البيت الفتحاوي.
أما إذا تعثرت المصالحة، فإن الاتجاه نحو التحالفات والقوائم الانتخابية المستقلة سيصبح أكثر احتمالًا.
وفي الحالتين، فإن شيئًا واحدًا يبدو واضحًا:
مرحلة الانتظار انتهت.
لم يعد تيار الإصلاح يقول فقط: نريد العودة إلى فتح؛ بل يقول، بصورة سياسية أكثر وضوحًا: نحن جزء من مستقبل فلسطين، ولن نبقى رهائن للخلافات القديمة.
ومن هنا أعتقد أن السؤال الأكبر الذي ستجيب عنه المرحلة المقبلة ليس: هل يعود دحلان إلى فتح؟
بل:
هل تستطيع فتح أن تعود إلى فتح؟
أي هل تستطيع الحركة أن تتجاوز الأشخاص والتيارات ومراكز النفوذ، وأن تستعيد فلسطين بوصفها جوهرها الأعلى؟
إن فتح التي عرفناها لم تكن ملكًا لشخص، ولا لجنة، ولا تيار. كانت فكرة وطنية كبرى، وُلدت من رحم الثورة، وظلت أكبر من أبنائها.
ولذلك فإن التجديد الحقيقي لفتح لا يبدأ بتقاسم المواقع، وإنما يبدأ من نكران الذات وإعلاء ذات الوطن.
وإذا استطاعت القاهرة أن تفتح هذا الطريق، فإن اجتماع تيار الإصلاح لن يكون مجرد اجتماع سياسي في القاهرة، بل قد يكون إحدى البدايات الهادئة لولادة فتح جديدة، ونظام سياسي فلسطيني جديد، ومرحلة فلسطينية مختلفة.
فالوطن أكبر من الجميع، وفلسطين يجب أن تكون الجامعة التي يعود إليها الجميع.
د. صالح الشقباوي أستاذ محاضر في الفلسفة والعلوم الاجتماعية