اشرف وياسر..من يكتب التاريخ
بقلم : د صالح الشقباوي
استاذ الفلسفة وعلم الاجتماع
نعم، أنت ابن الرئيس محمود عباس، وهذه حقيقة لا تحتاج إلى إثبات. لكن في حركة فتح وتاريخ الثورة الفلسطينية، هناك سؤال أكبر من سؤال النسب:
هل يكفي أن تكون ابن الرئيس لكي تتحدث بلسان الثورة، وأن تضع نفسك في موقع تقييم رجالٍ عاشوا الثورة وصنعوا جزءاً من تاريخها؟
هنا تحديداً أتحدث عن أشرف دبور.
أشرف دبور لم يدخل فتح من بوابة الرئاسة، ولم تصنع له الثورة اسماً لأنه ابن قائد.
إنه ابن المخيم، ابن تل الزعتر، ابن اللجوء الفلسطيني، ابن الجيل الذي عرف فلسطين من روايات الآباء ومن وجع الشتات، ثم التحق بمعسكرات الأشبال وهو طفل، وعاش مبكراً تجربة الفدائي والثورة.
ومن تل الزعتر إلى الجنوب اللبناني، عاش دبور في البيئة التي كانت فيها الثورة الفلسطينية تُخاض بالحياة والدم والنار، قبل أن يصبح سفيراً أو مسؤولاً أو صاحب موقع رسمي.
ثم جاءت المرحلة الأهم:
أن يكون واحداً من رجال مدرسة ياسر عرفات.
لقد عمل أشرف دبور إلى جانب أبي عمار سنوات طويلة، وعاش معه مراحل الثورة الفلسطينية في لبنان وتونس وفلسطين. وهذه ليست شهادة تُمنح له اليوم من أحد؛ إنها صفحة من سيرته التي سبقت كل المناصب.
وهنا أقول لك يا ياسر عباس:
أبو عمار لم يكن أباً بالمعنى العائلي لأشرف دبور، لكنه كان أباً ثورياً لجيل كامل.
ودبور كان واحداً من ذلك الجيل الذي تربى في مدرسة أبي عمار، مدرسة فتح الأولى؛ مدرسة الكرامة والمخيم والفدائي والشهيد والأسير والقرار الوطني المستقل.
أما أنت، فلك أن تحمل اسم أبيك، ولك أن تفتخر بأنك ابن الرئيس.
لكن لا تجعل اسم الأب يتحول إلى جواز عبور إلى تاريخ لم تعشه.
ففي فتح، هناك فرق هائل بين:
ابن الرئيس… وابن الثورة.
بين من ورث الاسم، ومن عاش التجربة.
بين من وجد أمامه موقعاً سياسياً مفتوحاً، ومن شق طريقه في المخيمات ومعسكرات الأشبال وساحات الثورة.
وبين شرعية تأتي من القرابة، وشرعية تُبنى عبر الزمن والنضال والتجربة والتضحيات.
والأخطر من ذلك أن تتعامل مع رجال الثورة وكأن تاريخهم قابل للمحو بقرار أو تصريح أو موقع إداري.
فتح ليست شركة عائلية.
فتح ليست إرثاً ينتقل من الأب إلى الابن.
فتح هي ذاكرة الشهداء، وعرق الفدائيين، ودماء الأسرى، وصوت المخيمات، وتاريخ الرجال الذين عاشوا مع أبي عمار في أصعب مراحل الثورة.
ولهذا، عندما تتحدث عن أشرف دبور، تذكر أولاً أشرف المناضل قبل أشرف السفير.
فالمنصب جاء بعد المسيرة، ولم يصنع المسيرة.
حتى الرئيس محمود عباس نفسه منح دبور ميدالية الاستحقاق والتميز الذهبية تقديراً لدوره في خدمة الشعب الفلسطيني وتعزيز العلاقات الفلسطينية اللبنانية.
وهذه نقطة جوهرية:
يمكن أن تختلف مع أشرف دبور سياسياً، ويمكن أن تناقش تجربته، ويمكن أن تنتقد مواقفه، لكن لا يجوز أن تُمحى عقود من التاريخ النضالي بكلمة من ابن الرئيس.
لأن تاريخ فتح ليس ملكاً لأبناء القادة.
تاريخ فتح ملك لكل من دفع ثمنها.
يا ياسر عباس…
إذا أردت أن تدخل تاريخ فتح، فادخل إليه من بابه الحقيقي:
لا من باب أبيك.
ادخل إليه من باب العمل الوطني، ومن باب احترام رجال الثورة، ومن باب الاعتراف بأن هناك جيلاً سبقك إلى فلسطين، وإلى فتح، وإلى ياسر عرفات، وإلى ساحات النضال.
فالاسم قد يفتح لك الباب…
لكن التاريخ وحده هو الذي يبقيك داخله.
هذه هي فتح التي عرفناها.
فتح التي لم تكن يوماً ملكاً لأحد، ولن تصبح ملكاً لعائلة.
وإذا كانت هناك مواجهة اليوم بين شرعية المواقع الجديدة وشرعية التاريخ النضالي القديم، فإن الواجب ليس أن نحرق التاريخ كي نصنع حاضراً جديداً؛ بل أن نحترم التاريخ ونُجدّد فتح من داخله.
لأن فتح لا تُجدَّد بإقصاء رجالها.
فتح تُجدَّد عندما يعود الوطن أكبر من الأشخاص، والثورة أكبر من الأبناء، والتاريخ أكبر من المناصب.