د. عدنان عويّد
الحداثة:
على الرغم من أن مسألة الحداثة برأيي مسألة, سيرورة وصيرورة تاريخيتين, ابتدأت مع بداية وعي الإنسان لذاته تاريخيّا, ومع بدء تطوير وسائل إنتاجه ووعيه واكتشافه لقوانين الطبيعة وتسخيرها لذاته, ولا زالت هذه العمليّة قائمة حتى تاريخه. إلا أن هناك محطات مفصلية في تاريخ الحداثة ابتدأت مع الحركة الإنسيّة, وهي حركة فكريّة وثقافيّة ظهرت خلال عصر النهضة الأوروبيّة في القرنين الخامس عشر والسادس عشر الميلاديين، حيث راحت تركز على الفرد واعتباره محور العالم. والعمل على تمجد عقله وحريته وإرادته وإبداعاته, وتحرره من قيود الفكر اللاهوتي. والاهتمام بدراسة التراث اليوناني العقلاني.
هذا وقد كان هناك مجموعة عوامل ساعدت على تجسد هذه الحركة الأنسيّة منها:
1- سقوط القسطنطينية (1453م): الذي أدى إلى هجرة العلماء البيزنطيين نحو إيطاليا حاملين معهم المخطوطات والتراث اليوناني.
2- اختراع المطبعة: مما ساهم في إنتاج الكتب ونشر الأفكار بسرعة هائلة.
3- ازدهار التجارة: ممثلة في نشاط المدن الإيطالية التجارية وسعي النخب الجديدة (البرجوازيّة التجاريّة) للثقافة والمعرفة.
وكان من أهم إنجازات وآثار الحركة الأنسيّة:
1- تطوير التعليم من خلال تشجيع المناهج التعليميّة الحديثة والاهتمام بالعلوم والآداب والفنون.
2- التركيز على اللغات المحليّة من حيث تطوير اللغات الوطنيّة المحليّة وإثرائها إلى جانب اللاتينيّة واليونانيّة.
3- الإصلاح الديني وما حقق من انجازات وتحولات جذريّة, مهدت الطريق لحدوث تحولات كبرى في المجالات السياسيّة والاجتماعيّة في أوروبا. كحركة مارتن لوثر وكالفن ..
ثم راحت المحطة الثانية للحداثة تتجلى كمفهوم واسع الدلالات, وكمشروع ضخم مع انطلاق الثورة الصناعيّة في أوربة, وظهور الطبقة البرجوازيّة كطبقة تقدميّة وعت ذاتها من خلال التعبير عن مصالحها ومصالح الطبقة العماليّة المرتبطة بها, هذه الطبقة – أي البرجوازيّة – التي ظهر معها الكثير من المفكرين الذين راحوا يعبرون عن مصالحها وطموحاتها بفكر عقلاني تنويري مشبع بتفاؤلها ونزعتها المركزيّة. ولكن راح يغلب شيئاً فشيئاً على هذه العقلانيّة روح (العقلانية الأداتيّة), أي ذلك النمط من التفكير الذي إذا ما تعرف على مشكلة ما, سعى لحلها مباشرة دون التساؤل عن مضمون هذه الحلول والغايات إذا كانت إنسانيّة أو معادية لها. هذا وقد فرضت هذه العقلانيّة الأداتيّة آنذاك آليات (التبادل المجردة) في المجتمع الرأسمالي, بعد وصول الطبقة البرجوازيّة إلى السلطة. فتبَادل السلع في عالم هذه الطبقة بعد أن تحولت إلى طبقة امبرياليّة احتكاريّة, يعني تساوي الأشياء المُتبادَلة، فما يهِم في السلعة إن كانت جهد العامل المنتج, أم المادة المنتجة للتسويق ليس قيمتها الإبداعية وما تتضمنه من قيم إنسانيّة معدّة لتامين حاجات الناس الاستعماليّة المتعينة, وإنما ثمنها المجرد وما تحققه من ربح لمالكها.
وإذا كانت أفكار (التنوير) قد جاءت مع ظهور الطبقة البرجوازيّة كطبقة تقدميّة في بداية ظهورها حيث راحت تعمل على محاربة الظلم والاستعباد وقيم النبالة والكنيسة والْمَلَكِيَةَ, وتشكل أنموذجاً حيّاً لطموحات هذه الطبقة, وتعبيراً هادئاً عن مشروع الحداثة بكل ما يحمله هذا المشروع من مفردات تعبر عن الحريّة والعدالة والمساواة, وعن المواطنة والحقوق الطبيعيّة والقانونيّة ودولة المؤسسات وحريّة الرأي واحترام الآخر فكراً وعقيدة, إلا ان أفكار التنوير بعد وصول الطبقة البرجوازيّة إلى السلطة وتحولها إلى طبقة برجوازيّة امبرياليّة استعماريّة, راحت تقمع شعوبها وشعوب العالم, ومع هذا القمع أخذت أفكار التنوير ذاتها تتحول (من أفكار تحريضيّة للثورة ضد الظلم والاستغلال, إلى أفكار يغلب عليها الطابع (التبشيري)), بسبب إفراغ الطبقة البرجوازيّة لهذه الأفكار من محتواها وتحويلها برمتها إلى شعارات براقة يتغنى بها الإعلام الغربي ومؤسساته الدستوريّة ودساتيره, بينما الواقع يقول غير ذلك. فالمواطن الذي غنت له شعارات الحداثة مع فكر فلاسفة عصر التنوير, وبيانات حقوق الإنسان, ومضامين دساتير هذه الدول عن الحرية والعدالة والمساوة ودولة القانون والمواطنة وغير ذلك, راح هذا المواطن الذي بدأ يُستلب ويُشيء ويُغرب بفعل آلية عمل السوق القائمة على الربح, يعيش اضطهادا وتهميشا تحجبه غشاوة السعادة التي خرجت من معطف الحرية الفردية والاجتماعية وصناعة التسلية والترفيه وثقافة الاستهلاك والإعلام المنمذج والتركيز على غرائز الإنسان أكثر من عقله. الأمر الذي دفع ماركس للقول عند حديثه عن اغتراب الإنسان واستلابه وتشيئه في النظام الرأسمالي: ( إن ما هو إنساني في العالم الرأسمالي يصبح حيوانيّاً وما هو حيواني يصبح إنسانيّاً.).
إن انتصار العقل الأداتي وسلطته السياسيّة والاقتصاديّة للطبقة البرجوازيّة على أفكار التنوير العقلانيّة النقديّة، أسفر عن جملة من المغالطات والتعسفات كانت أساساً لولوج الحداثة مرحلة الأزمة. وبالتالي بدء ظهور فكر وعالم ما بعد الحداثة الذي يعبر خير تعبير عن عالم الطبقة الرأسماليّة الاحتكاريّة وعالم القطب الواحد.
إذاً مع تحول الطبقة البرجوازيّة إلى طبقة إمبرياليّة احتكاريّة تمارس الظلم على شعوبها وشعوب العالم, تبدأ مسيرة الحداثة بالتراجع, وتبدأ معها قيمها النبيلة بالتراجع أيضاً لتحل بدلاً عنها قيم التذرير والتفكيك والنهايات. أي موت القيم في الفن والأدب والفلسفة والأيديولوجيا وكل ما يمت لحياة الإنسان من قيم نبيلة.
النظام العالمي الجديد وما بعد الحداثة:
إذاً مثلما للحداثة ما قبلها، لها ما بعدها أيضاً، ثم أن عبارة (ما بعد الحداثة) تفيد التجاوز والبعديّة وتشير إلى تتابع زمني يأتي فيه واقع جديد ووضع جديد خلفا لآخر أصبح مستنفدا ومتجاوزا ومدمراً كما يقر فلاسفة ومفكرو عالم ما بعد الحداثة.
إن النقد الحاد الذي مورس على قيم الحداثة من قبل مفكري وفلاسفة ما بعد الحداثة, المعبرين عن طموحات الطبقة الرأسماليّة الاحتكاريّة, يقدم نقطة انطلاق هامة للحظة ما بعد الحداثة للمضي أشواطا بعيدة في تجذير هذا النقد وتعميقه، إذ لا يجري نقد الحداثة فقط بل نفيها وتدميرها. وهذا ما يدفع البعض للقول: إن لحظة ما بعد الحداثة تمثل نوعا من الانفجار الذي سوف يؤدي بالحداثة وبعقلانيتها وموضوعاتها إلى التشتت والتفكيك والتذرير, ولهذا يظهر مفهوم ما بعد الحداثة كنبش في الأسس, وكسر للقوالب وخروج على النماذج, وتفجيرا للأشكال, وخروجا عن خط الصيرورة التاريخيّة للحداثة, وتدميراً لأنسقها القيميّة النبيلة على نحو خارق ومدهش. والأهم من كل ذلك تدمير العقل واعتباره سببا لتقييد حريّة الفرد وإجباره على العيش في نظام جماعي يقيد حريته إن كان الأسرة أم المجتمع.
من هنا ينضبط عالم ما بعد الحداثة داخل خارطة مفاهيميّة تقوم أساسا على النفي والتدمير والتجاوز والافتتان “بأخلاقيات الموت” والتحرر اللامسؤول ودراميّة النهايات. فعلى نفس الوتر تماما يشتغل فلاسفة ومفكرو عالم ما بعد الحداثة, حيث يقومون بحصر ظاهرة ما بعد الحداثة على المستوى الفكري في عدد محدد من المبادئ والأسس وهي: موت الفن، وموت النزعة الإنسانية والعدمية، ونهاية التاريخ. وعلى هذا الأساس جاء طرح “ميشيل فوكو” و”جاك دريدا” على سبيل المثال لا الحصر, وهما من فلاسفة ما بعد الحداثة الجدد, ممثلاً بعدّة مصطلحات تتجلى فيها أوجه التوصيف لعالم ما بعد الحداثة بوضوح مثل: التفكيك, والاختلاف, والتشتيت, واللاستمرارية, والنهايات, وبالتالي الموت.
وأخير نقول : لقد ساير مصطلح ما بعد الحداثة” عند ظهوره وانتشاره ـ العديد من المفاهيم والمعايير الرؤيويّة الغربيّة ومنها مفاهيم (الما بعديّة), مثل ما بعد الصناعة ، ما بعد العلم، ما بعد الفلسفة.. الخ. إلى حداثة ما بعد الإنسان.
كاتب وباحث وناقد أدبي من سوريا.