بقلم: شادي عيّاد
قبل أيام، كتبتُ: «هل فعلًا سنذهب إلى الانتخابات في 28 نوفمبر؟» ولم يكن السؤال اعتراضًا على الاقتراع، ولا ادّعاءً بمعرفة ما يُدار خلف الأبواب. كان محاولة لقراءة المشهد الفلسطيني بما يتجاوز التاريخ المعلَن على التقويم.
واليوم، جاء قرار التأجيل، بعد حوار الفصائل في القاهرة، ليعيد السؤال إلى مكانه الأعمق: ماذا نريد من الانتخابات، وماذا نريد لفلسطين قبل أن نصل إليها؟
هنا تبدأ السياسة، حين تكفّ التواريخ عن كونها مواعيد، وتصبح القرارات امتحانًا للمسؤولية الوطنية.
لا أرى في التأجيل مناسبةً للاحتفال، ولا سببًا لإغلاق باب الأسئلة. فالانتخابات حقّ، وتأجيلها يترك أسئلة مشروعة، لكن المشهد الفلسطيني لا يُقرأ بساعة الاقتراع وحدها. إذ لا معنى لعملية انتخابية لا تستطيع أن تضمن شمول الفلسطينيين، ولا أن تتجاوز العوائق التي يفرضها الاحتلال، ولا أن تضع الانقسام أمام استحقاق الوحدة.
في مثل هذه اللحظات، تتقدم مسؤولية القيادة بحجم تعقيد المشهد. ويأتي دور السيد الرئيس محمود عباس، بما يمثّله من موقع الرئاسة والشرعية الوطنية، في صون القرار الفلسطيني، وإدارة التوازن الصعب بين استحقاق الديمقراطية ومتطلبات حماية المشروع الوطني. وتزداد أهمية هذه المسؤولية حين تتشابك الضغوط الخارجية مع الأزمات الداخلية، ويصبح المطلوب قرارًا يحفظ البوصلة، لا مجرد استجابة لإيقاع الأحداث.
وفي هذا السياق، يبرز دور الأخ حسين الشيخ، نائب الرئيس، في متابعة الملفات السياسية والوطنية المتصلة بالمرحلة، ضمن منظومة القيادة الفلسطينية ومسؤولياتها. فالمطلوب اليوم ليس إدارة الاستحقاقات منفردة، بل تنسيق الجهود، وتحصين المؤسسات، وفتح الطريق أمام معالجة سياسية تُقرّب المسافات ولا توسّع الشروخ.
أما القاهرة، فقد أعادت تذكيرنا بحقيقة لا يجوز أن تغيب: الحوار الوطني ليس طقسًا سياسيًا يُؤدَّى عند الأزمات، بل ضرورة لحماية الوطن من أن يتحول اختلاف أبنائه إلى وقود لانقسامه.
ومن هنا تكتسب مهمة الأخ المناضل الفريق جبريل الرجوب، الذي كلّفته حركة فتح بقيادة الحوار الوطني، أهميتها. فالحوار يحتاج إلى شخصية تعرف أن التفاوض ليس تسجيل نقاط على الآخرين، وأن قوة الموقف لا تُقاس بارتفاع الصوت، بل بالقدرة على الوصول إلى أرضية مشتركة من دون التفريط بالثوابت أو مصادرة حق الاختلاف. وتلك مهمة تتطلب صبرًا سياسيًا، وصلابةً في الموقف، وقدرةً على إبقاء الأبواب مفتوحة حين تدفع الخلافات نحو إغلاقها.
وهنا أعود إلى فتح.
فتح التي لا تُختصر في قائمة انتخابية، ولا تُقاس مسؤوليتها بمكسب تنظيمي عابر. بل بتاريخها في حمل المشروع الوطني، وبقدرتها على جمع المختلفين حول فلسطين، وبإيمانها بأن منظمة التحرير هي الإطار الوطني الجامع، وأن الوحدة ليست تنازلًا عن المبادئ، بل شرطًا لحمايتها.
إن الاختبار الحقيقي ليس مَن ربح جولة التأجيل، بل مَن يستطيع أن يحوّل هذه اللحظة إلى بداية لمعالجة الانقسام، وتجديد الحياة السياسية، واستعادة ثقة المواطن بالفعل لا بالوعود.
لهذا، لا أتعامل مع ما حدث بوصفه نهاية سؤال الانتخابات، بل بداية امتحان جديد: هل يصبح الوقت الإضافي فرصةً لبناء توافق وطني جاد، أم يتحول إلى انتظار آخر تتراكم خلاله خيبات الناس؟
لقد أجابت الأيام عن سؤال 28 نوفمبر، لكنها تركت أمامنا السؤال الأهم.
والآن، لم يعد المطلوب أن نعرف فقط متى سنذهب إلى الصندوق. المطلوب أن نعرف كيف نصل إلى ذلك اليوم بوطن أكثر وحدةً، ومؤسسات أكثر قدرةً، وقرار وطني أكثر تماسكًا.
فالانتخابات موعدٌ يمكن أن يتغير، أما مسؤوليتنا عن فلسطين فلا يجوز أن تتأجل.
بقلم: شادي عيّاد