رغم أن مغادرة قطاع غزة قد تكون بالنسبة لكثير من الفلسطينيين نهاية الحكاية، لكن كثيرون حولوها الى بداية فصل جديد من المسؤولية والانتماء، فهناك الكثير من قصص النجاح التي حققها أبناء غزة في أوروبا وأمريكا والدول العربية، بعيدا عن الأضواء والعناوين، إنما أشخاص استطاعوا بناء مستقبلهم بعيدا عن وطنهم، لكنهم لم يقبلوا أن يكون نجاحهم لهم فقط، إنما حوّلوه إلى وسيلة لمساعدة أهلهم في القطاع ونقل معاناتهم إلى العالم.
ويحمل فلسطينيو غزة قضيتهم معهم أينما حلوا، من قاعات الجامعات إلى المستشفيات والمؤسسات الدولية، ومن المشاريع التجارية الصغيرة إلى المنصات الإعلامية الكبرى، حتى أن بعضهم اتخذ من عمله في الخارج الهاما لدعم عائلات فقدت مصادر رزقها بغزة، فيما آثر آخرون على المساهمة في تعليم الأطفال والشباب بغزة، بينما اختار آخرون استخدام خبراتهم المهنية للدفاع عن حقوق الفلسطينيين وإيصال أصواتهم إلى المجتمعات التي يعيشون فيها.
ويؤكد هؤلاء، أن النجاح لا يُقاس بحجم الدخل أو المنصب الوظيفي فقط، وإنما بقدرتهم على إحداث فرق في حياة الآخرين، فقد أصبح الاغتراب فرصة لتكوين شبكات من العلاقات والخبرات، يمكن توظيفها لخدمة أهالي غزة الذين يواجهون ظروفا إنسانية واقتصادية بالغة الصعوبة، مثل جمع التبرعات والمشاركة في المبادرات الإغاثية، وتوفير فرص تعليمية وتدريبية للشباب، والمساعدة في إيصال احتياجات العائلات إلى المؤسسات الإنسانية.
ومن النماذج اللافتة تجربة الشاب الفلسطيني أحمد عيسى، الذي أسس مبادرة «منح لغزة» في أغسطس/آب 2024، بعد خروجه مع عائلته من القطاع، فقد حوّل تجربته إلى مشروع يساعد الطلبة الغزيين على التقدم للمنح الجامعية الدولية، من خلال الإرشاد الأكاديمي وإعداد طلبات القبول وربطهم بمرشدين متطوعين، حتى توسعت المبادرة وتضم حاليا أكثر من 1200 مشارك، بينهم مئات الطلبة والمرشدين.
وتبرز أيضا “مبادرة منح غزة” التي أطلقها أكاديميون وشبان فلسطينيون في الشهر الثاني من الحرب الإسرائيلية على غزة عام 2023، بهدف إنقاذ المسارات التعليمية للطلبة المتضررين من الحرب، حيث أعلنت عن مساعدة أكثر من 150 طالبا في الحصول على دعم للمنح الدراسية، بالتعاون مع مؤسسات أكاديمية في دول مختلفة في الدول الغربية والعربية.
كما أن العطاء والمساعدات لم تقتصر طوال السنوات الثلاث من الحرب على التعليم فقط، ففي المجال الطبي، تعمل جمعية الأطباء الفلسطينيين في أوروبا على تنظيم بعثات طبية إلى قطاع غزة.
وأعلنت الجمعية أن بعثتها الرابعة والثلاثين، التي عملت خلال فبراير ومارس 2026، أجرت 107 عمليات جراحية طارئة وقدمت خدمات طبية لمئات المرضى، وهي صورة أخرى لكيفية تحويل الخبرات المهنية في الخارج إلى دعم مباشر للمتضررين داخل القطاع.
أما في المجال الإعلامي، فتتجلى أهمية الفلسطينيين في الخارج في قدرتهم على مخاطبة المجتمعات بلغاتها، وشرح معاناة المدنيين، والمشاركة في النقاشات العامة، وتوثيق قصص العائلات التي لا تصل أصواتها بسهولة إلى العالم.
ولم يقتصر الأمر عند هذا الحد، فالكثير من الشبان الفلسطينيين الذين يعملون في الخارج قد ساعدوا أهاليهم طوال السنوات الثلاث الصعبة التي مرت، حيث لا عمل ولا مصدر دخل للعائلات في القطاع، حتى حفظوا كرامة أهاليهم وحموهم من مد يدهم لطلب الحاجة من أي مؤسسات أو أشخاص في القطاع، وهذا قمة النجاح للشبان المغتربين أنهم “حفظوا مياه وجه أهاليهم”.
وعلى الرغم من اختلاف تجارب النجاح للفلسطينيين بالخارج، فإن الرابط بينها هو الايمان بأن بناء مستقبل شخصي لهم بالخارج لا يتعارض أبدا مع مساعدة الآخرين على بناء مستقبلهم أو مساعدة عائلاتهم خلال حرب ضروس استمرت ثلاث سنوات، فالشاب الذي نجح في حياته بالخارج، يستطيع أن يساعد غيره سواء طالب أو عائلة أو مريض في قطاع غزة.
والحقيقة أنها نجاحات بعيدة عن نشرات الاخبار ومانشيتات الصحف، لكنها ذات أثر كبير على نفوس وحياة الناس في الوطن، ليثبت أن من غادر غزة غادرها بجسده فقط، لكنه ظل يحملها في قلبه وعمله وطموحه، والايمان بقلبه أن النجاح الحقيقي هو أن يصبح سببا في نجاح الآخرين.