السياسي -متابعات
أثارت قصائد للشاعرة الكندية آن كارسون، الفائزة بجائزة نوبل للآداب لعام 2026، حالة من الدهشة بين القراء العرب، بعدما انتشرت ترجمات عربية لنصوص تقدم فيها الحب بصورة قاتمة وغير مألوفة، بعيدًا عن الرومانسية والمشاعر الحالمة، لتربطه بالغريزة والخيانة والموت.
وجاء تداول هذه النصوص عقب إعلان الأكاديمية السويدية، الخميس، منح كارسون (76 عامًا) الجائزة تقديرًا لأعمالها الأدبية الجريئة والمبتكرة، التي مزجت فيها بين التراث الكلاسيكي وأشكال التعبير المعاصرة.
وسرعان ما بدأت صفحات أدبية ومترجمون بنشر مقتطفات من أعمالها باللغة العربية، غير أن بعض النصوص المتداولة أثار تساؤلات بشأن نظرة الشاعرة إلى العلاقات الإنسانية، خصوصًا أنها تصور الحب باعتباره تجربة مؤلمة قد تقود إلى الانكسار والفقد، بدلًا من أن تمنح أصحابها السعادة والاستقرار.
الحب يشبه افتراس الذئاب
في إحدى القصائد المتداولة بالعربية، تتخلى كارسون عن الصورة التقليدية للعشاق، وتستبدل بها مشهدًا قاسيًا يشبه اندفاع الحيوانات المفترسة نحو فرائسها، حيث يصبح الحب قوة غريزية تدفع البشر إلى إيذاء بعضهم.
وجاء في النص المتداول:
يصبحُ البشرُ فظيعينَ حينَ يقعونَ في الحبِّ فتراهمْ يندفعونَ نحوَ بعضِهمْ بلهفةِ ذئابِ العصورِ الغابرةِ، وتلمحُ شيئًا يكافحُ للبقاءِ بينَهما جذرٌ أو روحٌ يتوهجُ لحظةً، ثمَّ يسحقانِه اختلاف ينشبُ بينهم فيهشّمُ العظامَ؛ يا لرقَّةِ العظامِ!.
وتعكس هذه الصورة الشعرية رؤية للحب لا تخلو من العنف والتناقض، إذ يتحول العاشقان من طرفين يبحثان عن التقارب إلى قوتين تتصارعان، حتى إن المشاعر التي جمعتهما تصبح عرضة للتحطم.
الموتى ضحايا الحب
لا تقتصر النظرة القاتمة في النصوص المتداولة على العلاقات بين الأحياء، بل تمتد إلى الموت، الذي يظهر مرتبطًا بالحب والذكريات والأشخاص الذين رحلوا وتركوا خلفهم مشاعر لم تنتهِ.
وفي قصيدة أخرى، تستحضر الشاعرة حديثًا لوالدتها عن الموتى، قبل أن تنتقل إلى تأمل مؤلم في علاقتهم بمن بقوا على قيد الحياة.
كانت أمّي تمنعنا من المشي إلى الخلف هكذا يمشي الموتى، كانت تقول. من أين أتت بهذه الفكرة؟ ربّما من ترجمةٍ رديئةٍ. فالموتى، في نهاية المطاف لا يمشون إلى الخلف بل يمشون خلفنا لا رئات لهم ويعجزون عن المناداة ولكنّهم يودّون لو نلتفت هم ضحايا الحبّ، كثيرون منهم كذلك.
وتقدم هذه الأبيات الموتى بوصفهم حاضرين في ذاكرة الأحياء، يلاحقونهم بصمت، وكأن الحب لا ينتهي بالرحيل، بل يتحول إلى عبء عاطفي يستمر حتى بعد الموت.
الخيانة.. اعتراف بلا ندم
وفي نص ثالث، تتخذ السخرية طابعًا أكثر حدة، من خلال حوار بين امرأة أنهكتها الخيانة ورجل يعود إليها رغم تكرار الانفصال، متمسكًا بعلاقتهما من دون أن يتخلى عن سلوكه.
ويأتي الحوار على النحو التالي:
لقد طلقتُك ثلاث مرات فلماذا عدت؟ لأنني لا زلت مؤمنا بأي شيء؟ بنا لا وجود لنا.. لقد انتهينا لا ألا تزال تخونني مع النساء؟ بالطبع!
ويكشف الحوار عن مفارقة ساخرة، إذ يتمسك الرجل بفكرة الحب بينما يعترف بخيانته دون تردد، في مشهد يجرد العلاقة من الوعود العاطفية، ويضعها أمام تناقضاتها القاسية.
مأساة شقيقها وراء سوداوية قصائدها؟
يرى بعض المهتمين بأدب كارسون أن حضور الموت والفقد والانكسار في كتاباتها يرتبط بانشغالها بتجارب الغياب والعلاقات الإنسانية المعقدة، وهو ما يتجلى في عدد من أعمالها التي تجمع بين الشعر والسرد والتأمل الفلسفي.
ويبرز في هذا السياق كتابها “نوكس” (Nox)، الصادر عام 2010، الذي استحضرت فيه ذكرى شقيقها الراحل، محاولة إعادة بناء حياته من خلال الذكريات والوثائق والنصوص، في عمل أدبي يجمع بين الحزن والحنين والرغبة في استعادة ما ضاع.
ويعكس الكتاب جانبًا شديد الحساسية من تجربتها الإبداعية، إذ يتحول الغياب إلى مساحة للتأمل في طبيعة الروابط العائلية، وما يتركه الموت من أسئلة يصعب العثور على إجابات لها.
لكن تفسير سوداوية بعض النصوص بتجربة الفقد وحدها لا يبدو كافيًا لفهم عالم كارسون الأدبي، الذي يقوم أيضًا على المفارقة والسخرية وإعادة النظر في المفاهيم الإنسانية الراسخة.
وبين الحب الذي يشبه اندفاع الذئاب، والموتى الذين يلاحقون الأحياء، والخيانة التي تتحول إلى اعتراف بارد، تطرح النصوص المتداولة صورة غير تقليدية للعاطفة، وتفتح نقاشًا حول ما إذا كان الحب في عالم كارسون مصدرًا للحياة، أم تجربة تكشف هشاشة الإنسان وتناقضاته.