نحو صدمة وطنية كبرى تعيد تأسيس المشروع الفلسطيني وتستعيد كينونته التاريخية..مروان ودحلان قادة المستقبل الفلسطيني…ورواد قيام الدولة في زمنيهما؟؟!!
بقلم الدكتور صالح الشقباوي أستاذ الفلسفة وعلم الاجتماع
ليست التحولات التاريخية مجرد انتقال من حاكم إلى آخر، ولا تعني نهاية مرحلة سياسية بالضرورة بداية مرحلة مختلفة عنها؛ فالتحول الحقيقي يحدث عندما تتغير البنية التي تنتج القرار، وتتبدل الشروط الاجتماعية والمعرفية التي تمنح السياسة معناها وشرعيتها. ومن هنا، فإن مقاربة المستقبل الفلسطيني تستدعي قراءة ثلاث لحظات مترابطة: ما بعد أبو مازن فلسطينياً، وقبل نتنياهو أو ما بعده إسرائيلياً، وبعد ترامب أمريكياً.
إننا لا نقف أمام مجرد تعاقب للأشخاص، بل أمام احتمال تاريخي لإعادة تشكيل البيئة السياسية التي تحكم الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وإعادة تعريف موقع فلسطين في النظام الدولي. والسؤال الجوهري هنا ليس من سيغادر السلطة ومن سيخلفه فحسب، وإنما: هل يستطيع الفلسطينيون تحويل هذه التحولات إلى لحظة تأسيس وطني جديد، أم سيظلون أسرى بنية سياسية استنفدت أدواتها وقدرتها على إنتاج المستقبل؟
أولاً: ما بعد أبو مازن.. ضرورة الصدمة الوطنية الكبرى
لقد دخل المشروع الوطني الفلسطيني، في مرحلته الراهنة، حالة من الانسداد السياسي والمعرفي؛ إذ لم يعد ممكناً مواجهة التحولات الإسرائيلية والدولية المتسارعة بالأدوات ذاتها التي حكمت التفكير السياسي الفلسطيني في العقود الماضية. إن استمرار البنية السياسية دون تجديد عميق يهدد بتحويل المشروع الوطني من مشروع تحرر تاريخي إلى إدارة دائمة للأزمة.
من هنا، تصبح الصدمة الوطنية الكبرى ضرورة معرفية ومنهجية، وليست مجرد تبديل للأسماء أو إعادة توزيع للمواقع داخل النظام السياسي الفلسطيني. إنها صدمة تعيد مساءلة المسلمات القديمة، وتفكك الجمود الذي أصاب مؤسساتنا، وتعيد وصل السياسة بالمجتمع، والشرعية بالتضحيات، والقيادة بالقدرة على إنتاج الأمل.
إن فلسطين تحتاج إلى إعادة تأسيس مشروعها الوطني على قاعدة وحدة الشعب والأرض والحقوق، واستعادة القرار الوطني المستقل، وتجديد المؤسسات التمثيلية، وإعادة الاعتبار إلى الإنسان الفلسطيني باعتباره ذاتاً تاريخية فاعلة، لا مجرد موضوع تتنازعه المشاريع الإقليمية والدولية.
ثانياً: إسرائيل ما بعد نتنياهو.. هل يتغير الشخص أم تتغير البنية؟
لا ينبغي أن نختزل مستقبل إسرائيل في رحيل بنيامين نتنياهو؛ فالمشكلة تتجاوز شخصه إلى بنية سياسية واجتماعية تشكلت بفعل صعود اليمين القومي والديني، وتوسع الاستيطان، وتنامي النزعات التي تنكر الحقوق الوطنية الفلسطينية.
ومع ذلك، فإن مرحلة ما بعد نتنياهو، إن تحققت، قد تفتح المجال أمام إعادة ترتيب الأولويات داخل المجتمع الإسرائيلي، وإعادة تقييم كلفة الصراع، وحدود القوة العسكرية، وإمكان الاستمرار في إدارة القضية الفلسطينية بمنطق الإخضاع والإقصاء.
لكن التغيير الإسرائيلي لن يكون بالضرورة تحولاً نحو السلام، كما أن رحيل نتنياهو لا يعني تلقائياً نهاية السياسات التي أسهم في ترسيخها. ولذلك فإن الرهان الفلسطيني يجب أن يقوم على قراءة التناقضات داخل المجتمع الإسرائيلي، واستثمار أي تحول حقيقي باتجاه الاعتراف المتبادل بالحقوق، من دون التفريط بالثوابت الوطنية.
إن السلام الذي نطمح إليه ليس استسلاماً فلسطينياً للواقع القائم، ولا اعترافاً بشرعية القوة بوصفها مصدراً للحق؛ بل هو انتقال من صراع تهيمن عليه القوة إلى تسوية سياسية تعترف بالحق الفلسطيني في الدولة والسيادة والوجود التاريخي.
ثالثاً: أمريكا ما بعد ترامب.. احتمال التحول في بنية القرار
أما الزمن الأمريكي ما بعد دونالد ترامب، فإنه يفتح أمامنا سؤالاً استراتيجياً يتجاوز حدود الانتخابات وتبدل الإدارات: هل يمكن للتحولات الاجتماعية والسياسية داخل الولايات المتحدة أن تنتج مقاربة أمريكية جديدة للقضية الفلسطينية؟
إن المجتمع الأمريكي ليس كتلة سياسية أو ثقافية واحدة، كما أن الموقف الأمريكي ليس حقيقة أبدية خارج التاريخ. فهناك أجيال جديدة، وتحولات في النقاش العام، وتباينات داخل الأحزاب والمؤسسات السياسية، وتغيرات في تقدير المصالح الاستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط. وقد تسهم هذه العوامل، إذا تراكمت وتفاعلت، في إعادة النظر في طبيعة العلاقة مع إسرائيل، وفي جدوى استمرار تجاهل الحقوق الوطنية الفلسطينية.
ومن هنا، أطرح فرضية سياسية تستحق النقاش: قد تأتي إدارة أمريكية جديدة، في مرحلة ما بعد ترامب، أكثر استعداداً للاعتراف بحق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة، والاعتراف بكيانه السياسي ووجوده التاريخي وكينونته الوطنية.
لكن هذا الاحتمال يظل رهناً بموازين القوى والخيارات السياسية المستقبلية، ولا يمكن التعامل معه باعتباره نتيجة مضمونة. فالتحولات في الرأي العام لا تتحول بالضرورة إلى قرارات حكومية، كما أن تغير الحزب الحاكم لا يعني وحده تغير السياسة الخارجية.
ومع ذلك، فإن جوهر المسألة يكمن في أن الفلسطينيين يجب أن يكونوا مستعدين لهذه اللحظة، إن جاءت، بمشروع وطني قادر على استثمارها، لا بمجرد انتظار قرار يصدر من واشنطن. فالاعتراف الدولي، مهما بلغت أهميته، لا يعوض غياب الوحدة الوطنية، ولا يصنع وحده مؤسسات الدولة، ولا يمنح المشروع الفلسطيني مناعته التاريخية ما لم يستند إلى إرادة شعبية وقيادة تمتلكان الرؤية والشرعية.
رابعاً: مروان البرغوثي ومحمد دحلان.. نحو إعادة بناء الشرعية الوطنية
في هذا السياق، تبرز ضرورة فتح نقاش فلسطيني جاد حول الشخصيات والقوى القادرة على الإسهام في إعادة بناء المشروع الوطني، وفي مقدمتها مروان البرغوثي ومحمد دحلان، بما يمثلانه من مسارين مختلفين في التجربة السياسية الفلسطينية.
يمثل مروان البرغوثي، في الوعي الوطني الفلسطيني، رمزاً للنضال والتضحية والارتباط التاريخي بفتح، كما أن حضوره السياسي يرتبط بمطلب استعادة الإرادة الشعبية وتجديد الشرعية من خلال المؤسسات والانتخابات. ويبقى الإفراج عنه، إذا تحقق، تطوراً قد تكون له آثار مهمة في المشهد الفلسطيني، من دون أن يعني ذلك أن التوافق الوطني أو تجديد المؤسسات سيتحققان تلقائياً.
أما محمد دحلان، فيمثل تياراً سياسياً يسعى إلى إعادة صياغة موقعه داخل المعادلة الفلسطينية، ويطرح حضوره أسئلة تتصل بإصلاح فتح، وتجديد أدوات العمل السياسي، وبناء علاقات عربية ودولية يمكن توظيفها في خدمة المصالح الوطنية. غير أن أي دور مستقبلي له، شأنه شأن أي قائد فلسطيني آخر، ينبغي أن يُقاس بقدرته على الإسهام في الوحدة الوطنية، واحترام الإرادة الشعبية، وتقديم برنامج سياسي قابل للمساءلة.
إن الجمع بين مروان ودحلان في معادلة المستقبل لا يعني محو الاختلافات بينهما، ولا افتراض تطابق رؤيتيهما؛ بل يعني إخضاع الخلافات لمصلحة وطنية أوسع، وإدراك أن أزمة فلسطين أكبر من الأفراد، وأن تجديد فتح لا يتحقق بإقصاء أبنائها، وإنما باستعادة فكرتها التحررية الجامعة.
ففتح ليست ملكاً لفرد أو مجموعة، بل هي تاريخ من التضحيات وفكرة وطنية لا تستعيد حيويتها إلا عندما يصبح الوطن أكبر من الجميع.
خامساً: من إدارة الصراع إلى صناعة المستقبل
إن اللحظة التي نحاول قراءتها هي لحظة التقاء ثلاثة احتمالات تاريخية: إعادة ترتيب القيادة الفلسطينية بعد أبو مازن، واحتمال تغير المشهد السياسي الإسرائيلي بعد نتنياهو، وإمكان ظهور مقاربة أمريكية جديدة في مرحلة ما بعد ترامب.
وقد تتقاطع هذه التحولات، لكنها قد تتباعد أيضاً؛ لذلك فإن مسؤولية القيادة الفلسطينية ليست انتظار تزامنها، بل بناء استراتيجية تستطيع التعامل مع كل احتمال على حدة، وتمنع ضياع الفرص أو تحويلها إلى رهانات مؤجلة.
نحن بحاجة إلى سلام جديد في منطقه وأدواته، سلام لا يختزل القضية الفلسطينية في ترتيبات أمنية أو اقتصادية، ولا يتعامل مع الفلسطينيين بوصفهم مشكلة ينبغي إدارتها، بل يعترف بهم شعباً يمتلك حق تقرير المصير، وإقامة دولته، وصيانة هويته وذاكرته ووجوده التاريخي.
إن هذا السلام يحتاج إلى بنية فلسطينية جديدة: قيادة شرعية، ومؤسسات ديمقراطية، ووحدة وطنية، وبرنامج سياسي يجمع بين الحق التاريخي والواقعية الاستراتيجية، ويحوّل الاعتراف الدولي من هدف نهائي إلى خطوة ضمن مسار متكامل نحو الحرية والسيادة.
خاتمة: التاريخ لا ينتظر المترددين
إن ما بعد أبو مازن، وقبل نتنياهو وما بعده، وبعد ترامب، ليست مجرد عناوين زمنية؛ إنها صيغة لطرح سؤال الوجود الفلسطيني في لحظة تتغير فيها موازين السياسة والمجتمع والمعرفة.
فإما أن نمتلك القدرة على إحداث الصدمة الوطنية الكبرى، ونعيد تأسيس مشروعنا على قاعدة التجديد والوحدة والشرعية الشعبية، وإما أن نترك الآخرين يعيدون تشكيل مستقبلنا وفق مصالحهم وحساباتهم.
إن الدولة الفلسطينية ليست مجرد مساحة جغرافية أو اعتراف دبلوماسي، بل هي التعبير السياسي عن كينونة شعب قاوم محاولات الإلغاء، وحافظ على هويته، وتمسك بحقه في الحرية والاستقلال.
ومن هنا، فإن الرهان على أمريكا ما بعد ترامب لا ينبغي أن يتحول إلى انتظار سلبي، بل إلى استعداد فلسطيني واعٍ لفرصة قد تفتحها التحولات الأمريكية. والرهان على ما بعد نتنياهو لا ينبغي أن يكون وهماً بتغير إسرائيل تلقائياً، بل استعداداً لفرض معادلة سياسية تعترف بحقوق شعبنا. أما ما بعد أبو مازن، فيجب أن يكون بداية لاستعادة المبادرة الوطنية، لا مجرد انتقال من شخص إلى آخر.
إن التاريخ لا يمنح المستقبل لمن ينتظر تبدل الآخرين، بل لمن يمتلك القدرة على تغيير ذاته، وتجديد مشروعه، وتحويل التحولات الخارجية إلى قوة تحرر داخلية.
هنا تبدأ فلسطين الجديدة: لا من نهاية الأشخاص وحدها، بل من ولادة وعي وطني جديد يجعل الدولة حقاً قابلاً للتحقق، والكينونة الفلسطينية حقيقة لا يمكن محوها، والسلام اعترافاً متبادلاً بالحقوق، لا غطاءً لاستمرار الهيمنة.
الدكتور صالح الشقباوي أستاذ الفلسفة وعلم الاجتماع