بقلم: شادي عيّاد
ما إن أُعلن عن تأجيل الانتخابات التشريعية، حتى استيقظت في المشهد أصواتٌ كانت تنتظر القرار أكثر مما كانت تنتظر الصندوق. أصواتٌ سارعت إلى توزيع الاتهامات على السيد الرئيس محمود عباس وقيادة حركة فتح، وكأن تحميل المسؤولية أهم من فهم ما جرى، وكأن الذاكرة الوطنية يمكن شطبها ببيان، أو اختصار المشهد كله في خصومة سياسية عابرة.
والأكثر إيلامًا أن بعض هذه الأصوات جاء من داخل البيت الفتحاوي نفسه. البيت الذي يفترض أن يكون أوسع من الانفعال، وأعمق من الحسابات الضيقة، وأقدر على التمييز بين الاختلاف على القرار والطعن في أصحابه. ففتح، التي حملت عبء المشروع الوطني في أشد مراحله قسوة، أكبر من أن تُختزل في ردود الفعل، وأعرق من أن تُحاكم بمنطق اللحظة وحدها.
فالاختلاف حق، أما تحويل كل قرار إلى إدانة، فليس موقفًا وطنيًا ولا وفاءً لفتح من وجهة نظري البسيطة.
لقد استجابت حركة فتح لطلب الفصائل الفلسطينية تأجيل الانتخابات، في سياق وطني معقد لا يمكن عزله عن شروط إجرائها ومآلاتها. ومن حق الناس أن تسأل، ومن واجب القيادة أن توضح، لكن الإنصاف يقتضي ألّا نحمّل طرفًا وحده نتيجة مسار تشارك في طلبه أطراف متعددة. لا تُبنى الوحدة بإعفاء الذات من المسؤولية، ثم تعليقها كاملة على شماعة الآخرين.
وفي قلب هذه اللحظة، يبرز السيد الرئيس محمود عباس بوصفه رأس الشرعية الوطنية وصاحب المسؤولية الأولى عن حماية القرار الفلسطيني. ومساندته لا تعني إغلاق باب النقد، كما أن نقده لا يمنح أحدًا حق تجاهل الوقائع أو مصادرة نوايا الآخرين. فالقيادة تُقاس بقدرتها على إدارة الخيارات الصعبة، والاختلاف معها لا يُسقط واجب قراءة قراراتها بميزان الوطن، لا بميزان الخصومة.
وهنا، تحديدًا، أقول لإخوتي في فتح: لا تجعلوا خلافكم مع قرارٍ سببًا لنسيان المعنى الذي قامت عليه الحركة. ففتح ليست فصيلًا عابرًا في سجل القضية، بل عمود المشروع الوطني الفلسطيني، والرافعة التاريخية لمنظمة التحرير، والمدرسة التي تبلورت في مسيرتها معاني الهوية الوطنية واستقلال القرار والإيمان بالدولة. لم تكن يومًا حزبًا يبحث عن انتصار على الفلسطيني الآخر. كانت ولا تزال مشروعًا وطنيًا، ورافعةً لمنظمة التحرير، ومدرسةً في استقلال القرار، والإيمان بأن الوحدة الوطنية أقوى من أن تُختزل في جولة خلاف أو معركة اتهامات.
لسنا مطالبين بتصفيقٍ دائم، ولا بصمتٍ يريح المسؤولين. نحن مطالبون بموقف فتحاوي يعرف كيف ينتقد دون أن يهدم، وكيف يسأل دون أن يظلم، وكيف يحمي الشرعية دون أن يعفيها من واجباتها. ففتح التي نريدها لا تخشى الحقيقة، لكنها لا تسمح أيضًا بأن تصبح الحقيقة ضحيةً للتحريض وسوء النية. وكلما اشتد الخلاف، ازدادت حاجتنا إلى فتح التي تعرف أن مكانتها لا يمنحها إياها اسمها وحده، بل تاريخها ومسؤوليتها وقدرتها على إبقاء المشروع الوطني أكبر من المصالح الفئوية والحسابات الضيقة.
تأجيل الانتخابات ليس انتصارًا لأحد، ولا هزيمةً لأحد بذاته. إنه مسؤولية سياسية جديدة، لا تُبرَّر إلا بما ستفضي إليه من خطوات جدية نحو إنهاء الانقسام، وصون التعددية، واستعادة ثقة الناس.
وفي النهاية، قد تختلف الآراء حول القرار، لكن فلسطين لا تحتمل أن يتحول كل اختلاف إلى انقسام، ولا أن يصبح كل تأجيل مناسبةً لتصفية الحسابات. ما نحتاجه اليوم قيادةً متماسكة، وحوارًا مسؤولًا، وفتحًا تعرف أن قوتها الحقيقية ليست في إسكات الأصوات، بل في جمع الفلسطينيين حول مشروعهم الوطني.
أنا مع فتح التي تناقش ولا تتناحر، ومع الشرعية التي تتحمل المسؤولية وتصون المؤسسات، ومع المصالحة التي تعيد للوطن وحدته وللمواطن ثقته. مع فتح التي تعرف أن دورها التاريخي لا يمنحها امتيازًا على فلسطين، بل يحمّلها مسؤوليةً أكبر تجاه فلسطين، وأنها حين تكون وفيةً لرسالتها، تكون أقرب إلى شعبها، وأقدر على حماية وحدته، وأجدر بقيادة مشروعه الوطني نحو الحرية والاستقلال.
ففي زمن تتكاثر فيه أسباب الانقسام، ليس أصعب من اتخاذ القرار إلا تحمّل مسؤوليته. وليس أشرف من الاختلاف إلا ألّا نسمح له بأن يأخذ منا فلسطين.
بقلم: شادي عيّاد