جاري التحميل...

الهوية الثقافية بين الإقرار والإقصاء: رهان البقاء في زمن العولمة:

بقلم: عماد خالد رحمة_ برلين.

في زمنٍ تتكاثف فيه العولمة كريحٍ عاتية تكنس الخصوصيات، وتعيد صهر الهويات في قالبٍ أحادي اللون والطعم والرائحة، تبرز مسألة الهوية الثقافية بوصفها واحدة من أعقد الإشكالات الفكرية والسياسية والأخلاقية في عالم اليوم. لقد أصبح الصراع الثقافي، بما هو صراع على المعنى والانتماء والتأويل، أكثر احتدامًا من أي وقت مضى، حيث تُهدّد الخصوصيات الثقافية بالذوبان في محيطٍ كوني لا يعترف إلا بالأقوى، ولا يترك للتنوع سوى فتات الرموز المعلّبة والاحتفالات الموسمية المنزوعة الروح.
إنَّ الحديث عن الهوية الثقافية لم يعد ترفًا فكريًا، بل ضرورة وجودية، إذ هو سؤال الكينونة الجماعية: من نكون؟ وإلى أين ننتمي؟ وكيف نُصِرُّ على البقاء بوصفنا ذواتاً حرة قادرة على التعبير عن ذاتها، لا كتوابع لهويات مهيمنة، بل كفاعلين أصليين في رسم خريطة العالم الثقافي الجديد.
المتن:
الهوية الثقافية ليست مجرّد زخرفة رمزية أو طابع فولكلوري نعلّقه على هامش الحداثة، بل هي نَسغُ الوجود العميق للأمم والجماعات. هي الذاكرة الحية التي تنبض في اللغة، والعادات، والتقاليد، وأنماط التفكير، وطرائق التعبير، وهي أيضًا جوهرُ الخصوصية الذي يجعل من كل أمة كائنًا حيًّا ذا روح لا تُستنسخ.
إنَّ الاعتراف بحق الشعوب في هوياتها الثقافية ليس منحة من أحد، بل هو حق أصيل، تقتضيه العدالة الكونية، وتؤكده المواثيق الدولية، وتُحتّمه الفطرة الإنسانية نفسها. فهذا الحق لا يعني فقط الحفظ السلبي للموروث، بل يعني التمتّع الديناميكي بالتنوع الثقافي، والتفاعل الخلّاق بين الذوات الثقافية المختلفة، دون أن يُفرَض على أحدٍ أن يتنازل عن جوهره، أو يُذيب خصوصيته في مِرجل التماثل القسري.
لكننا، في كثير من السياقات، نصطدم بواقعٍ مغاير، إذ تُمارس أنظمة فكرية وسياسية إقصائية عملية محو ممنهج للهويات الفرعية، بدعوى توحيد الأمة أو الدفاع عن “النقاء الثقافي”، فتتحول الدولة، أو الإيديولوجيا، أو الدين المؤوّل تأويلاً إقصائيًا، إلى مبضعٍ يُشرِّح النسيج المجتمعي، ويقضم أطرافه المختلفة، ليُنتج كيانًا مشوّهاً، منزوع التنوع، ومحروماً من ثراء تعدديته الأصلية.
إنَّ الفكر الإقصائي هو عدوٌّ صامت للتاريخ، إذ لا يكتفي بتشويه الحاضر، بل يسعى إلى إعادة كتابة الماضي بلونٍ واحد، وبلسانٍ واحد، وبعينٍ واحدة. إنه فكر “الواحد المتسلّط”، الذي لا يرى في التعدد إلا خطرًا، ولا في الاختلاف إلا تهديدًا، فيستبدل التفاعل بالتدجين، والتعايش بالإلغاء، ويحوّل الثقافات المهمّشة إلى ظلالٍ هامدة تحت حذاء المركز.
وما من خطرٍ أشد على الهوية من هذا التوحيد القسري، الذي يشبه كرة ثلج تنحدر من أعلى جبال التاريخ، تجرف في طريقها اللغات المحلية، والأديان غير الرسمية، والمذاهب الفكرية غير المنضبطة، فتغدو الشعوب مستنسخات باهتة في حضارة الاستهلاك الكبير، حيث لا فرق بين الإنسان والآلة، ولا بين الوجبة والمعلومة.
إنَّ التحدّي الجوهري اليوم هو كيف نُقرُّ بالحق في التعدد، دون أن نقع في مستنقع التفكك؟ وكيف نؤمن بجدوى الخصوصية الثقافية دون أن ننزلق إلى هوّات الانغلاق والتقوقع؟
الحل، ربما، يكمن في مبدأ الاعتراف، لا بوصفه مجرّد قبول بوجود الآخر، بل احتفاءً حقيقيًا بتنوعه، وإدراكاً بأنّ التعدد هو شرط أصيل من شروط الإبداع، وبأن حضارة الإنسان لم تُبْنَ بيدٍ واحدة، بل بأناملَ متعددة، ولغاتٍ شتى، ومعتقداتٍ متباينة، ومخيلاتٍ لا حصر لها.
الخاتمة:
إنّ معركة الهوية الثقافية ليست دفاعًا عن الماضي بقدر ما هي رهان على المستقبل.
ففي زمن الاختزال المفرط للإنسان إلى كائن رقمي، وفي ظلّ هيمنة المنصات التي تُملي أنماط العيش والتفكير، يصبح الإقرار بالحق في الاختلاف، والتنوّع، والكينونة المستقلة، شرطًا لبقاء الإنسانية ذاتها.
الهوية ليست قيداً، بل منطلق. وليست سدّاً، بل جسرٌ نحو تعايش عادل ومتوازن، لا يُقصي أحداً، ولا يُدجّن أحداً، بل يمنح لكل ذات الحق في أن تكون، وتظل، وتبدع، على مقاسها، لا على مقاس المركز.
وما لم نُدرك أنّ في التعدد قوّة، وفي التنوع خلاصًا، فسنظلّ ندور في فلكٍ لا يُنتج إلا الإقصاء، والنفي، والمحو… ولا يُخلِّف خلفه سوى رماداً بارداً من ثقافاتٍ كانت، ثم ذهبت، لأن أحداً لم يعترف بأنها كانت تستحق أن تبقى.