جاري التحميل...

المسرح السياسي العربي بين عبث الواقع وكابوس الخيال: تراجيديا اللامعقول في زمن الانهيار

 

بقلم: عماد خالد رحمة ـ برلين

لم يعد الواقع العربي بحاجة إلى كاتب مسرحي كي يبتكر له أحداثاً خارقة، أو مخرجٍ يستعين بالخيال ليكسر قوانين المنط، فقد تكفّل الواقع، بما راكمه من تناقضات وانكسارات ومفارقات، بأن يحوّل الحياة إلى مسرح مفتوح، تتجاور على خشبته المأساة والمهزلة، ويتبادل فيه العقل والوهم أدوارهما، حتى يغدو اللامعقول نظاماً مألوفاً، ويصبح المعقول استثناءً يحتاج إلى تفسير.

إننا لا نقف هنا أمام تشاؤمٍ عابر، بل إزاء مشهد سياسي تتناسل فيه الأزمات، وتتآكل فيه الثقة، وتتراجع فيه قدرة الإنسان على التمييز بين الحقيقة وصورتها المصطنعة. مشهدٍ تتعدد فيه الأقنعة، بينما تتشابه الوجوه، وتتبدل الشعارات، فيما تظل الأوطان تدفع أثماناً باهظة من دم أبنائها وكرامتهم ومستقبلهم.

ولو استدعينا روّاد مسرح العبث، من صموئيل بيكيت إلى يوجين يونسكو، لوجدنا أن الخيال الذي ابتكروه لمساءلة الوجود الإنساني، على جرأته وانتهاكه المألوف، يبدو عاجزاً عن استيعاب بعض مفارقات السياسة العربية. ففي مسرحية *«في انتظار غودو»* ينتظر الإنسان خلاصاً لا يأتي؛ أما في مسرحنا العربي، فكثيراً ما ينتظر الخلاص من الشخصيات نفسها التي أسهمت في صناعة المأزق، أو يستبدل قناعاً بآخر، معتقداً أن تبديل الوجوه كفيل بتغيير المصائر.

وهنا تتجلى المفارقة الأكثر إيلاماً: لم يعد الانتظار مجرد تعليقٍ للأمل، بل غدا آلية لإدامة العجز؛ ولم يعد المنقذ وعداً بالخلاص بالضرورة، بل قد يتحول، حين يغيب الوعي والمساءلة، إلى فصل جديد من فصول الأزمة. وهكذا تدور الحكاية في حلقة مغلقة، تتغير فيها الأسماء، بينما تبقى الأسئلة معلّقة، وتظل الشعوب مطالبة بالصبر على حاضرٍ لا يفي بوعوده، وانتظار مستقبلٍ لا تتضح معالمه.

أما ألبير كامو، الذي جعل العبث سؤالاً عن معنى الوجود في عالم لا يمنح الإنسان أجوبة جاهزة، فيجد في التجربة العربية الراهنة ما يستدعي إعادة التفكير في العلاقة بين الإنسان والمعنى، وبين الحرية والمسؤولية. فالحروب والانقسامات والصراعات التي تُلبس أحياناً ثوب الضرورة التاريخية أو الدفاع عن الهوية، تنتهي في كثير من الأحيان إلى توسيع دائرة الخراب، وتفكيك الروابط الاجتماعية، وتحويل المواطن إلى رهينة صراعٍ لا يملك قرار إنهائه.
وفي خضم هذه المآسي، تتداخل الأدوار حتى يضيع الحد الفاصل بين الخطاب والواقع، وبين ادعاء حماية الوطن والنتائج التي تصيب أبناءه. لا يعود السؤال مقتصراً على مَن انتصر ومَن انهزم، بل يمتد إلى ما هو أعمق: ماذا بقي من الإنسان بعد كل هذا الاستنزاف؟ وأي معنى للنصر إذا تحولت المدن إلى ركام، والذاكرة إلى مقبرة، والأجيال إلى ورثة خوفٍ لم تصنعه؟

لقد أدرك صلاح عبد الصبور، في مسرحيته *«مسافر ليل»*، كيف يمكن للسلطة حين تتجرد من بعدها الإنساني أن تتحول إلى قوة تسحق الفرد، لا بجسده وحده، بل بقدرته على الاعتراض والاختيار وصون كرامته. فالاستبداد لا يكتفي بمصادرة الحرية؛ إنه يسعى، حين يستفحل، إلى إعادة تشكيل الوعي، حتى يعتاد المقهور قيده، ويخشى السؤال، ويشك في حقه الطبيعي في حياة كريمة.
ولعل أخطر أشكال القهر أن يتحول الخوف إلى ثقافة، والصمت إلى فضيلة مفروضة، والطاعة إلى معيار للنجاة. عندئذٍ لا تعود السلطة مجرد بنية سياسية، بل تصبح مناخاً نفسياً واجتماعياً يتسلل إلى اللغة والعلاقات والذاكرة، ويعيد إنتاج نفسه حتى في نفوس الذين يتمنون الخلاص منه.
وإذا كان مسرح العبث الأوروبي قد ازدهر في سياق تاريخي أعقب حروباً مدمرة، وانهياراً في اليقينيات، وأزمةً في الثقة بالعقل والتقدم، فإن العبث السياسي في العالم العربي لا يمكن تفسيره بعامل واحد أو اختزاله في مقارنة أدبية. إنه حصيلة مسارات متشابكة، تتداخل فيها أزمات الحكم، وضعف المؤسسات، وتراجع المشاركة العامة، والصراعات الإقليمية والدولية، والتفاوتات الاجتماعية، واستثمار الانقسامات الهوياتية في صراعات النفوذ.

لكن الفارق الجوهري أن العبث على خشبة المسرح يظل، مهما بلغت قسوته، قابلاً للتأمل والنقد؛ أما حين يتجسد في حياة الناس، فإنه ينتزع من المأساة مسافتها الجمالية، ويضع الإنسان مباشرة في قلب الألم. هناك يستطيع المتفرج أن يغادر القاعة عند إسدال الستار، أما المواطن فلا يملك دائماً ترف مغادرة المسرح الذي يسكنه، ولا يستطيع أن يخلع عن كتفيه أعباء الحرب والفقر والتهجير وانسداد الأفق بمجرد انتهاء العرض.
ومن هنا تتخذ المأساة العربية طابعها الأكثر قسوة: إننا لا نشاهد العبث فحسب، بل نعيش نتائجه، وندفع أثمانه، ونحاول أحياناً تفسيره باللغة التي أنتجها. فالإعلام الذي يفترض أن يكشف الوقائع قد يتحول، حين يخضع للمصالح الضيقة، إلى ساحة لتصنيع الروايات وتوجيه الانفعالات؛ والمحلل الذي يُنتظر منه تفكيك المشهد قد يستبدل المعرفة باليقين المتعجل؛ والمفردات التي نشأت للدفاع عن الإنسان، كالحرية والعدالة والديمقراطية، قد تُفرغ من مضامينها حين تصبح شعارات للاستهلاك أو أدوات لتبرير ممارسات تناقضها.

وهكذا ينشأ مسرح موازٍ، لا تقل خطورته عن مسرح الأحداث: مسرح تتولى فيه اللغة تزيين الوقائع، وتُمنح فيه الهزيمة أسماء براقة، ويُعاد تقديم الإخفاق باعتباره انتصاراً مؤجلاً، بينما يُطلب من الضحية أن تصدق الرواية التي تفسر ألمها، لا أن تسأل عن أسبابه ومسؤولياته.
إنها أزمة وعي بقدر ما هي أزمة سياسة؛ أزمة مفاهيم حين تفقد الكلمات صلتها بأفعالها، وأزمة معرفة حين يصبح الانتماء بديلاً من الحجة، والولاء بديلاً من النقد، والضجيج بديلاً من الحوار. فالوطن ليس لافتة تُرفع في المناسبات، ولا ملكية حصرية لفئة أو جماعة، بل عقد أخلاقي وسياسي يحفظ كرامة المواطنين، ويصون اختلافهم، ويمنحهم حق المشاركة في تقرير مصائرهم.

وليس من الإنصاف أن نحمّل الإنسان العربي وحده مسؤولية هذا الانهيار، أو أن نتعامل مع العالم العربي باعتباره كتلة متجانسة لا تعرف سوى العجز. فبين هذا الخراب تتواصل مبادرات المعرفة، وتنهض أصوات ثقافية ومدنية، ويتمسك أفراد وجماعات بحقهم في الحرية والعدالة والحياة. وما تزال تجارب عربية متعددة تثبت أن المجتمعات ليست مجرد ضحايا لتاريخها، وأن إمكان التغيير لا ينعدم ما دامت هناك إرادة للتعلم، وقدرة على التنظيم، ومؤسسات تحمي الحقوق، ومساحات تسمح للاختلاف بأن يكون قوة بناء لا ذريعة للإقصاء.
إن الخروج من مسرح اللامعقول لا يبدأ بانتظار بطل استثنائي يهبط من سقف الحكاية، ولا بتعليق المصير على معجزة سياسية؛ بل باستعادة العقل النقدي، وتحرير المفاهيم من التلاعب، وإرساء المساءلة، وبناء مؤسسات لا تتوقف شرعيتها عند حدود الشعارات، بل تُقاس بقدرتها على حماية الإنسان وصون حقوقه وتحقيق العدالة.

فالمجتمعات لا تنهض بتقديس الأشخاص، بل بمراجعة التجارب؛ ولا تستعيد مستقبلها بتكرار الأخطاء تحت أسماء جديدة، بل بالاعتراف بها وتحمل مسؤولية تصحيحها. والثقافة، في هذا السياق، ليست زينةً على هامش السياسة، بل إحدى أدوات مقاومة التزييف، لأنها تعيد إلى اللغة دقتها، وإلى الوعي استقلاله، وإلى الإنسان حقه في أن يرى الواقع خارج الأقنعة التي فُرضت عليه.

إن السؤال الذي يواجهنا اليوم ليس ما إذا كان الواقع العربي قد تجاوز حدود الخيال، بل ما إذا كنا قادرين على استعادة المسافة النقدية التي تمكّننا من فهمه وتغييره. فحين يصبح العبث مألوفاً، لا يعود الخطر في غرابة المشهد وحدها، بل في اعتيادها؛ وحين تتكرر المأساة حتى تفقد قدرتها على إثارة الدهشة، تكون قد بدأت باحتلال الوعي نفسه.
ومع ذلك، لا يجوز أن تكون قراءة الانهيار حكماً نهائياً على المستقبل. فالتاريخ ليس نصاً مغلقاً، والشعوب ليست شخصيات محكومة بنهاية كتبها مؤلف غائب. ثمة دائماً إمكان لفتح فصل جديد، شرط أن يتوقف الانتظار عن كونه بديلاً من الفعل، وأن تتحول الذاكرة من مستودع للجراح إلى معرفة تمنع تكرارها، وأن يستعيد الإنسان مكانه في مركز السياسة، لا بوصفه وقوداً لصراعاتها، بل غايتها الأولى والأخيرة.

*فهل ما تزال في رماد هذا المسرح العربي عنقاء قادرة على النهوض؟*

ربما لا تأتي العنقاء من السماء، ولا تنهض بمعجزة؛ ربما تبدأ من كلمة تقول الحقيقة، وعقل يرفض التضليل، ومواطن لا يتنازل عن كرامته، ومؤسسة تخضع للمساءلة، وثقافة لا تساوم على حرية الإنسان. عندئذٍ فقط، يمكن أن ينتهي العرض العبثي، لا لأن الستار أُسدل على المأساة، بل لأن الإنسان قرر أخيراً أن يخرج من مقعد المتفرج، ويستعيد حقه في كتابة التاريخ.