بقلم: شادي عيّاد
بعد قراءة رسالة وزراء خارجية أستراليا وكندا وفرنسا والمملكة المتحدة بشأن تأجيل الانتخابات الفلسطينية، وجدت نفسي مُرغمًا على توضيح أسباب القرار الفلسطيني، لا دفاعًا عن التأجيل، ولا تراجعًا عن حق شعبنا في الديمقراطية، بل إنصافًا للحقيقة التي لا يجوز أن تغيب خلف لغة الدبلوماسية.
نحترم مواقف هذه الدول الصديقة، ونقدّر تمسّكها بحق الشعب الفلسطيني في اختيار ممثليه، لكننا نختلف معها في وصف القرار بأنه «مؤسف»، وفي مطالبة الرئيس محمود عباس بالتراجع عنه، وكأن المسألة قرار يمكن تنفيذه بمجرد توافر الإرادة، لا واقع يفرضه احتلال يضيّق الخناق على الفلسطينيين، ويمزّق جغرافيتهم، ويعطّل شروط ممارستهم لأبسط حقوقهم السياسية.
نعم، الانتخابات حق دستوري ووطني، واستحقاق طال انتظاره، ومطلب لا نختلف عليه. ولا ننكر ما أشار إليه الوزراء بشأن تراجع الثقة بالمؤسسات والحاجة إلى التجديد الديمقراطي والمساءلة. بل نؤكد أن التزامنا بالديمقراطية ليس موقفًا ظرفيًا، ولا خيارًا نتخلى عنه حين تشتد الصعوبات.
لكن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه على أصدقائنا: كيف نطالب شعبًا تحت الاحتلال بممارسة ديمقراطيته، فيما الاحتلال نفسه يضع العراقيل أمام إجرائها؟
كيف تُجرى انتخابات حرة وشاملة في القدس، فيما الاحتلال يرفض تمكين لجنة الانتخابات من أداء عملها؟ وكيف نضمن مشاركة غزة في ظل ما خلّفته الحرب من دمار وتهجير وتقطيع للأوصال؟ وكيف نطالب بانتخابات تستوفي المعايير الدولية، ثم نكتفي بدعوة الاحتلال إلى عدم عرقلتها، دون ممارسة ضغط حقيقي يُلزمه بذلك؟
وثمة سؤال لا يقل أهمية، نضعه أمام أصدقائنا بصراحة: أين تقف ديمقراطية المجتمع الدولي حين يُمنع رئيس الشعب الفلسطيني من دخول مقر الأمم المتحدة لإلقاء كلمة شعبه؟ وكيف يُطلب من رئيسٍ تُغلق في وجهه أبواب المنظمة الدولية أن ينجز تحت حراب الاحتلال وقرارات المنع، ما يشبه المعجزة بإجراء انتخابات حرة وشاملة؟ أليست حرية الحركة واحترام التمثيل السياسي للشعوب، وصون حقها في إيصال صوتها إلى المنابر الدولية، جزءًا من المنظومة الديمقراطية التي تدافعون عنها؟ إن المفارقة تستحق التأمل: يُطالَب الفلسطيني بإثبات التزامه بالديمقراطية، بينما تُقيَّد قيادته حتى في الوصول إلى المنبر الذي يجتمع العالم تحته، وتُترك سياسات الاحتلال، ومواقف الإدارة الأميركية التي حالت دون دخول الرئيس، بلا ما يكفي من المساءلة والضغط.
إن الإنصاف يقتضي ألّا توضع مسؤولية تعطيل الحياة الديمقراطية الفلسطينية على عاتق الفلسطيني وحده، فيما يُترك الاحتلال خارج دائرة المساءلة.
لا يجوز أن يتحول الفلسطيني إلى متهم لأنه لم يستطع ممارسة حقه، فيما يُترك من يمنعه من هذا الحق خارج قفص الاتهام السياسي والأخلاقي.
لقد كان التأجيل قرارًا صعبًا، لكنه جاء في واقع بالغ التعقيد، حيث تتعرض الأرض الفلسطينية ومؤسساتها ومقومات وجودها السياسي لضغوط هائلة. لم يكن القرار تخليًا عن الديمقراطية، ولا تراجعًا عن حق الشعب في اختيار قيادته، بل جاء في ظل غياب الشروط والضمانات التي تتيح انتخابات حقيقية وشاملة.
لسنا سعداء بالتأجيل، ولا نحتفل به، ولا نعتبره بديلًا عن الانتخابات. لكننا نرفض اختزال المشهد في وصف القرار بأنه مؤسف، دون مساءلة الأسباب التي قادت إليه. فهناك فرق بين قيادة لا تريد إجراء الانتخابات، وقيادة تواجه واقعًا يحاصر إمكانية إجرائها.
وإذا كان الموقف الدولي يؤكد أن حماس لا يمكن أن يكون لها دور في حكم فلسطين مستقبلًا، فإن المطلوب هو المساهمة في بناء نظام سياسي فلسطيني موحّد، يحمي المشروع الوطني، ويحتكم إلى الشرعية والقانون وإرادة الشعب، بدل أن تبقى هذه المواقف مجرد شروط في بيانات دبلوماسية.
نثمّن تأكيد الدول الأربع دعمها حق شعبنا في تقرير المصير، ونشكرها على مواقفها الداعمة للديمقراطية والإصلاح. لكن الصداقة الحقيقية لا تكتمل بالتعبير عن الأسف، بل تتحول إلى موقف سياسي فاعل يعرّي الاحتلال، ويحمّله مسؤولية تعطيل الحياة الفلسطينية، ويضغط عليه لوقف إجراءاته التي تقوّض فرص قيام دولتنا المستقلة.
إذا كنتم تريدون انتخابات فلسطينية حرة، فاجعلوا حرية الفلسطينيين موضوع الضغط الدولي، لا مجرد موعد على التقويم. وإذا كنتم تريدون صندوق اقتراع نزيهًا، فابدؤوا بمواجهة من يحاصر الأرض التي ستُفتح فيها صناديق الاقتراع.
نحن متمسكون بالديمقراطية، وبحق شعبنا في انتخاب قيادته ومحاسبتها، وبضرورة التجديد السياسي الذي يعزز شرعية مؤسساتنا. وسيبقى إجراء الانتخابات استحقاقًا وطنيًا نعمل من أجل تحقيقه، حين تتوافر شروطه وضماناته الحقيقية.
أما المطلوب من أصدقائنا، فليس التخلي عن دعوتهم إلى الانتخابات، بل استكمالها بموقف واضح لا يساوي بين الضحية والجلاد، ولا يطالب الفلسطينيين بما يمنعهم الاحتلال من تحقيقه، ثم يكتفي بالتعبير عن الأسف.
فلسطين لا تحتاج إلى من يأسف على تعذّر ديمقراطيتها فحسب، بل إلى من يواجه الاحتلال الذي يخنقها، ويدافع عن حق شعبها في أن ينتخب، وأن يحكم نفسه، وأن يعيش حرًّا في دولته المستقلة.
بقلم شادي عياد