منذ فترة كتبتُ في أكثر من مقال أن المشهد الفلسطيني لم يعد يحتمل إدارة الأمور بالعقلية ذاتها، ولا الاستمرار في تدوير الأزمة بدل مواجهتها، وأن التغيير بات ضرورة تفرضها الوقائع، لا رغبة عابرة ولا استجابة لضغط عابر. واليوم، مع تصاعد الأنباء عن احتمال استقالة الحكومة، يبدو أن ما حذّرنا منه بالأمس يقترب من لحظة الاختبار.
لا أتعامل مع الأنباء المتداولة بوصفها قرارًا محسومًا، ولا أستبق ما لم يُعلن رسميًا، لكنني أقول بوضوح: إذا كان التغيير قادمًا، فليكن تغييرًا حقيقيًا، لا عملية تجميل سياسي تعيد إنتاج المشهد بأسماء جديدة وعقليات قديمة.
نحن بحاجة إلى حكومة فتحاوية الهوية والانتماء وفلسطينية الأداء، تؤمن بالمشروع الوطني وتحمل مسؤولية الناس، وتستعيد ثقة الشارع، وتترجم انتماءها إلى أداء وإنجاز ومحاسبة. حكومة تعرف أن فتح ليست مجرد اسم يُرفع ولا حصة تُوزّع. بل حركة تحرر وطني وعمود المشروع الوطني الفلسطيني، وأن مسؤوليتها الأولى حماية مؤسساتنا وتعزيز صمود شعبنا وتهيئة الطريق نحو الدولة.
والأهم من ذلك كله، أن يكون أي تغيير حكومي أو إداري جزءًا من مسار وطني واضح ينتهي إلى الانتخابات، لا بديلًا عنها ولا وسيلة لتأجيلها. المطلوب أن نهيّئ الظروف السياسية والوطنية والمؤسسية لإجراء انتخابات حرة ونزيهة، وأن نعيد القرار إلى الناس عبر صناديق الاقتراع، باعتبارها الطريق الطبيعي لتجديد الشرعيات، واستعادة الثقة ومنح المؤسسات دماءً جديدة. فالإصلاح لا يكتمل بتغيير المسؤولين وحده، بل بفتح الطريق أمام إرادة الشعب ليختار من يمثله، ضمن مشروع وطني جامع يحمي وحدة النظام السياسي الفلسطيني ويعزز حضور منظمة التحرير الفلسطينية ومكانتها.
نريد تغييرًا يفتح أبواب الانتخابات، لا تغييرًا يُبقيها مؤجلة. وتجديدًا يستمد شرعيته من الناس، لا من مجرد تبديل المواقع.
لكن المسألة أكبر من تغيير الحكومة، وأعمق من استبدال رئيس بآخر أو وزير بغيره. لا يجوز أن تتغير الحكومة وتبقى بقية المواقع محصّنة ضد الزمن والمساءلة!
آن الأوان لمراجعة شاملة تطال المواقع القيادية والإدارية في المحافظات والمؤسسات والهيئات، وكل موقع طال عليه البقاء حتى ظنّ صاحبه أنه ملكية خاصة، لا تكليف وطني قابل للتقييم والتجديد والاستبدال. لا أحد فوق التغيير، ولا أحد ينبغي أن يبقى في موقعه لمجرد أنه بقي طويلًا، أو لأنه أتقن حماية موقعه أكثر مما أتقن أداء واجبه.
لسنا في معركة مع أشخاص، ولا ندعو إلى إقصاء أحد لمجرد الاختلاف معه، بل نطالب بمعيار واضح: الكفاءة، والنزاهة، والإنجاز، والقدرة على تحمل المسؤولية. فمن أثبت جدارة فليستمر، ومن استنفد قدرته فليفسح المجال، ومن أخفق فليُحاسَب، ومن تحوّل موقعه إلى حاجز أمام التطوير فلا يجوز أن يصبح بقاؤه أهم من مصلحة المؤسسة والوطن.
لقد دفع شعبنا أثمانًا باهظة، ولم يعد يحتمل أن تبقى المؤسسات أسيرة المجاملات، أو أن تتحول المواقع العامة إلى محطات انتظار حتى إشعار آخر. الناس لا تريد تغييرًا على الورق، بل تريد أن ترى أثره في حياتها، وفي كرامتها، وفي رواتبها، وفي خدماتها، وفي شعورها بأن هناك من يسمع وجعها ويتحمل مسؤولية معالجته.
وأقولها من موقع الانتماء لا الخصومة: فتح التي نريدها هي التي تتقدم إلى مسؤولياتها، وتجدد دماء مؤسساتها، وتمنح الكفاءات فرصتها، وتغلق أبواب التوريث والمحاصصة والامتيازات، وتعيد الاعتبار لمبدأ أن الموقع تكليف لا تشريف، وأن الشرعية التنظيمية والوطنية لا تُصان بالجمود، بل بالتجدد والثقة والمحاسبة.
إن استقالة حكومة، إن حدثت والجميع يتمنى ذلك، ليست نهاية الحكاية. إنها بداية سؤال أكبر: هل نملك الشجاعة لتغيير طريقة إدارة المشهد كله؟
لقد كتبتُ عن ضرورة التغيير قبل أن تتصدر هذه الأنباء واجهة التداول، لا ادعاءً بمعرفة الغيب، بل قراءةً لمشهد تتراكم فيه أسباب المراجعة. واليوم، أكرر أن الفرصة لا ينبغي أن تضيع في مفاوضات الأسماء وتوزيع المواقع.
نريد تغييرًا يعيد للمؤسسة روحها، وللمسؤولية معناها، وللمواطن ثقته، ولحركة فتح دورها الطبيعي في قيادة المشروع الوطني.
فالأوطان لا تتجدد بتغيير الوجوه وحده، بل حين يدرك الجميع أن زمن الجمود يجب أن ينتهي، وأن أحدًا لا يملك حق احتكار الموقع، وأن فلسطين أكبر من الأشخاص جميعًا.
التغيير الذي لا يصل إلى جذور الخلل، ليس تغييرًا… بل تأجيل جديد للأزمة.