بقلم: عمران الخطيب
تبدو التحضيرات الجارية لترتيب البيت الداخلي الفلسطيني مختلفة، من حيث الشكل والمضمون، عن جولات الحوار الوطني الفلسطيني السابقة التي استضافتها العاصمة المصرية القاهرة، وكذلك الحوارات التي عُقدت في مدينة العلمين المصرية. فالمشهد الفلسطيني الراهن، في ظل التطورات المتسارعة التي تشهدها القضية الفلسطينية، يفرض مقاربات جديدة تتجاوز البيانات الختامية والتفاهمات المؤقتة، وصولًا إلى رؤية وطنية جامعة قادرة على إنهاء الانقسام واستعادة وحدة النظام السياسي الفلسطيني.
في الجولات السابقة، كانت مصر تدعو الفصائل الفلسطينية وعددًا من الشخصيات المستقلة للمشاركة في حوارات المصالحة، تعقبها بيانات رسمية ومقابلات صحفية عبر وسائل الإعلام والفضائيات، تتضمن الإشادة بالدور المصري وأهمية الحوارات والاتفاقيات التي يتم التوصل إليها. وكان الفلسطينيون ينتظرون بفارغ الصبر أن تشكل هذه اللقاءات مدخلًا حقيقيًا لإنهاء الانقسام وتحقيق المصالحة الوطنية، بما يشمل قطاع غزة والضفة الغربية والقدس والشتات الفلسطيني.
غير أن التجارب السابقة أظهرت، مرارًا، أن التفاهمات والاتفاقيات لم تكن تصمد طويلًا؛ إذ ما إن يُعلن الاتفاق حتى تبدأ التصريحات والمواقف المتناقضة، التي تتعارض في كثير من الأحيان مع مضمونه وأهدافه. وقد تكرر هذا المشهد في حوارات القاهرة، وكذلك في الحوارات التي استضافتها الجزائر وموسكو والصين الشعبية، الأمر الذي أضعف ثقة الشارع الفلسطيني بجدوى الاتفاقيات التي لا تجد طريقها إلى التنفيذ.
من هنا، يمكن فهم أهمية عدم التسرع في الدعوة إلى جولة جديدة من الحوار الشامل قبل توافر الظروف السياسية اللازمة، ونضوج رؤية فلسطينية مشتركة تحدد أهداف الحوار وآليات تنفيذه والضمانات الكفيلة بالالتزام بمخرجاته. فالمطلوب ليس مجرد عقد لقاءات جديدة، وإنما الوصول إلى توافق وطني حقيقي يضع حدًا للانقسام ويؤسس لشراكة سياسية فلسطينية فاعلة.
فتح وحماس أمام مسؤولية تاريخية
تقع المسؤولية الأساسية عن إنجاح جهود المصالحة على عاتق حركتي فتح وحماس، باعتبارهما الطرفين الرئيسيين في الانقسام الفلسطيني. وفي تقديري، تواجه حركة حماس استحقاقات سياسية وتنظيمية كبيرة في أعقاب حرب السابع من أكتوبر وما ترتب عليها من تحولات عميقة في قطاع غزة، الأمر الذي يجعل إعادة النظر في إدارة الشأن الوطني الفلسطيني، وتعزيز الشراكة مع بقية القوى والفصائل، ضرورة سياسية ووطنية.
كما أن التحولات الإقليمية والجغرافية والسياسية تفرض على الحركة مراجعة حساباتها بشأن علاقاتها وتحالفاتها الخارجية، وعدم التعويل على أي حاضنة إقليمية باعتبارها بديلًا عن التوافق الوطني الفلسطيني الشامل. فالمستقبل السياسي للقضية الفلسطينية لا يمكن أن يُبنى على موازين القوى المؤقتة، وإنما على إرادة وطنية مشتركة تحمي الحقوق الفلسطينية وتضمن مشاركة الجميع في صنع القرار.
وفي المقابل، تواجه حركة فتح استحقاقات وطنية وتنظيمية لا تقل أهمية، وفي مقدمتها تعزيز دورها في قيادة منظمة التحرير الفلسطينية، التي تتولى الحركة قيادة مؤسساتها منذ عام 1969، والعمل على تطوير أدائها بما يتناسب مع التحديات الراهنة ومتطلبات المرحلة المقبلة.
ولا يمكن فصل هذا الدور عن ضرورة تحقيق الوحدة الداخلية لحركة فتح نفسها. ففتح ليست حزبًا عقائديًا مغلقًا، بل حركة وطنية واسعة تضم اتجاهات فكرية وسياسية متعددة، من اليسار والقوميين إلى التيارات ذات المرجعيات الإسلامية، فضلًا عن اتجاهات سياسية وتنظيمية أخرى. ومن شأن الحوار الداخلي الجاد أن يعزز التماسك التنظيمي، ويتيح معالجة الخلافات، ويفتح المجال أمام مشاركة مختلف التيارات، بما فيها التيار الإصلاحي الديمقراطي، في إطار حوار مسؤول يهدف إلى توحيد الجهود وترسيخ التعددية.
الفصائل الفلسطينية ودورها في إنجاح الحوار
إن نجاح الحوار الوطني لا يتوقف على مواقف فتح وحماس وحدهما، بل يتطلب مشاركة فاعلة من مختلف الفصائل والقوى السياسية الفلسطينية، انطلاقًا من أن القضية الفلسطينية أكبر من أن تحتكرها جهة واحدة، وأن مواجهة التحديات الراهنة تستوجب أوسع توافق وطني ممكن.
وفي هذا السياق، تشكل المبادرة التي تقدمت بها الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين عاملًا إيجابيًا يمكن البناء عليه لتقريب وجهات النظر وتوفير أرضية مشتركة للحوار. كما أن مشاركة حركة الجهاد الإسلامي، وما تبديه من مرونة تجاه متطلبات إنجاح الحوار، يمكن أن تسهم في تعزيز فرص التوافق الوطني، رغم التحفظات القائمة لديها بشأن مسار التسوية السياسية.
كذلك، تأتي مشاركة الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين في الجولة الثانية من الحوارات الفلسطينية بالقاهرة في إطار دورها الوطني والسياسي، رغم تحفظاتها على تأجيل الانتخابات. وقد عكست مواقف الجبهة في محطات الحوار المختلفة حرصًا على معالجة الخلافات الوطنية والبحث عن صيغ توافقية تحفظ الحقوق الفلسطينية وتدعم وحدة الموقف الوطني.
وتشمل القوى الفلسطينية الأخرى جبهة النضال الشعبي الفلسطيني، وجبهة التحرير الفلسطينية، والجبهة العربية الفلسطينية، وحزب الشعب الفلسطيني، وجبهة التحرير العربية، والاتحاد الديمقراطي الفلسطيني «فدا»، وغيرها من القوى التي تشارك في مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية، وتنتظر إزالة العقبات التي تعترض الحوارات الجارية في القاهرة، تمهيدًا للانتقال إلى جولة شاملة تتيح معالجة الملفات العالقة بصورة جدية ومسؤولة.
ومن الضروري كذلك توسيع دائرة المشاركة لتشمل شخصيات فلسطينية مستقلة من داخل فلسطين والشتات، بما يضمن أن يكون الحوار وطنيًا شاملًا، لا يستثني أي مكوّن فلسطيني قادر على الإسهام في بلورة رؤية مشتركة لمواجهة التحديات الراهنة.
نحو حوار وطني شامل يتجاوز اتفاقات الورق
تمر القضية الفلسطينية بمنعطف بالغ الخطورة، في ظل ما يتعرض له قطاع غزة من تداعيات الحرب والدمار والأزمة الإنسانية، وما تواجهه الضفة الغربية والقدس من سياسات وإجراءات إسرائيلية تستهدف الأرض والإنسان والوجود الوطني الفلسطيني، بما في ذلك التهجير القسري والتوسع الاستيطاني والممارسات التي تثير مخاوف جدية من التطهير العرقي.
وفي ظل هذه الظروف، يصبح إنهاء الانقسام الفلسطيني ضرورة وطنية عاجلة، وليس مجرد مطلب سياسي مؤجل. فاستمرار الانقسام يضعف القدرة الفلسطينية على مواجهة السياسات الإسرائيلية، ويقوض فرص توحيد الجهود السياسية والدبلوماسية والشعبية للدفاع عن الحقوق الوطنية المشروعة.
إن المطلوب من الحوارات الفلسطينية في القاهرة أن تكون استثنائية فعلًا، لا في مكان انعقادها أو مستوى المشاركين فيها، وإنما في نتائجها وآليات تنفيذها. ويقتضي ذلك الاتفاق على برنامج وطني مشترك، وإعادة الاعتبار لمؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية، وتفعيل الشراكة السياسية، والاتفاق على آليات واضحة لاتخاذ القرار الوطني، بما يضمن الالتزام بالتفاهمات وعدم العودة إلى مربع الانقسام.
كما أن الدور المصري يظل محوريًا في تهيئة الأجواء وتيسير الحوار بين الأطراف الفلسطينية، مستندًا إلى العلاقات التاريخية مع مختلف مكونات الشعب الفلسطيني، وإلى أهمية استقرار الموقف الوطني الفلسطيني في مواجهة التحديات الراهنة.
إن الشعب الفلسطيني لم يعد بحاجة إلى اتفاق جديد يُضاف إلى أرشيف اتفاقات المصالحة السابقة، بل إلى إرادة سياسية حقيقية تترجم التفاهمات إلى خطوات عملية. ومن هنا، فإن نجاح حوارات القاهرة سيُقاس بقدرتها على الانتقال من إدارة الخلاف إلى إنهائه، ومن التفاهمات المؤقتة إلى الشراكة الوطنية المستدامة.
فهل تكون حوارات القاهرة هذه المرة بداية حقيقية لإنهاء الانقسام واستعادة وحدة القرار الفلسطيني، أم تتكرر التجارب السابقة وتبقى المصالحة حلمًا ينتظره الفلسطينيون؟