جاري التحميل...

السولستالجيا.. حين يجعلنا تغيّر المناخ نشتاق إلى ظل تلك الشجرة

السياسي -متابعات

لم نعد نرى الأشجار كما كنا.. بعد أن بدأ تغيّر المناخ يسرق منا الظل والذاكرة معاً..

ولأن هناك أشياء لا ننتبه إلى قيمتها إلا عندما نبدأ بفقدانها.. فأخشى أن “الشجرة” واحدة منها.

في طفولتنا، ربما لم نفكر كثيراً في شجرة كانت تجاور منزلنا، أو أخرى ظلّلت بقعةً من شارع اعتدنا المرور فيه. لقد كانت ببساطة جزءاً من المشهد.. ظلاً نلتجئ إليه، ومكاناً نجلس تحته وننتظر، وأحياناً ذاكرةً كاملة مرتبطة بصيف قديم لم يكن بهذه القسوة.

لكن مع اشتداد موجات الحر وتكرارها، بدأت الأشجار نفسها تبدو مختلفة، بأوراقٍ جافة، وأغصانٍ متعبة، ومساحاتٍ خضراء تتحول تدريجياً إلى بقع قاحلة. وهنا لم يعد تغيّر المناخ رقماً في تقرير، بل أصبح واقعاً يتجسّد أمام أعيننا، ونشعر بتداعياته تحاصرنا شيئاً فشيئاً.

وبالنسبة إلينا، سكانَ الشرق، قد يكون هذا الشعور أكثر وضوحاً. فالظل ليس تفصيلًا جماليًا في مدننا الحارّة؛ إنه جزء من الحياة اليومية.. ومن يجلس تحت شجرة في حديقة، أو يمشي في شارعٍ مُظلَّل، أو ينتظر طفلًا أمام مدرسة، يعرف تماماً الفرق بين مكانٍ تحرقه الشمس وآخر تمنحه “الأشجار” قدراً من الاحتمال.

وتشير أبحاث حديثة إلى أن بإمكان الأشجار أن تخفّض الإحساس بالحرارة في المدن بدرجات ملحوظة، من خلال حجب أشعة الشمس وتبريد الهواء عبر تبخر الماء، إلا أن قدرتها على التبريد تتأثر بتوافر المياه ونوع الشجرة وتصميم المدينة. وفي ظروف موجات الحر الشديدة، قد يصل التبريد المحلي تحت الأشجار إلى نحو 4.8 درجة مئوية في بعض الحدائق، ونحو 3.9 درجة تحت أشجار الشوارع، ⁠وفقاً لـ World Resources Institute.

 

تلك التغيّرات البيئية التي خرج جزء منها عن السيطرة إلى حد كبير في الوقت الحالي، لا بدَّ وأن تُرخي بظلالها على حياتنا وصحتنا النفسية قبل الجسدية، ونحن الذين كنا نجد في الطبيعة ملجأً من ضغوط الحياة اليومية، وفسحةً للأمل والتأمّل.

وعن ذلك، تقول الباحثة في علم النفس البيئي، هيلين جالان، إن تدهور البيئة التي نعيش فيها يمكن أن يولّد شعوراً يسمى “السولستالجيا” وبعبارة أخرى “النوستالجيا البيئية”، أي الحنين إلى البيئة التي عرفناها قبل أن تتغير بفعل الأزمة المناخية. وبالأخص لمن عاش طوال حياته بالقرب من غابة أو شاطئ، فأي حزن عميق سيتملّكه عندما يرى الأشجار تُقطع، أو الشاطئ يتلوث، أو الطبيعة التي ارتبطت بذكرياته تختفي تدريجياً.

وترى جالان أن الأشجار تحمل قيمة رمزية خاصة لأنها ترتبط لدينا بالاستقرار والذاكرة واستمرار الحياة.

والمؤسف أكثر أن الخطر تجاوز التداعيات النفسية والجمالية وارتقى إلى مستوى كارثي برز في حوادث بيئية عدّة حول العالم، أجمع علماء المناخ على ارتباطها الوثيق بتغير المناخ والاحتباس الحراري وفقدان الغطاء النباتي. وقد كان لبلد عربي نصيبٌ من أحد أسوأ الكوارث التي لم تشهدها المنطقة منذ عقود.

 

فيضانات درنة الكارثية في ليبيا (2023)
شكلت هذه الفاجعة نموذجاً صارخاً لحدة الظواهر الجوية الطارئة؛ حيث أدت العاصفة “دانيال” إلى انهيار السدود واقتحام السيول العارمة للمدينة، مما أسفر عن محو أحياء كاملة بسكانها، وجرف المساحات الخضراء والجمالية المحيطة بالوادي. ولم تكن هذه الكارثة مجرد خسارة مادية وبشرية، بل أحدثت صدمة نفسية عميقة للسكان إثر التحوّل المفاجئ للبيئة المألوفة والمناظر الطبيعية الساحلية إلى ركام ودمار.

حرائق غابات الأمازون وأستراليا (2019-2020)
التهمت هذه الحرائق غير المسبوقة ملايين الهكتارات من “رئة العالم”، جراء الجفاف القاسي وارتفاع درجات الحرارة القياسي المدفوع بالاحتباس الحراري. وقد أسفر ذلك عن تجريف غابات عمرها آلاف السنين، مما حرم البشرية من ملاذ جمالي وبيئي فريد، ومارس ضغطاً نفسياً حاداً على المجتمعات التي فقدت أحضان الطبيعة الخضراء التي نشأت فيها.

ظاهرة موجات الحر الشديدة وجفاف أنهار أوروبا (2022)
شهدت القارة الأوروبية انحساراً تاريخياً لمياه الأنهار الكبرى مثل “الراين” و”المين” وتجريفاً للغطاء النباتي المحيط بها بفعل الجفاف والاحترار المتزايد. هذا التحول الكئيب في شكل الطبيعة والحدائق المتاخمة للضفاف سلب السكان الجانب الجمالي والمريح الذي اعتادوا الاستمتاع به، مما عزز الشعور بقدوم زمن “الجفاف البيئي” وفقدان المساحات الاستجمامية الطبيعية.

وبعد تلك الصدمات البيئية المتتالية، لم يعد “الحزن البيئي” وحيداً في داخلنا بل أصبح مترافقاً مع شعور مبرّر بـ “القلق البيئي” (Eco-anxiety)، الذي يعني “الخوف والقلق بشأن التغيرات البيئية المتوقعة في المستقبل.”، التي يتوقع أن تكون أكثر كارثيةً فيما لو استمر التدهور البيئي على الوتيرة الحالية نفسها.

ورغم أن مصطلح “القلق البيئي” صاغه الفيلسوف البيئي الأسترالي غلين ألبريخت عام 2003، ثم نشره أكاديمياً عام 2005، لوصف المعاناة التي عاشتها مجتمعات تأثرت في التعدين وتغيُّر بيئتها المحلية، فإننا ربما أصبحنا اليوم أحوج إليه من أي وقت مضى..

وبالعودة إلى الأشجار، التي كان فقدان جزء كبير منها سبباً رئيسياً في كل ما سبق ذكره من كوارث، فالمشكلة أنها نفسها أصبحت ضحية للحرارة التي نحتاج إليها لمواجهتها. فارتفاع درجات الحرارة والجفاف يمكن أن يضعفا الأشجار ويقللا قدرتها على توفير التبريد في اللحظة التي تصبح فيها المدن أكثر احتياجاً إلى الظل.

ولهذا يحذر الباحثون من أن زراعة الأشجار وحدها ليست بمثابة “الحل السحري”، فاختيار الأنواع المناسبة، وتوفير المياه، والحفاظ على الأشجار الموجودة، أصبحت جميعها جزءاً من معركة التكيّف مع المناخ.

وربما لهذا السبب بدأت علاقتنا بالشجرة تتغير، فنحن لم نعد نراها فقط جزءاً من الطبيعة حولنا، بل انعكاساً لقدرتنا على تحمّل مستقبلنا البيئي، وسلاحاً لتغيير قتامة هذا المستقبل، عبر إعادة زراعة الملايين منها ومحاولة تعويض خسارتنا من الغطاء الأخضر لكوكبنا الأزرق.

ومن يدري.. فربما يكون الحل ببساطة هو في أن يزرع كل إنسان على هذا الكوكب “شجرة”..