جاري التحميل...

رواتب تتآكل وأسعار تشتعل.. تؤجج احتجاجات أوروبا

السياسي- متابعات

خرج آلاف المحتجين إلى الشوارع في عدد من الدول الأوروبية خلال عطلة نهاية الأسبوع، اعتراضًا على ارتفاع تكاليف المعيشة وتفاقم أزمة السكن وتراجع القدرة الشرائية، في ظل ضغوط متزايدة على ميزانيات الأسر وصعوبة مواكبة الأجور لارتفاع أسعار السلع والخدمات الأساسية.

ووفق تقرير لشبكة “يورو نيوز” الإخبارية، تكشف الاحتجاجات، التي شهدتها فرنسا وبلجيكا والبرتغال وإيطاليا، عن اتساع حالة الاستياء من الأوضاع الاقتصادية، مع تزايد المطالب بتحسين الأجور والمعاشات، وتوفير مساكن ميسورة التكلفة، وتعزيز الخدمات العامة.

وفي فرنسا، شارك مئات الآلاف في مظاهرات ضمت طلابًا ومجموعات أخرى، احتجاجًا على غلاء المعيشة وتراجع مستوى الخدمات العامة. وبينما اتسمت تحركات عديدة بالسلمية، شهدت بعض المدن الكبرى أعمال شغب ونهب، تسببت في أضرار طالت نحو 1500 متجر ومحل تجاري.

وقال ألكسندر بومبار، رئيس اتحاد تجارة التجزئة، لقناة “إل سي آي” التلفزيونية، إن كلفة الأضرار التي لحقت بالمؤسسات التجارية قد تصل إلى مئات ملايين اليورو، مشيرًا إلى أن تحديد قيمة دقيقة للخسائر لا يزال سابقًا لأوانه.

وامتدت أعمال التخريب إلى مبانٍ عامة ومواقع بارزة، إذ احترق مبنى بلدية مدينة ليموج، كما تعرض مكتب السياحة في ساحة بليكور بمدينة ليون لأضرار، فيما اقتحم مخربون مباني بلديات في مارسيليا وليل وأنجيه، وتعرض مقر المحافظ في بوردو للتخريب والنهب.

وقال عمدة ليموج، غيوم غيران، إن الاحتجاج حق مشروع، وإن الغضب يستحق أن يُسمع، لكنه شدد على أن المظالم لا تبرر تدمير الممتلكات العامة.

بلجيكا وإيطاليا.. الغضب يتصاعد
وفي بلجيكا، اندلعت مواجهات بين الشرطة والمتظاهرين في بروكسل ولييج خلال احتجاجات على ارتفاع تكاليف المعيشة. وتزامنت هذه التحركات مع احتجاجات طلابية شهدتها البلاد خلال الأسابيع الأخيرة، رفضًا لارتفاع تكاليف التعليم، في وقت يواجه فيه قطاع التعليم في فرنسا أيضًا مطالب تتعلق بأوضاع المدارس ونقص المدرسين.

ووصف وزير الداخلية البلجيكي، برنارد كوانتان، أحداث السبت بأنها تجاوزت حدود الاحتجاج، قائلًا إن ما يجري أصبح “عنفًا صرفًا وواضحًا”.

أما في البرتغال، فقد طالبت النقابات العمالية والجماعات المدافعة عن الحق في السكن بزيادة الأجور وتحسين المعاشات وتطوير الخدمات العامة، إلى جانب اتخاذ تدابير تتيح للمواطنين الحصول على مساكن بأسعار معقولة.

وأشار منظمو الاحتجاجات إلى ارتفاع الإيجارات وتكاليف القروض العقارية والنفقات اليومية، بوصفها عوامل تزيد الضغوط على ميزانيات الأسر وتحد من قدرتها على تلبية احتياجاتها الأساسية.

وفي إيطاليا، خرج محتجون للتعبير عن استيائهم من الأوضاع الاقتصادية وارتفاع الأسعار، فيما أسفرت اشتباكات في ميلانو وتورينو وبولونيا عن إصابات بين المشاركين، وأوقفت السلطات عشرات الأشخاص في ميلانو.

أسعار الغذاء ترتفع 34% خلال 5 سنوات
تتمثل إحدى أبرز المشكلات التي تغذي الغضب الشعبي في استمرار ارتفاع أسعار السلع الأساسية، حتى مع تباطؤ التضخم في بعض الفترات. فتباطؤ وتيرة ارتفاع الأسعار لا يعني عودتها إلى مستوياتها السابقة؛ ما يبقي الأسر أمام تكاليف معيشية مرتفعة ويقلص ما يتبقى من دخولها بعد سداد النفقات الضرورية.

ووفق بيانات مكتب الإحصاء الأوروبي “يوروستات”، التي حللها قسم الأعمال في “يورونيوز”، ارتفعت أسعار المواد الغذائية والمشروبات غير الكحولية في الاتحاد الأوروبي بنسبة 34% بين أغسطس/آب 2021 وأغسطس/آب 2026.

وأظهرت البيانات أيضًا تراجع كمية الغذاء التي يمكن شراؤها باستخدام الحد الأدنى الشهري الإجمالي للأجور في عدد من الدول، رغم اختلاف الاتجاهات بين البلدان المشمولة بالدراسة.

فقد انخفضت هذه الكمية بنسبة 6% في مالطا، و5% في إسبانيا، و4% في فرنسا؛ ما يشير إلى تراجع نسبي في القوة الشرائية للأجور أمام أسعار الغذاء.

ومع ذلك، لا تشمل هذه المقارنة الضرائب والإيجارات والنفقات الأسرية الأخرى، وبالتالي لا تعكس بصورة كاملة حجم الضغوط التي تواجهها الأسر الأوروبية.

أزمة السكن تضاعف الضغوط على الأسر
إلى جانب الغذاء، تبرز تكاليف السكن باعتبارها أحد أبرز مصادر الاستياء، خصوصًا لدى الشباب والمستأجرين في المدن الكبرى، حيث تستهلك الإيجارات المرتفعة جزءًا كبيرًا من الدخل الشهري.

ويواجه أصحاب الأجور المنخفضة تحديات إضافية في تغطية نفقات الطاقة والنقل والتعليم وغيرها من الاحتياجات الأساسية، فيما يزيد تراجع جودة بعض الخدمات العامة أو صعوبة الوصول إليها من الشعور بتدهور مستويات المعيشة.

وتختلف دوافع الاحتجاجات ومطالب المشاركين فيها من دولة إلى أخرى، ولا تمثل التحركات موجة احتجاجية موحدة على مستوى القارة، لكنها تتقاطع عند قضية أساسية تتمثل في اتساع الفجوة بين الدخول وتكاليف الحياة.

وتضع هذه الضغوط الحكومات الأوروبية أمام تحدٍّ اقتصادي واجتماعي متزايد، يتمثل في تحسين القدرة الشرائية وتوفير السكن الميسور وتعزيز الخدمات العامة، في وقت لم تعد فيه زيادة الأجور وحدها كافية بالضرورة لتعويض الارتفاع المتراكم في تكاليف المعيشة.