جاري التحميل...

من طهران إلى بكين.. هل تعيد واشنطن رسم خارطة النظام الدولي؟

باسل اورفة لي

تَنفرد الولايات المتحدة بالأحادية القطبية العالمية منذ ربحت الصراع البارد مع القطب المنافس لها والذي شاركها تلك السيادة بعد الانتصار الكبير في الحرب العالمية الثانية، انهار الاتحاد السوفييتي وحلف وارسو والنموذج الشيوعي كله، وباتت الولايات المتحدة القوة العظمى الوحيدة في العالم منذ عام 1991، وللحفاظ على موقعها الأول لن تسمح لأيّ قوة أن تقترب من عرش السيادة العالمية سواء كان ذلك عبر التنافس أوالصراع أو تمّ الاضطرار لخوض حرب عسكرية.

ولن يتكرّر سيناريو وراثة الولايات المتحدة سلمياً للدور الحاكم عالمياً من بريطانيا العظمى بعد نهاية الحرب العالمية الثانية كون أنّ الدولتين الغربيتين تشتركان بنفس النموذج، بينما يدور الصراع الآن مع قطب شرقي صاعد هو الصين المختلف جذرياً عن النموذج الغربي.

لم تتمكّن الولايات المتحدة عبر مشروع العولمة الذي قادته في نهايات القرن الماضي وكانت أداته الرئيسية منظمة التجارة العالمية من تحويل الصين وروسيا الاتحادية إلى قوى اقتصادية كبرى تدور في الفلك الأميركي في محاولة لاستنساخ تجارب ناجحة قريبة، فاليابان التي ضربتها الولايات المتحدة بقنبلتين نوويتين وألمانيا التي دمّرها الجيش الأميركي أصبحت تلك القوّتان صديقتين بل حليفتان للولايات المتحدة من دون أي مسعى لمنافستها بل الاعتماد عليها في حماية أمنها.

فكّّكت الولايات المتحدة منظومة العولمة وحرية التجارة العالمية بعد فشلها في احتواء الصين وروسيا، فيما ذهبت موسكو وبكين إلى تشكيل هياكل منافسة كمنظمتي البريكس وشنغهاي العالميتان كتعبير عن صراع نماذج دولي ومنافسة للقطب الأعظم على هيمنته. أدخلت الولايات المتحدة روسيا في حرب استنزاف يبدو أنها ستطول كثيراً مع جيرانها الأوروبيين حيث مع اقتراب الحرب من إكمال عامها الخامس لاتلوح في الأفق أيّ بوادر لنهاياتها.

لكن أبقت الولايات المتحدة تَحكّمها بالحرب ومآلاتها عبر قيادة معلنة من الخلف لحلفائها الأوروبيين وإبقاء قنوات التواصل والتأثير قويّة مع القيصر الروسي، وبالتالي احتوت الولايات المتحدة أيّ طموح روسي منافس وحَدّت من قدرة موسكو على لعب أيّ دور فاعل في مساعدة الخصم الأبرز الصيني أو طلائعه الإيرانية.

باتت الصين الهدف الأميركي الأوحد بعد أن تَخلّصت الولايات المتحدة من حرب عدو ما دون الدولة استنزف الكثير من قدراتها واهتماماتها لعقدين من الزمن، وسَلّمت الحرب على الإرهاب إلى الحكومة السورية وسحبت قواتها من سوريا والعراق. تخادمت الولايات المتحدة مع النظام الإيراني وحاولت تطويعه أو احتواءه أو توظيفه لخدمة استراتيجياتها في المنطقة، واستعملت معه كثيراً أسلوب العصا والجزرة، حيث سمحت له بالتمدّد في الإقليم بعد ضربات أيلول 2001 لتوظيفه في الحرب على عدوّ مشترك.

وكانت ذروة التخادم في 2015 عندما أبرم الرئيس أوباما الاتفاق النووي الشهير وعُرِفَ باسم (5+1) بين المجموعة الدولية وطهران، لكن لم يلبث الرئيس ترامب أن خرج منه في أيار 2018 وبعدها تمّ اغتيال قاسم سليماني في مطار بغداد مطلع 2020 وهو ثاني شخصية في إيران من حيث الأهمية بعد المرشد . كانت الحرب قد بدأت فعلياً وتنتظر إعلانها رسمياً.

بعد أحداث السابع من أكتوبر 2023 دخلت المنطقة في حرب، طرفاها الرئيسيان إيران والولايات المتحدة عبر أذرعهما. وفي حزيران 2025 وعبر عملية مطرقة منتصف الليل وبعد أسابيع من وصول الرئيس ترامب إلى البيت الأبيض شاركت الطائرات الأميركية الشبحية العملاقة في قصف المواقع النووية الإيرانية المُهمّة على أمل تدميرها وإيقاف البرنامج النووي أو تعطيله نهائياً في أهم مفاصله.

ويبدو أنّ التقديرات الأميركية تَوصّلت إلى عدم إتمام المهمة بشكل كامل، فعادت الولايات المتحدة إلى الحرب مع إيران في 28 شباط من هذا العام بهدف استراتيجي جديد ووحيد وهو أنه لاجدوى من تدمير برنامج نووي طالما توجد قيادة إيرانية ستعمل على إعادة بنائه، وبالتالي سيكون إنهاء البرنامج النووي سيسبقه إسقاط النظام الإيراني، وهو ماحدث عملياً عندما تم اغتيال المرشد والنخب القيادية، بحيث لا تريد واشنطن التفاوض بل إسقاط النظام وإن لم يحدث ذلك إلا بإسقاط الدولة الإيرانية فالخيار محسوم.

مايطفو على المشهد الآن هو إدارة للحرب والتي حدّدت الولايات المتحدة نتيجتها النهائية، حيث من غير الممكن حصار الصين دون الهيمنة على الشرق الأوسط بأهميته الاستراتيجية الكبرى من حيث الموقع الجيوسياسي واحتياطيات الطاقة العالمية.

نجحت الإدارة الأميركية في السيطرة على النفط الفنزويلي وحرمت الصين منه، كما أنها نجحت في الاستحواذ على غرينلاند ووافق الأوروبيون على المطالب الأميركية بشأنها، ولم يبقَ للسنتين ونيف من عمر إدارة الرئيس ترامب غير العمل على إسقاط النظام الإيراني ووضع نظام صديق لواشنطن في طهران وإملاء الشروط الأميركية على الصين وتدمير أحلامها بالمنافسة على السيادة العالمية وإبقاء واشنطن على رأس الهرم العالمي.

عن الثورة السورية