جاري التحميل...

صراع “النحن” الجزئية و” النحن” الإنسانية الجامعة : العنصرية واستعلاء الثقافة

بقلم: عماد خالد رحمة ـ برلين

ليست العنصرية مجرد عداء للآخر بسبب لونه أو أصله، بل هي منظومة من التصورات والممارسات التي تمنح جماعةً ما حق التفوق، وتسلب غيرها حق المساواة والاختلاف. وقد تجاوزت في أشكالها المعاصرة التمييز البيولوجي الصريح، لتتخفّى وراء مفاهيم الثقافة والهوية والدين والانتماء الوطني. وفي قلب هذه المنظومة يتجلى صراع بين «نحن» جزئية تنغلق على ذاتها وتستمد امتيازها من إقصاء الآخرين، و«نحن» إنسانية جامعة ترى في التنوع مصدر غنى، وفي المساواة أساساً للعيش المشترك. ومن هنا، فإن تفكيك العنصرية يقتضي كشف جذورها المعرفية والسياسية والاقتصادية، ومساءلة الآليات التي تحوّل الاختلاف الطبيعي بين البشر إلى تراتبية مصطنعة في القيمة والحقوق.

تتخذ العنصرية أشكالاً متعددة؛ فمنها العنصرية البيولوجية التي تستند إلى تصورات زائفة عن تفاوت القدرات والقيم الإنسانية بين الجماعات البشرية، ومنها العنصرية الثقافية الحديثة، التي تستبدل أحياناً مفردات العرق واللون بمفردات الهوية والثقافة وأنماط الحياة.

وفي هذا التحول، لا يُعلن التمييز بالضرورة، بل قد يتخفّى وراء الدفاع عن الخصوصية الثقافية أو حماية الهوية الوطنية أو صون الانسجام الاجتماعي. غير أن هذه المفاهيم، على مشروعيتها، تتحول إلى أدوات للإقصاء حين تُستخدم للادعاء بأن ثقافةً ما أرقى من غيرها، أو أن جماعات بشرية بعينها غير قادرة على التعايش مع المجتمع الذي تعيش فيه.

إن الاختلاف الثقافي لا ينتج العنصرية بذاته، وإنما تنتجها الطريقة التي يُؤوَّل بها، حين يتحول من حقيقة إنسانية طبيعية إلى مبرر للتفوق والدونية، ومن مصدر للتنوع إلى ذريعة لإقامة الحواجز بين البشر.

قد تتأسس العنصرية على قومية ضيقة تختلط فيها الشوفينية الوطنية بالمركزية الثقافية، فتتصور الجماعة ذاتها معياراً أعلى للحضارة والتقدم، وتنظر إلى الآخرين من موقع الاستعلاء. وعندئذ لا تعود الهوية إطاراً للانتماء، بل تتحول إلى أيديولوجيا مغلقة تبرر الهيمنة وتمنح الأقوى حق فرض قيمه ومعاييره على الأضعف.

وقد تجلت هذه النزعة في تجارب استعمارية غربية متعددة، استُخدمت فيها دعاوى التفوق الحضاري لتبرير إخضاع الشعوب واستغلال مواردها وانتقاص حقوقها. ولم يكن الاستعمار مجرد سيطرة عسكرية واقتصادية، بل اقترن بإنتاج تصورات تصنف الشعوب إلى متقدم ومتخلف، وأهلٍ للحكم وآخرين يُفترض أنهم بحاجة إلى من يحكمهم.

إن «النحن» الجزئية لا تكتفي بتأكيد خصوصيتها، بل تحوّل هذه الخصوصية إلى امتياز، والامتياز إلى سلطة، والسلطة إلى معيار يُقاس به الآخرون. وهنا يختلط الاعتزاز بالذات بادعاء الأفضلية، والحق في الاختلاف باحتكار الحقيقة.

لا تتجه العنصرية دائماً إلى الآخر القادم من خارج الحدود، بل قد تنشأ داخل المجتمع الواحد، بين جماعات تتشارك الوطن والتاريخ، لكنها تختلف في مرجعياتها الثقافية أو الدينية أو المذهبية أو اللغوية.

في هذه الحالة، لا تكون المواطنة المشتركة كافية لإزالة الحواجز، لأن الجماعة المهيمنة قد تربط استحقاق الحقوق بمدى الاقتراب من نموذجها الثقافي، وتجعل المواطن المختلف مطالباً بإثبات ولائه وانتمائه باستمرار.

وهكذا تتحول «النحن» الوطنية الجامعة إلى «نحن» فرعية تقسم المجتمع إلى من يُنظر إليهم بوصفهم أصيلين، ومن يُعاملون باعتبارهم أقل استحقاقاً للانتماء.

ولا يقتصر أثر هذا التمييز على الرموز والخطابات، بل يمتد إلى توزيع الفرص والموارد والتمثيل السياسي، فتتحول الفوارق الثقافية إلى تفاوتات مادية، ويغدو الإقصاء ممارسة مؤسسية يصعب تجاوزها بمجرد تغيير اللغة المستخدمة.

يُعدّ المفكر وعالم الاجتماع الأمريكي وليام إدوارد بورغاردت دو بويز من أبرز الذين درسوا العنصرية وكشفوا أبعادها الاجتماعية والسياسية، وقد لخّص أحد تحديات القرن العشرين الكبرى في عبارته الشهيرة: «مشكلة القرن العشرين هي مشكلة خط اللون».

لم يكن خط اللون مجرد حد يفصل بين جماعات بشرية مختلفة، بل كان تعبيراً عن نظام اجتماعي يوزع الحقوق والفرص والامتيازات على أساس اللون والأصل.

وقد اهتم دو بويز بالعلاقة بين الرأسمالية والعنصرية، وبالدور الذي يؤديه الاستغلال الاقتصادي في تكريس الانقسامات العرقية وإضعاف التضامن بين الفئات الكادحة. فعندما يُستخدم الاختلاف العرقي لتبرير تفاوت الأجور والفرص، أو لإقصاء جماعات من الحماية الاجتماعية، تصبح العنصرية آلية لإعادة إنتاج الهيمنة، لا مجرد تحيز فردي.

ومن هنا، فإن مواجهتها تتطلب تغيير المواقف الشخصية، إلى جانب إصلاح المؤسسات التي تنتج التمييز أو تسمح باستمراره.

لم يكن كبار المفكرين بمنأى دائماً عن التصورات التمييزية؛ فقد تضمنت كتابات إيمانويل كانط حول الأجناس البشرية تصنيفات عنصرية، وعبّر ديفيد هيوم عن أحكام تمييزية تجاه الشعوب غير الأوروبية، كما ظهرت في بعض كتابات أرسطو تصورات هرمية عن العلاقة بين الرجل والمرأة.

ولا يستهدف استحضار هذه الأمثلة إلغاء القيمة التاريخية لمشروعات هؤلاء الفلاسفة، بل التأكيد أن المكانة الفكرية لا تمنح صاحبها حصانة من تحيزات عصره.

فالعقل الذي ينتج مفاهيم الحرية والعقلانية قد يحمل، في الوقت نفسه، تصورات تمييزية تتسلل إلى أحكامه على الآخرين. لذلك، تقتضي المسؤولية المعرفية إخضاع الأفكار للنقد، والتمييز بين منجزاتها التحررية ومواطن قصورها، وعدم تحويل التراث الفكري إلى سلطة فوق المساءلة.

لم تعد العنصرية المعاصرة تظهر دائماً في صورها الصريحة، بل قد تتوارى خلف إجراءات إدارية تبدو محايدة، أو معايير اجتماعية تؤثر في فرص العمل والسكن والتعليم. ويشير مفهوم التحيز الضمني في علم النفس الاجتماعي إلى أن بعض التقييمات قد تتشكل خارج نطاق الوعي المباشر، ثم تؤثر في القرارات اليومية.

وتظهر هذه الممارسات في التعامل مع الأسماء والأصول واللهجات، أو في تقييم الكفاءات، أو في افتراض أن شخصاً ما أقل استحقاقاً بسبب خلفيته الثقافية. وقد تتراكم هذه التحيزات لتنتج تفاوتات واسعة، حتى في غياب خطاب عنصري معلن.

وتكشف تجارب المهاجرين واللاجئين في عدد من المجتمعات الغربية عن خطورة هذه الآليات، ولا سيما في ظل الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي تستغلها تيارات شعبوية لتحويل القلق العام إلى عداء للوافدين. وقد برز ذلك في بعض الخطابات المرتبطة بالظاهرة الترامبية في الولايات المتحدة، حيث احتلت قضايا الهجرة والهوية الوطنية موقعاً بارزاً.
ولا يقتصر التمييز على الوافدين الجدد، بل قد يشمل مواطنين من أصول مهاجرة عاشوا أجيالاً داخل المجتمع نفسه، وأتقنوا لغته وأسهموا في اقتصاده وثقافته، ومع ذلك يظلون موضع تساؤل بشأن انتمائهم.

كما تتداخل العنصرية أحياناً مع الموقع الطبقي؛ إذ قد تتضاعف آثارها على العمال والفئات محدودة الموارد، الذين يواجهون تمييزاً مركباً في العمل والسكن والخدمات، بينما تمنح المكانة الاقتصادية أو العلمية الرفيعة بعض الأفراد قدرة أكبر على مقاومة آثار الإقصاء.

اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري في 21 كانون الأول/ديسمبر 1965، لتشكل ركيزة قانونية دولية لمناهضة التمييز القائم على العرق أو اللون أو النسب أو الأصل القومي أو الإثني.

غير أن وجود القوانين لا يضمن وحده اختفاء الممارسات العنصرية؛ فقد تتعايش النصوص التي تحظر التمييز مع أنماط اجتماعية ومؤسسية تعيد إنتاجه بطرائق غير مباشرة.

لذلك، ينبغي أن تتكامل الحماية القانونية مع التربية على احترام الاختلاف، وتطوير المناهج التعليمية، وتعزيز المسؤولية الإعلامية، وضمان تكافؤ الفرص والمساءلة المؤسسية.

كما يتطلب الأمر تفكيك الصور النمطية التي تختزل الجماعات البشرية في صفات ثابتة؛ فلا يجوز تحميل جماعة كاملة مسؤولية فعل ارتكبه أحد أفرادها، ولا اختزال الإنسان في أصله أو دينه أو ثقافته.

فالعدالة لا تتحقق بمجرد إعلان المساواة، بل بتهيئة الشروط التي تجعلها واقعاً ملموساً في حياة الناس.

إن جوهر المسألة يتجاوز حدود جماعة وأخرى، ليصل إلى طبيعة الوعي الذي ينظم علاقتنا بأنفسنا وبالعالم. فهناك «نحن» جزئية تنغلق على ذاتها، وتتوهم أن هويتها لا تكتمل إلا بتخفيض قيمة الآخرين، وهناك «نحن» إنسانية جامعة ترى في الخصوصيات الثقافية روافد متعددة للحياة المشتركة.

ولا تعني «النحن» الجامعة إلغاء الهويات الوطنية والقومية والثقافية، بل تحريرها من نزعتها الاحتكارية، بحيث يستطيع الإنسان الاعتزاز بأصله دون استعلاء، والانتماء إلى ثقافته دون إنكار حق الآخرين في الانتماء إلى ثقافاتهم.

فالمشكلة ليست في أن يقول الإنسان «نحن»، بل في أن يحوّل هذه الـ«نحن» إلى جدار يفصل بين البشر، أو إلى امتياز يتيح له احتكار الحقوق والكرامة.

إن المجتمع المتماسك ليس ذلك الذي يتشابه أفراده في أصولهم ومعتقداتهم، بل الذي يمتلك من العدالة والثقة والمؤسسات ما يسمح لهم بالاختلاف دون خوف، والعيش المشترك دون أن يضطر أحدهم إلى التنكر لذاته كي يُعترف بوجوده.

العنصرية، في جوهرها، خلل في تصور الذات وموقعها من العالم؛ تبدأ حين تتحول الخصوصية إلى ادعاء بالتفوق، وتتكرس حين يصبح الاختلاف مبرراً للحرمان، وتبلغ ذروتها عندما تحتكر جماعة ما حق تحديد من يستحق الاعتراف والمواطنة والاحترام.

ومقاومتها لا تكون بالقوانين وحدها، ولا بالشعارات الأخلاقية المجردة، بل بمشروع إنساني متكامل يربط المعرفة بالمسؤولية، والحرية بالعدالة، والهوية بالانفتاح، والمواطنة بالمساواة الفعلية.
فإذا كانت «النحن» الجزئية تستمد قوتها من رسم الحدود بين البشر، فإن «النحن» الإنسانية الجامعة تستمد قوتها من تجاوز تلك الحدود دون محو الاختلاف؛ لأن الإنسان لا يصبح أكثر إنسانية حين يُقصي الآخر، بل حين يعترف بحقه في الاختلاف، مساوياً له في الكرامة، وشريكاً معه في بناء عالم يتسع للجميع.