جاري التحميل...

تونس لا تحتاج رئيساً جديداً.. تونس تحتاج إلى لوجيسيال جديد وتكنولوجيا العصر

د. ليلى الهمامي

في تونس اغلبهم ويسب ويلعن الواقع دون طرح الاسئلة الحقيقية: لماذا تونس فقيرة رغم أنها ليست فقيرة؟ حسبة بسيطة تفضح 70 سنة من الكذب السياسي!!!!
سأقول لكم شيئاً لن يقوله لكم أي سياسي مزقمط في بدلة وربطة عنق أو لحية صفرية: مشكلتنا ليست في الثروة ولا في الرئيس. مشكلتنا في الآلة التي تدير الثروة.
نحن 12 مليون تونسي فقط، نستهلك أكثر مما ننتج بـ 8% كل سنة. هذا الرقم وحده يفسر كل شيء: لماذا الدينار ينهار ويرتفع ثمن الأدوية المستوردة والمواد التي تأتي بها عادة من الخارج، ولماذا الاطباء يهاجرون بالآلاف كل سنة والشاب البسيط يغامر بحياته ليهرب من تونس، ولماذا السكر والقمح والدقيق كلها مواد تختفي. نحن نعيش فوق إمكانياتنا، وتدفع الدولة الفارق بالاقتراض من جيوب أولادنا.
كيف نصلح الآلة؟ ب 6 مسامير فقط.
المسمار الأول: سياسي: الدولة ليست أباك ولا أمك ولا وصيا عليك.
اعتاد هذا الشعب على ترديد الأحزاب اليسارية لفكرة أن الدولة يجب أن تطعمنا وتشغلنا وتحمينا. وهذه كذبة كبرى. الدولة التي تفعل كل شيء لا تفعل شيئاً بإتقان!!!
الدليل أمامك من واقعنا: 110 شركات تونسية تملكها الدولة، 70% منها مفلسة وتخسر 2500 مليار من أموالك كل سنة. هل هذه هي السيادة؟
الدولة الناجحة ليست التي تملك المصانع، بل التي توفر الاستقرار والاستمرارية. وهي الدولة التي يستقل فيها القانون عن الجميع ويطبق على الرئيس والوزير وعامل النظافة بنفس القوة. عندما تعود الدولة إلى دورها الطبيعي كحارساًط لا كتاجر، يعود المواطن سيداً لا متسولاً.
المسمار الثاني: اقطع الحبل الذي يخنقك.
هل حاولت أن تفتح مشروعاً في تونس؟ أكيد كثيرون حاولوا… واتحدث عن الشركات العادية لا الأهلية. ستحتاج 45 ترخيصاً لتفتح نزلاً صغيراً أو maison d’hôte و32 وثيقة لتصدّر زيت الزيتون. هذا ليس قانوناً، هذا عقاب.
النتيجة؟ 48% من اقتصادنا هرب إلى السوق السوداء. الناس لم تعد تثق في الدولة فقررت أن تعمل بدونها.
الحل الذي جربته كل الدول التي نجحت هو قلب المعادلة: كل شيء مسموح إلا ما يضر بالصحة والأمن… افتح مشروعك بإعلام من هاتفك في 5 دقائق، والدولة تراقبك بعد ذلك. وهكذا ننتقل من دولة تمنعك قبل أن تحلم، إلى دولة تحاسبك إذا أخطأت بعد أن تعمل.
المسمار الثالث والرابع: لغة الأرقام لا تكذب.
حين نفرض 30% ضريبة على الشركات ولو بعد ثلاث سنوات، فيهرب 60% من التجار. فنرفع الضريبة أكثر فيهرب المزيد… نقول أن هذه حلقة غبية.
العالم كله فهم القاعدة: ضريبة أقل = خزينة أكثر. اجعلها 15% على الجميع بلا امتيازات، سيدخل الجميع إلى المنظومة وستزيد المداخيل 40% في 3 سنوات. رواندا المعدمة فعلتها وخرجت من الإبادة، اي نعم، من الإبادة إلى النمو. جورجيا فعلتها وأصبحت الأولى في الإصلاح.
المسمار الخامس: شهادتك هامة جدا لكنها لا تطعمك.
عندنا ربع مليون طالب يدرسون اختصاصات نسبة تشغيلها أقل من 10%. وفي نفس الوقت نستورد فنياً من الخارج ليصلح لنا آلة مصنع أو يضبط لنا هاتفا. هل هذا منطقي؟
يجب أن نحول 50% من ميزانية الجامعات النظرية إلى ورش اكاديمية حقيقية: برمجة، طاقة شمسية، صناعات بحرية، ذكاء اصطناعي. الطالب يدرس بعقد شغل مع شركة ويتخرج موظفاً. الشاب لا يريد ورقة يعلقها أبوه في الصالون، يريد 3000 دينار في جيبه على الأقل مع إمكانية شراء سيارة واقتناء مسكن، وهذا ممكن.
المسمار السادس: اقتل الفساد دون شعارات.
كل ورقة في الإدارة مهما كانت هي رشوة محتملة. نخسر 2000 مليار كل سنة في فساد صغير يومي.
لا نحتاج حملات، نحتاج مقصلة رقمية: هوية رقمية، إمضاء رقمي، حكومة كاملة في هاتفك. عندما لا ترى الموظف، لا يستطيع ابتزازك. التجربة تقول: 80% من الفساد يختفي في 24 شهراً.
في النهاية، المعادلة واضحة:
نريد دولتنا الصغيرة في حجمها، نريدها قوية في نسقها وإدارتها والياتها، غير باهضة الثمن في كلفتها.
دولة لا تسألك ماذا تعتقد وفيما تفكر وماذا تلبس واين تنوي الذهاب بسيارتك داخل بلادك، بل تسألك ماذا تتقن وماذا تنتج وماذا تحتاج لتسهل عليك مشقة العمل.
هذا هو الفرق بين دولة تعيش على ظهر مواطنيها فتثقل كاهله وتخنقه وتجعله يكره العيش فيها، ودولة يعيش شعبها حرا غنيا في عمله وتحركه وتفكيره وخياراته .
د. ليلى الهمامي