جاري التحميل...

غوستاف لوبون وسيكولوجية الجماهير: مكر السلطة ومناعة الوعي

بقلم: عماد خالد رحمة ـ برلين

يٌعدّ كتاب “سيكولوجية الجماهير” لـ غوستاف لوبون الصادر عام 1895، حجر الأساس في دراسة علم نفس الحشود. يستعرض غوستاف لوبون في كتابه كيف تتحول الجماهير العاقلة إلى كيان واحد تحركه العواطف البدائية، وكيف يُمارس قادة السياسة وسدنة السلطة مكرهم للسيطرة على هذا الكيان، في المقابل يطرح تساؤلاً جوهرياً حول مدى قدرة الوعي الفردي على بناء مناعة ضد هذا التدجين الجماعي.
في الأزمنة التي تتكاثر فيها الأزمات الاقتصادية، وتتآكل الثقة بالمؤسسات، وتتسع الفجوة بين تطلعات الشعوب وممارسات السلطات، يتحول الشارع إلى ميدان تتصارع فيه المصالح والروايات والإرادات. فالغضب، مهما كانت أسبابه مشروعة، لا يضمن وحده الوعي، والحشد، مهما بدا متماسكاً، لا يمتلك بالضرورة مشروعاً واضحاً للتغيير.

هنا تستعيد أفكار الطبيب والمفكر الفرنسي غوستاف لوبون في كتابه سيكولوجية الجماهير أهميتها، بوصفها مدخلاً لفهم العلاقة بين الفرد والحشد، وبين العاطفة والتفكير، وبين السلطة وقدرتها على توجيه الرأي العام واحتواء الاحتجاجات. وتبرز المسألة الجوهرية: كيف تتحول معرفة النفس الجماعية من أداة لفهم المجتمع إلى وسيلة للسيطرة عليه؟ وكيف تحمي الشعوب وعيها من التلاعب بمشاعرها؟

أولاً: لوبون ومكر السلطة في إدارة الشعور الجمعي

تُختزل إحدى الأفكار الشائعة المرتبطة بلوبون في القول إن الجماهير لا تفكر بقدر ما تشعر، وإنها أكثر تأثراً بالصور والشعارات المتكررة والهيبة من تأثرها بالحجج العقلية المركبة. وهذه صياغة تلخص جانباً من تصوره، وليست اقتباساً حرفياً موثقاً عنه بهذه الألفاظ.

يرى لوبون أن اندماج الفرد في الحشد قد يضعف استقلاله النقدي، ويزيد تأثره بالإيحاء والانفعال المشترك. فما قد يتردد في قبوله منفرداً، يمكن أن يستجيب له تحت ضغط الجماعة، حين تتضافر المخاوف والآمال والرموز والشعارات.

ومن هذه المنطقة النفسية يتسلل مكر السياسة، عندما تتحول معرفة الجماهير إلى وسيلة لتوجيهها، عبر تضخيم الأخطار، وانتقاء المعلومات، وتبسيط الأزمات، وصناعة عدو تُعلّق عليه الإخفاقات، أو تكرار رواية رسمية حتى تبدو مألوفة، ثم يُراد للمألوف أن يحل محل الحقيقة.

فأخطر أشكال التلاعب ليست تلك التي تفرض على الإنسان فكرة بالقوة، بل تلك التي تجعله يعتقد أن الفكرة المفروضة قد وُلدت في داخله.

ومع ذلك، لا يجوز اختزال الجماهير في العاطفة العمياء؛ فقد تنتج الحركات الجماعية وعياً وتضامناً وتنظيماً، كما قد تقع في الاندفاع والتضليل. والفارق تصنعه المعرفة، وحرية تداول المعلومات، وقدرة الأفراد على الاحتفاظ باستقلالهم النقدي.

ثانياً: من أزمات المعيشة إلى انفجار الشارع

حين تتراجع القدرة الشرائية، وتتفاقم أزمة السكن، وترتفع تكاليف الحياة، وتتسع الفوارق الاجتماعية، يتحول الغضب إلى تعبير عن اختلال العلاقة بين المجتمع ومؤسساته. وإذا اقترن ذلك بانسداد قنوات المشاركة وتراجع الثقة بالعدالة، يصبح الشارع مساحة لاستعادة الصوت والمطالبة بالتغيير.

لكن ينبغي التمييز بين الغضب بوصفه استجابة لمظلمة حقيقية، والغضب بوصفه طاقة قابلة للتوظيف السياسي. فقد ينشأ الحراك من مطالب معيشية مشروعة، ثم تتنافس قوى متعددة على احتوائه أو توجيهه أو احتكار تمثيله.

ولا يعني ذلك أن الاحتجاجات مصطنعة أو أن المشاركين فيها أدوات للآخرين؛ فإرجاع كل حراك إلى المؤامرة ينكر معاناة الناس، كما أن التسليم بكل الشعارات يعطل التفكير النقدي. والوعي الناضج هو الذي يفحص الوقائع ويميّز بين الأسباب البنيوية والاستثمار السياسي، دون أن يجعل أحدهما ذريعة لإنكار الآخر.

ثالثاً: كيف تحتوي الدول موجات الغضب؟

لا تعتمد إدارة الاحتجاجات على القوة الأمنية وحدها، بل تتعدد أدوات الاحتواء وفق طبيعة النظام السياسي وحجم الأزمة ودرجة الثقة بالمؤسسات.

أولاً، صناعة الهيبة: تستخدم بعض السلطات الرموز الرسمية والخطاب الحازم لإظهار السيطرة واستعادة الشعور بالأمان. لكن الهيبة التي لا تسندها العدالة تبقى مظهراً هشاً أمام تراكم المظالم.

ثانياً، تبسيط الأزمة وتحويلها إلى شعار: قد يساعد التبسيط على إيصال الأفكار، لكنه يتحول إلى تضليل حين يحذف الأسباب الحقيقية، أو يحمّل فئة بعينها مسؤولية كل الإخفاقات، أو يستبدل التحليل بتوزيع الاتهامات.

ثالثاً، احتواء الانفعال عبر الحوار والإصلاح: قد تفتح الدولة قنوات للتفاوض، وتشكل لجاناً للاستماع، وتعلن تدابير اقتصادية واجتماعية. ويمكن لهذه الخطوات أن تؤسس لإصلاح حقيقي إذا اقترنت بالتنفيذ والمساءلة، لكنها تصبح أدوات للمماطلة عندما تكتفي بامتصاص الغضب دون معالجة أسبابه.

رابعاً، تكرار الرواية المهيمنة: تتنافس الخطابات السياسية والإعلامية على تشكيل إدراك الجمهور، عبر الصور المنتقاة والمقاطع المجتزأة والتكرار والإيحاء. غير أن شيوع الرواية لا يجعلها صحيحة، كما أن قوة الصورة لا تعوّض غياب الدليل.

ويظل الاحتواء هشاً حين تتراكم الوعود غير المنفذة، وتتراجع الثقة، وتصبح كلفة الحياة أعلى من قدرة الناس على الاحتمال.

فالدولة تستطيع تأجيل انفجار الغضب، لكنها لا تستطيع إلغاء أسبابه بمجرد إدارة صورته.

رابعاً: متى يصبح الغضب فخاً؟

ليس كل غضب طريقاً إلى التغيير، كما أن الهدوء ليس بالضرورة دليلاً على الرضا. فقد يتحول الاحتجاج إلى فخ حين يتقدم الانفعال على التفكير، ويصبح الانتقام بديلاً عن العدالة، ويُختزل المستقبل في إسقاط الحاضر من دون تصور لما ينبغي أن يحل محله.

وتبرز هنا ثلاثة مخاطر:

فخ الاستثارة: حين تتحول المشاعر إلى بديل عن التحقق، ويصبح كل اختلاف خيانة، وكل خبر مادة للتصعيد.

فخ الاختطاف: حين تحتكر قوى أكثر تنظيماً صوت المحتجين، وتعيد صياغة مطالبهم لخدمة مصالحها.

فخ الاستقطاب: حين تُستبدل المطالب الاجتماعية بصراعات هوياتية تمزق النسيج الوطني وتصرف الأنظار عن أسباب الأزمة.

ولا يعني ذلك التخلي عن الاحتجاج أو قبول الظلم تجنباً للفوضى، بل حماية الحراك من الانحراف عبر التنظيم الواعي، وتحديد الأهداف، واعتماد الوسائل السلمية. فالتخريب العشوائي لا يبني دولة عادلة، والعنف غير المنضبط قد يمنح الراغبين في القمع ذرائع لتوسيع قبضتهم.

إن الحراك الواعي لا يكتفي بمحاسبة خصومه، بل يمتلك القدرة على مراجعة نفسه وتصحيح مساره؛ لأن الاعتراف بالخطأ ليس هزيمة، بل شرط من شروط النضج السياسي.

خامساً: كيف نتجنب الوحل؟

تبدأ مقاومة التلاعب الجماعي باستعادة الفرد قدرته على التفكير المستقل، ثم تحويلها إلى ثقافة عامة وممارسة اجتماعية. فالمشكلة ليست في أن يغضب الإنسان، بل في أن يُحرم من فهم أسباب غضبه، أو يُدفع إلى توجيهه ضد أهداف لا تعالج معاناته.

على مستوى الشعوب، ينبغي الانتقال من الحشد العاطفي إلى التنظيم المدني الواعي، ومن الشعارات العامة إلى مطالب محددة قابلة للتنفيذ والمساءلة. ويقتضي ذلك تعزيز العمل النقابي والمدني، وبناء المبادرات التضامنية، وحماية الحق في الاحتجاج السلمي، ورفض العنف والكراهية والتخريب.

كما أن التحقق من الأخبار، ومقارنة الروايات، والتمييز بين الحقيقة والرأي، أصبحت ضرورات في زمن تتسارع فيه المعلومات، ويختلط فيه الخبر بالتضليل، حتى يصبح المتلقي شريكاً في نشر رواية لم يتحقق منها.

ويقتضي الوعي أيضاً مقاومة الاستقطاب الهوياتي؛ فلا يجوز تحويل الفقر أو البطالة أو أزمة السكن إلى اتهام جماعي على أساس الدين أو العرق أو الأصل. فعندما تُستبدل مساءلة السياسات بتجريم الهويات، تتراجع فرص الإصلاح ويُدفع المجتمع إلى صراعات جانبية.

أما من منظور القيم الإسلامية، فإن تجنب الفتنة لا يعني السكوت عن الظلم، ولا منح السلطة حصانة من النقد والمساءلة، بل الجمع بين مقاومة الظلم وصيانة المجتمع، وبين المطالبة بالحقوق والالتزام بالعدل.

يقول تعالى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾، ويقول: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾.

إن التثبت من الأخبار، والعدل حتى مع الخصوم، يمثلان أساساً أخلاقياً لمواجهة التلاعب بالجماهير. فلا يُبنى الموقف على خبر غير موثوق، ولا يُبرر الظلم لأن مرتكبه خصم، ولا تُمنح جماعة حصانة أخلاقية مطلقة لمجرد انتسابها إلى هوية دينية أو وطنية.

ومن هنا، يصبح الاستثمار في التعليم، وبناء المؤسسات، واستقلال القضاء والإعلام، والعمل المنظم، والاقتصاد التضامني، جزءاً من حماية المجتمع من الانفجار المتكرر ومن محاولات استغلال أزماته.

من الحشد إلى الوعي

تكمن أهمية لوبون في تنبيهه إلى قوة العوامل النفسية في السلوك الجماعي، لكنه لا يقدم وحده تفسيراً كاملاً للاحتجاجات والسياسة. فالجماهير ليست مجرد موضوع للتلاعب، بل فاعل اجتماعي قادر على التعلم والتنظيم وصناعة التضامن.

كما أن احتواء الشارع ليس بالضرورة مكرًا؛ فقد يكون إصلاحاً حقيقياً، وقد يكون مناورة لشراء الوقت. والمعيار هو النتائج: هل تُعالج المظالم؟ هل تُصان الحقوق؟ هل تتاح المساءلة والمشاركة؟
ولا يكفي أن تكشف الشعوب مكر الآخرين؛ عليها أن تراقب أيضاً قابلية ذواتها للانخداع، حتى حين يأتي التضليل في صورة قضية عادلة أو شعار محبوب. فالوعي النقدي لا يكتفي بالسؤال عما يقوله الآخرون، بل يسأل عن الأدلة والمصالح والنتائج.

إن النجاة من الوحل لا تكون بالخوف من الشارع، ولا بالاندفاع الأعمى وراءه، بل بفهم أسبابه، وكشف آليات التلاعب به، وحماية حقه في الاحتجاج، وربط حركته بمشروع واضح للعدالة والحرية والكرامة.
فالسلطة قد تنجح في احتواء الغضب زمناً، والدعاية قد تنجح في توجيه الحشد مرحلة، لكن المجتمع الذي يمتلك المعرفة والتنظيم والشجاعة الأخلاقية يستطيع أن يستعيد زمام المبادرة، وألا يتحول ألمه إلى وقود لصراعات الآخرين.

فحين يعرف الناس لماذا يغضبون، وماذا يريدون، وكيف يحاسبون من يتحدث باسمهم، يصبح الوعي حصنهم من التلاعب، ويغدو الغضب بداية للتغيير، لا طريقاً إلى الضياع.