د. ليلى الهمامي
ليست المسألة مسألة شعبية، ولا مسألة فكر، ولا مسألة برنامج. المسألة مسألة ميكانيكية صعود.
في تونس، كل من انتهت صلاحيته السياسية، كل من احترق في الداخل أو تجمد في الخارج، كل سياسي مفلس وكل حزب صفري يائس، حين يريد أن يعود إلى الواجهة، لا يجد أمامه إلا بابا واحدا مفتوحا على الدوام، رغم كل الهزائم وكل الخيبات: باب الحركة الإسلامية.
لا أحد يصعد في تونس اليوم إلا ويطرق بابهم. ليس لأنهم الأقوى، بل لأنهم الأخطر. لأنهم الوحيدون الذين يملكون ما لا يملكه أي حزب آخر: شبكة خراب جاهزة للاستعمال. ولأن السياسة في تونس لم تعد إنتاج أفكار، بل أصبحت إدارة شبكات. والشبكة الوحيدة التي بقيت سليمة بعد عشر سنوات من التفكك هي شبكة التنظيم الإخواني. تنظيم لا يموت بالانتخابات، لأنه لا يعيش بها أصلا. هو يعيش بالولاء العمودي، بالخلايا النائمة في الإدارة، في التعليم، في المساجد، في الجمعيات، وفي سوق المال الموازي.
السياسي التونسي القديم مفلس. لا يملك حزبا، ولو ملك حزبا فهو حزب عجوز هرم لم يغير رئيسه منذ ما يقارب نصف القرن. السياسي التونسي المعروف عندنا لا يملك مالا، لا يملك قاعدة. لكن الحركة تملك ثلاثتهم. تملك آلة تمويل خارجية لا تنضب، مصدرها شبكات اقتصادية وتنظيمات عابرة للقارات تعمل تحت غطاء الاستثمار والدعوة والعمل الخيري، وتملك آلة داخلية جبارة قوامها أكثر من 21 ألف جمعية قريبة منها إحصائيا بين 2011 و2019، وأكثر من 400 شركة مصادرة أو مرتبطة بشبكاتها التجارية. من يريد أن يترشح للرئاسة يحتاج إلى 10 الاف تزكية، وهي تستطيع أن توفر 35 ألفا في يوم واحد، توفرهم في 48 ساعة. الحملة تحتاج إلى 3 ملايين دينار لتدار بإتقان؟ الحركة تملكهم في تحويلة بنكية واحدة. إذن الصفقة واضحة: أنت يا منذر أو المنصف أو محسن أو كمال أو غيرهم…، أنت الواجهة المدنية، ونحن خلفك ونحن البنية التحتية.
أما الحقيقة التي يجب أن تقال بلا مساحيق فهي واقع عشر سنوات من حكمهم لم تكن حكما، كانت عملية تفكيك ممنهج للدولة التونسية. لقد استلموا دولة مديونيتها 44% من الناتج الداخلي سنة 2010، وسلموها سنة 2021 بدين يفوق 82%، وبعجز ميزانية تجاوز 11%، وبمؤسسات عمومية مفلسة عمدا. باعوا الخطوط التونسية، ودمروا الفسفاط من 8 ملايين طن إلى مليونين، وتركوا البنك المركزي يطبع الأوراق لتغطية رواتب طوابير بآلاف الآلاف من الموالين تم انتدابهم في الوظيفة العمومية. لم يكن فشلا اقتصاديا، كان سياسة تجويع لتطويع الشعب، ليعود نفس الشعب يطلبهم مخلصين.
ولمزيد التوضيح الحركة ليست حزبا تونسيا. هي فرع محلي لإمبراطورية إقليمية لها عاصمتان: واحدة تملك الغاز والإعلام، وأخرى تملك الجيش والطيران المسير. هذا يعطي أي متحالف معها وهم العمق الاستراتيجي. يظن السياسي التونسي الطموح والمعزول أنه حين يصافح الحركة، هو يصافح أنقرة والدوحة في نفس اللحظة، وأنه سيحظى بمنصة قناة الجزيرة والميادين ومواقع تشبه الكتيبة، وبدعم لوبيات الخارج، وبحماية المنظمات الحقوقية الدولية التي يديرها نفس المحور. هو لا يبحث عن ناخب في الكاف أو دوار هيشر أو حي التضامن، بل يبحث عن تزكية في الخارج.
أما الجريمة التي لن يغفرها التاريخ للحركة فمصيبة تسفير أكثر من 6000 شاب تونسي إلى بؤر الموت في سوريا وليبيا والعراق، بشبكات منظمة كانت تدار من قلب المساجد التي سيطروا عليها، ومن مطار تونس قرطاج بجوازات سفر وتسهيلات أمنية موثقة في ملفات القضاء. حولوا تونس من أول دولة في التعليم إلى أول مصدر في العالم للإرهاب. باعوا أبناءنا وقودا لمشروع الخلافة المزعوم.
السياسي الضائع يشبه ذلك الغريق المتشبث بقشة مجرم.
هذا هو قانون المكيافيلية التونسية : حين تغرق كل السفن، يركب الجميع سفينة القراصنة. المعارضة التونسية فشلت فشلا ذريعا في بناء بديل. اليسار تفتت إلى 27 حزبا متناحرا، القوميون انتهوا إلى صفحات فيسبوك، الدساترة تشتتوا بين الحنين والمنفى. بقيت الحركة وحدها ككتلة صلبة، منضبطة، تحسن فن التقية السياسية. تلبس اليوم ثوب المدنية، وغدا ثوب المظلومية، وبعد غد ثوب المصالحة الوطنية ثم تتلقى التعويضات تلو الاخرى. هذه الحربائية السياسية هي ما يغري الانتهازي: حزب يهزم ولا يموت، يُدان ولا يحاسب، يُحل ولا ينحل.
ومشروعهم لم يكن أبدا بناء تونس، بل إلحاقها. إلحاقها بمشروع إمارة. تحويل الجمهورية المدنية البورقيبية إلى ملحق رخيص يدور في فلك عواصم الغاز والبترول، إلى إمارة تدار بالفتوى لا بالقانون، بالولاء لا بالكفاءة، بالطاعة لا بالمواطنة. لذلك ضربوا المدرسة العمومية، وحاولوا ضرب مجلة الأحوال الشخصية، وضربوا المرأة التونسية، لأن المرأة الحرة هي نقيض مشروعهم الظلامي.
الحقيقة المرة التي لا يريد أحد قولها لكم هي أن هؤلاء لا يراهنون على عودة الإخوان لأنهم يحبون الإخوان، بل لأنهم لا يؤمنون بأن التونسي قادر على خلق تنظيم جديد نظيف مختلف تماما عن هذه المتاهة. ذاكرتهم قصيرة، نعم، لكن حساباتهم طويلة. يعلمون أن المجتمع الذي صوت لهم مرة بدافع الخوف من النار، قد يصوت لهم مرة أخرى بدافع الخوف من الجوع وقطع الكهرباء والماء والخبز.
لذلك، كل طامح للرئاسة في تونس، من المنفى الباريسي إلى مقاهي لافيات، سينتهي به المطاف طارقا نفس الباب الاخواني. ليس حبا في صاحبه، بل لأنه للأسف الباب الوحيد الذي لا يزال يملك المفتاح والقفل في آن واحد. اليوم، يأتيك السياسي الفاشل، الهارب في باريس أو المتسول في الداخل، وحتى النقابي يأتيك ليقول لك: سأتحالف معهم من أجل الديمقراطية! أي ديمقراطية؟ هل تتحالف مع من أفلس خزينة بلادك، وسفّر ابنك، وأراد بيع علمك الأحمر بثمن راية سوداء؟
الإخوان لا يبحثون عن حليف، بل يبحثون عن واجهة جديدة. واجهة مدنية بلسان فرنسي أنيق، أو حتى بدارجة تونسية منمقة فنانة، تخفي وراءها نفس الجهاز، نفس المال الأسود، ونفس الحلم المريض: تحويل تونس إلى إمارة تابعة.
وأخيرا، هذه هي الوصية للتونسيين:
ثبّتوا جيدا في وجه كل مترشح يأتيكم مقنّعا. اليوم لم يعد يأتيك بلحية مسلم وقميص، بل يأتيك بلحية فنان أو لحية ماركسي أو بالكوفية الفلسطينية للعب بعواطفنا، يأتيك مرشحا أنيقا بقناع الفنان، وبقناع المتحصل على ماجستير منقول من شات جي بي تي، ويأتيك بقناع العلماني التقدمي، وبقناع المنقذ المستقل. دقّقوا في عيون المرشحين الجدد، فتشوا عن تاريخهم فردا فردا، فتشوا عمن موّلهم، ومن زكّاهم، ومن يصفق لهم في الداخل وفي الخارج. فإن شممتم من وراء عطره الباريسي رائحة الأخونة، وإن لمستم من وراء كلامه المعسول عن الفن والحرية نفس سموم وتقوى المشروع الإخواني القديم، فلا ترحموه. حاربوه بالكلمة، ومزّقوا شعاراته الكاذبة بالحجة، وافتكّوا ترشحه في الصندوق قبل أن يفتك هو بدولتكم. لأن مشروعه ليس أن يحكمكم، بل أن يصعد على جثتكم، وأن يبني مجده على أنقاض جمهوريتكم وأن يورث بعد ذلك الحكم لأبناء أبنائه اللقطاء وحاشيته المأجورة.
لهذا، على كل تونسي أن يفهم: المعركة القادمة ليست معركة يمين ويسار، بل معركة وجود. إما دولة مدنية تونسية سيدة، وإما إمارة ظلامية ملحقة يباع فيها شبابنا في سوق الجهاد وتباع فيها سيادتنا في سوق الغاز.
د. ليلى الهمامي