في هذه المدينة، لم تكن المأساة أن التضحيات لم تصنع نظامًا. بل أن النظام الذي وُلد من رحم التضحيات انتهى إلى معاقبة المدينة على أحلامها!
سال الدم، وارتقى الشهداء، وانحنت أعمارٌ كاملة تحت ثقل المعاناة، وظلّ الناس يراهنون على يومٍ تصبح فيه المسؤولية أمانة، والكفاءة معيارًا، والسلطة وسيلةً لبناء مستقبلٍ يليق بكل ما دفعوه من أثمان. وحين جاء ذلك اليوم، اكتشفوا أن الطريق إلى المسؤولية لا يحتاج دائمًا إلى عقلٍ يبني، أو يدٍ تعمل، أو ضميرٍ يحرس مصالح الناس؛ فقد يكفي أن تمتلك عَظْم الرقبة المناسب!
ويا للمفارقة! مدينةٌ قدّم أبناؤها أرواحهم كي يكون القرار في أيدي القادرين على حمايتها، فإذا بالقرار يقع في أيدي مَن أتقنوا حماية مواقعهم. مدينةٌ حلمت بمؤسساتٍ تنهض بها، فإذا ببعض مؤسساتها تنهكها صراعات الولاءات والمصالح. وشعبٌ دفع أثمانًا باهظة كي يصنع مستقبله، فإذا به يُستبعد من صناعته، ثم يُطلب منه أن يتحمّل نتائج الفشل!
لكنّ الحكاية لم تتوقف عند عَظْم الرقبة. فحين عجز هذا الاختراع عن إنقاذ المدينة من التراجع، قرّر القائمون عليه تطويره، ونقلوه من مرحلة القرابة إلى مرحلة أكثر إحكامًا: مرحلة مسامير الكندرة!
في النظام الأول، كانت القرابة تفتح أبواب المسؤولية، وفي النظام الثاني، أصبحت المصالح والولاءات مساميرَ تُثبّت بعض المسؤولين في مواقعهم، حتى حين تتهاوى المدينة تحت أقدامهم!
ومع مرور السنوات، تراجعت المؤسسات، وتكاثرت المصالح الضيقة، واتّسع الانقسام، فيما ظلّت الكفاءات خارج المشهد، تنتظر فرصةً لا تأتي، لأن الطريق إلى المواقع لم يُعبَّد دائمًا بالخبرة والإنجاز، بل بمفاتيح لا علاقة لها بمصلحة الناس.
والأكثر عبثًا أن القائمين على النظام ما زالوا يتساءلون عن أسباب الانهيار! يبدّلون الوجوه، ويشكّلون اللجان، ويبحثون عن حلولٍ جديدة، لكنّهم يتجنّبون السؤال الذي قد يكشف أصل الحكاية:
ماذا لو لم تكن المشكلة في المسؤول الذي فشل وحده، بل في النظام الذي اختاره، ثم حماه، ثم أبقاه رغم فشله؟
فالمدينة ليست فقيرةً في العقول والخبرات، ولا خاليةً من رجالٍ ونساء قادرين على النهوض بها. لكنّ شعبًا كاملًا، بكل ما يملكه من كفاءات وطاقات، لا يزال يُعامَل أحيانًا كأنه مؤهّل لدفع الأثمان، لا للمشاركة في صناعة القرار.
وهنا تكمن المأساة: أن يتحوّل الوصول إلى المسؤولية إلى امتيازٍ للعلاقات، والبقاء فيها إلى مكافأةٍ للولاءات، فيما تصبح الكفاءة غريبةً في مؤسساتٍ يُفترض أنها وُجدت لخدمة الناس.
إنّ المدينة لا تحتاج إلى نظرية ثالثة لتعيين المسؤولين، بل إلى شجاعة كسر القاعدة التي جعلت المواقع أهمّ من الأمانة، والولاء أهمّ من الإنجاز، وحماية المسؤول أهمّ من حماية المؤسسة.
فالذين قدّموا الشهداء والتضحيات لم يفعلوا ذلك كي تصبح المسؤولية ملكيةً خاصة، أو كي يُستبعد الشعب من تقرير مستقبله. لقد دفعوا أثمانًا باهظة من أجل نظامٍ عادل، تكون فيه الكفاءة طريق الوصول، والمحاسبة قاعدة البقاء، والمصلحة العامة فوق كل علاقةٍ وولاء.
فلا عَظْم الرقبة يصنع دولة، ولا مسامير الكندرة تحمي مؤسسات. الأوطان تنهض حين يصبح الشعب شريكًا في القرار، لا ضحيةً دائمةً لنتائجه.
أما القائمون على أمر هذه المدينة، فيمكنهم مواصلة البحث عن أسباب انهيارها، وتغيير الوجوه، واختراع النظريات، لكنّ عليهم أن ينظروا، ولو لمرة واحدة، إلى ما يحدث تحت أقدامهم.
فقد تكون المدينة كلّها قد بدأت تسقط، بينما لا يزال بعضهم منشغلًا بالتأكّد من أن مسمار الكندرة لم يتحرّك من مكانه!