بقلم: عماد خالد رحمة ـ برلين
في متاهات النفس البشرية، حيث تتخفّى النوايا وراء واجهات مصقولة، يظهر نمط من البشر يظنّ أن الخبث حنكة، وأن التظاهر بالطيبة كافٍ لستر عطب الضمير. يرتدي قناع الوداعة، ويستعير مفردات النبل، بينما يضمر في أعماقه رغبةً في الإيذاء أو التلاعب أو الانتقاص من الآخرين. لكنه ينسى أن القناع، مهما أُحكم إغلاقه، لا يمنح صاحبه ذكاءً يفتقر إليه؛ وأنّ بعض الأقنعة لا تستر الوجوه، بل تكشفها.
إنه الخبيث الغبي؛ ذاك الذي يريد أن يخدع الجميع، فيما يعجز عن خداع نفسه. يخطّط للإساءة، ثم يترك في طريقها ما يدلّ عليها، ويتظاهر بالمودّة، فإذا بتصرّف عابر يهدم ما شيّده من ادّعاء. يتوهّم أنه يحرّك الخيوط من وراء الستار، ولا يدرك أنه الدمية التي تحرّكها عقده؛ وأنّ محاولته إخفاء نواياه تتحوّل، بفعل قصوره، إلى اعتراف مؤجّل بها.
فالخبث، في جوهره، نزوعٌ إلى توظيف الوعي في الإضرار بالآخر، أما الغباء فيعجز عن إدارة هذا النزوع وضبط تناقضاته. ومن هنا تنشأ المفارقة: إرادةٌ سيئة تتوهّم أنها تمتلك زمام الحيلة، وعقلٌ قاصر يبدّد آثارها عند أول اختبار. فالمكر لا يُقاس بسوء النية، بل بقدرة صاحبه على فهم العواقب؛ وحين تغيب هذه القدرة، يصبح الخداع مسرحيةً رديئة، يؤدي فيها الممثل دور البريء، فيما يصرخ أداؤه بما يحاول إخفاءه.
وليس كل من ادّعى الطيبة خبيثًا، ولا كل من أخطأ في التقدير غبيًّا؛ إنما تتجلّى هذه الشخصية حين يتكرّر التناقض بين القول والفعل، وتتحوّل البراءة المعلنة إلى وسيلة للإيذاء، ويغدو الاعتذار ستارًا لإعادة إنتاج الإساءة. عندئذٍ لا يعود الأمر زلّةً عابرة، بل نمطًا سلوكيًّا يفضح صاحبه بقدر ما يفضح الآخرين الذين يتوهّم أنه قادر على استغفالهم.
ومن منظور نفسي، قد يكون التظاهر بالمثالية الأخلاقية وسيلةً لتعويض شعور بالنقص، أو طلبًا للاعتراف، أو محاولةً لفرض السيطرة دون تحمّل مسؤوليتها. غير أنّه لا يصحّ اختزال كل سلوك مخادع في اضطراب نفسي، ولا الجزم بدوافع صاحبه من الظاهر وحده؛ فالأفعال المتكررة، وتناقضاتها، وما تخلّفه من أذى، أصدق في الحكم من التخمين في خفايا النفوس.
والمفارقة أن الخبيث الغبي لا يسقط بالضرورة لأن الآخرين أذكى منه، بل لأنه يبالغ في تقدير قدرته على خداعهم. يظنّ أن ابتسامةً كافية لمحو أثر الإساءة، وأن كلمةً منمّقة تستطيع ترميم الثقة التي هدمها سلوكه. لكنه يغفل أن الذاكرة الإنسانية لا تحتفظ بالكلمات وحدها، بل تقارنها بالأفعال؛ وأنّ الثقة لا تنهار دائمًا في لحظة المواجهة، بل تتآكل بصمت، حتى يصبح أبسط تناقض دليلًا على حقيقةٍ تراكمت شواهدها.
فالطيبة الأصيلة لا تحتاج إلى إعلان مستمر، ولا تستمدّ شرعيتها من شهادة صاحبها لنفسه؛ إنها تتجلّى في المواقف حين لا تكون هناك مصلحة، وفي الإنصاف حين تتاح فرصة الظلم، وفي احترام الغائب كما يُحترم الحاضر. أما الطيبة المصطنعة فتظلّ رهينة الجمهور، وتفقد بريقها حين لا تجد عينًا تراقبها أو منفعةً تنتظرها.
وما من قناعٍ أشدّ هشاشةً من قناعٍ يعتقد صاحبه أنه وجهه الحقيقي؛ إذ لا يعود قادرًا على التمييز بين ما يتظاهر به وما هو عليه. وحين يطول التمثيل، تتسرّب الحقيقة من شقوق الأداء: في نبرةٍ تتبدّل، أو شماتةٍ تفلت، أو موقفٍ يناقض ألف ادّعاء. عندها لا يحتاج الآخرون إلى انتزاع القناع؛ فصاحبه يتكفّل بتمزيقه، ثم يتّهم المرآة بأنها أساءت تصويره.
إنّ الخبيث الغبي ليس خطيرًا بقدر ما يتوهّم، ولا ذكيًّا بقدر ما يدّعي؛ إنه تناقض يمشي على قدمين، يريد أن يزرع الشكّ في عقول الآخرين، فيما يزرع الأدلة على نفسه، ويريد أن يحجب الحقيقة، فيما يسلّط عليها الضوء من حيث لا يدري.
فالخبث قد يُخفي النية، لكنه لا يصنع ذكاءً؛ والغباء قد يؤخّر انكشاف الحقيقة، لكنه لا يمنعه. وحين تجتمع النية السوداء بالعقل القاصر، يصبح القناع شاهدًا على صاحبه، وتتحوّل الحيلة إلى اعتراف، ويغدو السقوط نتيجةً يصنعها المرء بيديه.
وفي النهاية، ليست الهزيمة الكبرى أن يكتشف الناس خبثك، بل أن تعتقد، بعد انكشافك، أنك ما زلت تخدعهم؛ فثمة من يسقط قناعه مرةً واحدة، وثمة من يظلّ يرتديه حتى بعد أن يصبح وجهه الحقيقي معروفًا للجميع.